قال سفير باريس في تل أبيب في مقابلة أجريت معه إن فرنسا لا تقصد تهديد إسرائيل، لكن التحرك لضم أجزاء من الضفة الغربية من جانب واحد سيعتبر انتهاكا “خطيرا” للقانون الدولي وستكون له حتما عواقب سلبية على العلاقات الثنائية.

وقال إريك دانون في مقابلة أجراها معه “تايمز أوف إسرائيل”: “هناك انتهاكات للقانون الدولي بدرجات متفاوتة من الخطورة، وضم غور الأردن والمستوطنات يعتبر خطيرا”، مضيفا أن ذلك “يعني أنه ستكون هناك عواقب، لأنه ما كانت هذه الخطوة ستُعتبر ’خطيرة’ بخلاف ذلك”.

في مقابلة استمرت لمدة ساعة ونصف عبر تطبيق “زوم”، أوضح دانون أيضا سبب امتناع باريس في الوقت الحالي عن إدراج منظمة “حزب الله” في القائمة السوداء، وكيف أصبح أول سفير يهودي لبلاده في إسرائيل، متحديا العقيدة الدبلوماسية الفرنسية القديمة التي رأت أنه لا ينبغي أن يقوم يهود بتمثيل باريس في الدولة اليهودية بسبب مخاوف من ولاء مزدوج.

كانت فرنسا، مثل معظم الدول الأوروبية، صريحة للغاية في معارضتها لخطط الضم الإسرائيلية. في 23 أبريل، أخبر السفير الفرنسي لدى الأمم المتحدة نيكولا دي ريفيير مجلس الأمن الدولي أن مثل هذه الخطوة “ستشكل انتهاكا صارخا للقانون الدولي، ولا يمكن أن تمر دون اعتراض ولن يتم تجاهلها في علاقتنا مع إسرائيل”.

فهم العديد من المراقبين أن هذه الصياغة تعني ضمنا تحذيرا صارما، بما في ذلك عقوبات محتملة ضد إسرائيل، لكن دانون قال إن بيان زميله لا ينبغي أن يقرأ على أنه تهديد.

وقال: “دعني أوضح الصياغة: لا يوجد شيء اسمه تهديد. هناك ردود فعل على التصريحات الصادرة عن إسرائيل، إذا تم تنفيذ [تصريحات رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو حول نواياه للضم]”.

وتابع: “لطالما شجعت فرنسا رؤية للعلاقات الدولية على أساس سيادة القانون والمفاوضات، وليس بالاستناد على إجراءات أحادية الجانب. لذا وبصراحة، ليس هناك جديد في موقف فرنسا. كانت هناك حاجة ببساطة لإعادة تأكيد هذا الموقف لأنه لأول مرة يتم إدراج خطوات الضم في الاتفاقية الائتلافية ويبدو أن الموعد النهائي يقترب بسرعة”.

مثل الاتحاد الأوروبي، أدانت الحكومة الفرنسية بشدة الخطط الإسرائيلية للتوسع الاستيطاني، لكنها لم ترد عليها حتى الآن بأي نوع من العقوبات.

وقال دانون: “لكن الضم مختلف. لا يمكنك مقارنة مناقصة لحي جديد في مستوطنة – التي نعتبرها شيئا سيئا، بل انتهاكا للقانون الدولي – بالضم. إن الضم أكثر خطورة بكثير – إنه إعلان بأن هذه الأراضي هي الآن أراض إسرائيلية. هذا أمر مختلف تماما”.

أعمال بناء في حي ’دغان’ في مستوطنة إفرات بالضفة الغربية، 22 يوليو، 2019. (Gershon Elinson/Flash90)

دانون (63 عاما) كان واحدا من بين 11 سفيرا أوروبيا لدى إسرائيل قدموا في شهر مايو احتجاجا لدى وزارة الخارجية في القدس بشأن نوايا الضم المخطط لها. كما أرسل الرئيس إيمانويل ماكرون مؤخرا رسالة شخصية إلى نتنياهو حذر فيها من المضي قدما في مثل هذه الخطوة.

لكن دانون، وهو دبلوماسي مخضرم دخل مقر وزارة الخارجية الفرنسية في “كي دي أورساي”  قبل أكثر من 30 عاما، رفض مناقشة الخطوات الملموسة التي ستتخذها باريس إذا مضت إسرائيل قدما في خطة الضم.

