أ ف ب – يبعث الرئيس المصري الجديد عبد الفتاح السيسي الذي ادى اليمين الدستورية الاحد الامل في قلوب ملايين المصريين بتحقيق الاستقرار والامن بعد ثلاث سنوات من الاضطرابات، لكن حملة قمع معارضيه تثير القلق من العودة للتضييق على الحريات.

وهذه الرغبة في الاستقرار كانت وراء الفوز الكاسح الذي حققه وزير الدفاع السابق (59 عاما) في الانتخابات الرئاسية التي جرت في ايار/مايو الفائت وشارك فيها 47،45% من الناخبين حيث حصد 96،9% من الاصوات الصحيحة مقابل 3% تقريبا لمنافسه الوحيد القيادي اليساري حمدين صباحي.

وخلف هدوئه الدائم الذي رأى فيه المصريون دليلا على الثقة بالنفس، تختبئ شخصية ضابط عنيد خاض بثبات مواجهة دامية مع جماعة الاخوان المسلمين، الحركة السياسية التي ظلت لعقود طويلة الاكثر تنظيما في البلاد.

ومنذ ان عزل الجيش بقيادة السيسي الرئيس الاسلامي محمد مرسي في الثالث من تموز/يوليو الفائت، تشن السلطات المصرية حملة قمع واسعة على انصاره خلفت اكثر من 1400 قتيل و15 الف معتقل بحسب منظمات حقوقية دولية.

في المقابل، قتل اكثر من 500 من رجال الجيش والشرطة في هجمات تبنت “جماعة انصار بيت المقدس” الجهادية مسؤولية معظمها وخصوصا الاكثر دموية من بينها مثل حادث تفجير مديرية امن المنصورة (دلتا النيل) في كانون الثاني/ديسمبر الماضي الذي اوقع 15 قتيلا.

وكان قرار السيسي اطاحة الرئيس الاسلامي السبب الرئيسي في شعبيته اذ رأى فيه كثير من المصريين “المنقذ” و”المخلص” الذي انهى حكم جماعة الاخوان التي سعت الى الهيمنة على مفاصل الدولة وعلى مؤسساتها وفشلت في ادارة اقتصاد البلاد.

ومع صوره التي تزين كل الشوارع والمتاجر تقريبا منذ 11 شهرا، يحظى السيسي بشعبية واسعة لا ينازعه فيها اي سياسي اخر منذ ثورة العام 2011 التي اطاحت حسني مبارك.

وعندما اعلن في الثالث من تموز/يوليو 2013 عزل مرسي، قال السيسي انه يلبي “ارادة الشعب” بعد ان نزل ملايين المصريين الى الشوارع يطالبونه بالتدخل لانهاء حكم الاخوان.

وخلافا للزعامات التقليدية، لم يكتسب السيسي شعبيته من خلال خطب رنانة او لهجة حماسية بل على العكس فهو يتحدث دوما بصوت خفيض هادئ وباسلوب عاطفي ويفضل العامية على الفصحى مع التركيز في خطابه السياسي على مكافحة الارهاب وتحقيق الامن.

لكن الجنرال الذي تقاعد واستبدل بالبزة المدنية الانيقة زيه العسكري عشية ترشحه للرئاسة، يثير المخاوف لدى الكثير من الحركات الشبابية، التي شاركت في الثورة على مبارك، من عودة الاجهزة الامنية الى سابق عهدها في انتهاك حقوق الانسان واللجوء الى القمع.

وتزايدت هذه المخاوف مع امتداد حملة القمع لتشمل ناشطين غير اسلاميين، اذ تم حظر حركة 6 ابريل التي شاركت في اطلاق الدعوة للثورة على مبارك، وحكم بالسجن لثلاث سنوات على اثنين من قادتها، كما احيل عشرات الناشطين الاخرين للمحاكمة بعد اتهامهم بخرق قانون مثير للجدل يحظر التظاهر دون ترخيص.

ولم تسهم مقابلات السيسي التلفزيونية الطويلة اثناء الحملة الانتخابية في تبديد هذه المخاوف فهو لم يخف قناعته بأن مصر تحتاج الى ما بين 20 الى 25 عاما لبلوغ “الديموقراطية الحقيقية”.

وفي لقاء مع رؤساء تحرير صحف مصرية تساءل “انتم تكتبون في الصحف ان لا صوت يعلو فوق صوت حرية التعبير. ما هذا؟”. واضاف مستنكرا “من السائح الذي سيأتي لنا ونحن نتظاهر كل يوم بهذا الشكل. هل نسيتم ان هناك ملايين من البشر والاسر غير قادرة على كسب قوت يومها بسبب توقف السياحة؟”.

لكن الرئيس الجديد حاول تهدئة تلك المخاوف بقوله في لقاء مع مثقفين قبيل انتخابه ان “مستقبل الحريات والديموقراطية سيكون مصانا بنصوص الدستور والقانون”.

وقال في اول خطاب له بعد انتخابه ان “المستقبل صفحة بيضاء وفي ايدينا ان نملأها بما شئنا عيشا وحرية وكرامة انسانية وعدالة اجتماعية”، متبنيا بذلك شعارات ثورة 2011 التي اسقطت حسني مبارك.

ورغم ان الرجل امضى القسم الاكبر من سنين عمره ال59 داخل ثكنات الجيش المصري الا انه لم يكن في السنوات الاخيرة خصوصا بعيدا تماما عن السياسة.

فعندما كان رئيسا للاستخبارات العسكرية في عهد مبارك، وضع السيسي ما بات يعرف ب”الخطة الاستراتيجية” لتحرك محتمل لمواجهة “توريث الحكم” في حال ترشح جمال مبارك للرئاسة، كما قال لوكالة فرانس برس عسكري مقرب منه طلب عدم الكشف عن هويته.

وبعد قيام ثورة كانون الثاني/يناير التي قطعت الطريق على فكرة التوريث، كان السيسي مسؤولا عن الحوار مع القوى السياسية، بما في ذلك جماعة الاخوان، فتعرف على كل القيادات السياسية الموجودة على الساحة.

وعندما عين السيسي وزيرا للدفاع منتصف 2012 سرت تكهنات انه “اسلامي الهوى” لم تتبدد الا بعد عزل مرسي والحملة الامنية التي استهدفت الاخوان المسلمين.

ويقول المقربون من السيسي انه لم يكن في أي وقت يميل الى الاسلاميين لكنه مسلم متدين يحرص مثل الكثير غيره من المصريين على اداء صلاة الفجر قبل ان يبدأ عمله في الصباح الباكر كما ان زوجته مثل الغالبية العظمى من النساء المصريات ترتدي الحجاب.

وتخرج السيسي من الكلية الحربية المصرية في العام 1977 ودرس بعد ذلك في كلية القادة والاركان البريطانية عام 1992 وفي كلية الحرب العليا الاميركية في العام 2006.

وللفريق السيسي اربعة ابناء، ثلاثة شبان درسوا جميعهم في كليات عسكرية وانضموا الى صفوف القوات المسلحة المصرية اكبرهم متزوج من ابنة مدير المخابرات العسكرية الحالي اللواء محمود حجازي، وبنت واحدة تزوجت بعيدا عن الاضواء قبل نحو شهرين.