وقال: “لن أتحدث أكثر عن شيء لم يحدث بعد. سنرى ما سيحدث فعليا وماذا سيكون الرد، لا سيما على الصعيد الأوروبي”.

لا توجد هناك خطط لحظر حزب الله

درس دانون الإرهاب منذ السبعينات ويُعتبر خبيرا في الأمن الدولي ونزع السلاح. لكن لا يبدو أنه منزعج من حقيقة أن فرنسا تواصل رفض اعتبار “حزب الله” منظمة إرهابية، وهي خطوة اتخذتها دول أوروبية أخرى في السنوات الأخيرة.

بعد هولندا والمملكة المتحدة، حظرت ألمانيا في 30 أبريل أنشطة حزب الله، منهية سياستها السابقة التي ميزت بين الجناحين العسكري والسياسي للمنظمة. وبحسب دانون، لا ترى فرنسا في الوقت الحالي أي سبب يدعوها للحذو حذو ألمانيا.

وقال: “حقيقة تغيير الألمان لموقفهم لا يعني بالضرورة أنه يتعين علينا تغيير موقفنا كذلك”.

وأضاف: “عليك أن تسألهم عن اللحظة أو الحدث الذي أدى إلى تغيير مواقفهم. . كانت هناك تقارير في الصحافة حول هجوم إرهابي محتمل مخطط له في ألمانيا. ربما قد لعب هذا دورا؟ لكن حقا، لتجنب التكهنات، عليك أن تسأل الألمان مباشرة عن أسباب هذا القرار. من جانبنا، لم نحدد حدثا معينا يدفعنا إلى تغيير موقفنا”.

دانون كان يشير إلى تقارير أفادت بأن برلين غيرت سياستها تجاه حزب الله بعد أن أبلغت وكالة المخابرات الإسرائيلية “الموساد”، عقب عملية دامت أشهر لتقييم عمليات المنظمة في ألمانيا، السلطات المحلية بوجود مستودعات في جنوب البلاد احتفظت فيها المنظمة، التي تتخذ من بيروت مقرا لها، بمواد تُستخدم لصنع المتفجرات.

عناصر في منظمة حزب الله الشيعية اللبنانية يحملون جثامين رفاقهم الذين قُتلوا في غارة جوية إسرائيلية في سوريا، خلال جنازة في حي الغبيري في الضاحية الجنوبية لبيروت، 26 أغسطس، 2019. (AFP)

وذكرت تقارير أن المخابرات الإسرائيلية سلمت تفاصيل عن أشخاص رئيسيين في عمليات حزب الله في ألمانيا ، بما في ذلك الشبكات المستخدمة لغسل الأموال وتحويل ملايين اليوروهات إلى الحسابات المصرفية  للمنظمة وكذلك لتمويل الأنشطة داخل البلاد.

السبب الرسمي الذي أعلنت عنه ألمانيا لحظر المنظمة المدعومة من إيران هو أن حزب الله ينتهك القانون الجنائي و”يعارض مفهوم التفاهم الدولي”.

وقالت وزارة الداخلية الألمانية في ذلك الوقت إن حزب الله ينفي حق إسرائيل في الوجود و “يدعم الحرب الإرهابية المسلحة” ضد الدولة اليهودية ، مضيفة أنه من المتوقع أن تواصل المنظمة التخطيط لهجمات ضد إسرائيل والمصالح الإسرائيلية في الخارج.

الهجرة الفرنسية إلى إسرائيل ما بعد الجائحة؟ قد تشهد ارتفاعا أو انخفاضا

وناقش دانون أيضا، وهو نجل والدين يهوديين مصريين هاجرا إلى فرنسا قبل سنوات قليلة من ولادته، آفاق جائحة فيروس كورونا الذي أدى إلى زيادة عدد اليهود الفرنسيين الذين يرغبون في الانتقال إلى إسرائيل.

على عكس بعض المسؤولين الإسرائيليين الذين توقعوا موجة هجرة كبيرة إلى إسرائيل في أعقاب أزمة الصحة الحالية – من ضمنهم وزيرة شؤون الشتات المنتهية ولايتها تسيبي حاطوفيلي – قال السفير الفرنسي إنه ليس هناك ما يدفعه إلى الاعتقاد بأن هناك زيادة في الهجرة إلى إسرائيل في الأفق. في الواقع، قد تتراجع الأرقام، كما قال.

وقال: “ليس لدي أي مؤشرات تظهر أن ال’علياه’ (الهجرة اليهودية إلى إسرائيل) في تصاعد. بالعكس، فلقد انخفضت في السنوات الأخيرة بعد الذروة في 2015-2016، في أعقاب الهجمات الإرهابية في فرنسا”.

وأضاف: “إن ال’علياه’ قرار خاص وشخصي، يستمد دوافعه من مزيج من الأسباب التي تتداخل في كثير من الأحيان: الدين، والخوف من معاداة السامية والشعور بعدم الأمان. حوالي 50% من ’العلياه’ سببها شعور بعدم الأمان. وهناك أيضا محركات إيجابية مثل فكرة أن إسرائيل، كونها دولة الشركات الناشئة، ستقدم مستقبلا أفضل للعائلة”.

عاملة في القطاع الطبي تقدم الرعاية لمريض مصاب بكوفيد-19 في وحدة العناية المركزة في عيادة ’أمبروز بار’ في نويي سور سين، قرب باريس، 10 أبريل، 2020. (AP Photo/Christophe Ena)

وقال دانون إنه بسبب فيروس كورونا الذي ضرب فرنسا والجالية اليهودية الفرنسية بشدة، “هناك عوامل إضافية لعدم اليقين. توقف الحركة عبر الحدود بشكل شبه تام. من الآن فصاعدا، قد يكون هناك تأثير اللحاق بالركب عندما يتم رفع القيود. من الناحية الأخرى، يمكن للضغوط الرهيبة من منظور اقتصادي ردع ال’علياه’، حيث أن الاستقرار وايجاد وظيفة [في إسرائيل] في ظل هذه الظروف قد يكون صعبا”.

وتابع القول: “بشكل عام، سأكون أكثر حذرا قبل توقع ما إذا كان الرقم سيرتفع أو سينخفض. تخلق هذه الأزمة – وستستمر في خلق – مستوى عال من عدم اليقين والتعقيد. لذا سنرى ما سيحدث”.

تولى دانون، وهو أب لخمسة أبناء، منصبه في تل أبيب في سبتمبر 2019 بعد أن زار البلاد “بضع مرات” فقط لحضور مؤتمرات أمنية، وقال: “تعييني في المنصب هنا هو تجربة مختلفة وأشعر بأنني على اتصال قوي بهذا البلد الرائع. وفيما يتعلق بالتحليل السياسي لعاصمة بلدي ، إنها فترة رائعة أن أكون في إسرائيل. أحب أن أكون هنا”.

رئيس الدولة رؤوفين ريفلين، يمين، والسفير الفرنسي الجديد لدى إسرائيل إريك دانون خلال مراسم تسليم أوراق الاعتماد الدبلوماسية من السفراء الجدد في مقر رؤساء إسرائيل، 12 سبتمبر، 2019. (Mark Neiman/GPO)

في حين أنه من الواضح أنه فخور بكونه أول سفير يهودي لفرنسا في إسرائيل، شدد دانون على أن قصته الشخصية لا تؤثر على عمله الدبلوماسي.

وقال “ربما تؤثر خلفيتي العائلية على مستوى التعاطف الذي أشعر به تجاه الشعب الإسرائيلي. يقول لي الجميع إن علاقتي مع الإسرائيليين مختلفة عن علاقات أسلافي. لن أكون أفضل من يحكم على ذلك، ولكن إذا كان أسلوبي مختلفا، فإن الخلاصة هي أن ذلك لا يغير جوهر مهامي”.

وقال إنه بالنظر إلى التقاليد الفرنسية القديمة بعدم تعيين سفراء يهود في إسرائيل ، لم يفكر دانون حتى في التقدم لهذا المنصب. “ولكن بعد ذلك تم عرض الوظيفة عليّ، وأجبت على الفور:’هذا شرف لي’”.

لماذا غيرت وزارة الخارجية الفرنسية سياستها فجأة؟

“لست واثقا من أن وزارة الخارجية هي التي غيرت سياستها، ولكن رئيس الجمهورية هو الذي فعل ذلك”، كما قال وأضاف “لقد تطورت العلاقات الفرانكو-إسرائيلية، و[ماكرون] بنفسه قام ببضعة مبادرات رمزية غير مسبوقة. شيء ما يحدث بالتأكيد في علاقاتنا الثنائية، وأنا سعيد للغاية للخدمة هنا”.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يضع ورقة في شقوق الحائط الغربي، أقدس مواقع الصلاة اليهودية، في البلدة القديمة بالقدس، 22 يناير، 2020. (Ahmad GHARABLI / AFP)