عميقا في قلب المدينة القديمة، مقابل الحرم الشريف، يقع ما كان يعتبر سجن تركي, اثنان منهم يشكلان اليوم موطن لمجتمع أفريقي صغير – منسي تقريبا – من المسلمين الذين يعيشون هناك منذ قرون.

محمد شيخ ذابل، لحيته بيضاء من الجالية المحليّة، وابنه أحمد يجلسان خارج رباط المنصوري، الذي كان معروفاً باسم “سجن الدم،” يبيعان الحلي.
منذ ما يقارب قرن، غادر جده تشاد للاستقرار في القدس، قصة مألوفة بين حوالي 350 شخصاً يشكلون الجالية الأفرو-فلسطينية هنا.

منذ قرون, كانت هناك إعداد قليلة من المسلمين السود الذين يعيشون في القدس؛ وكثيراً ما عملوا كحراس في مجمع المسجد الأقصى. معظم أولئك الذين يسكنون إلى حد كبير فيما يسمى “الربع الأفريقي،” الغير معروف, مع ذلك، منحدرين من أفارقة نيجيريا, السنغال، السودان وتشاد الذين قاموا بالحج إلى مكة المكرمة في الأجيال الأخيرة، ثم زاروا القدس، تزوجوا نساء عربيات وبقوا هنا.

آخرين انضموا إلى جيش التحرير العربي لمحاربة دولة إسرائيل الوليدة عام 1948، وبقوا في القدس الشرقية الخاضعة للأردن.

مدينة القدس القديمة مقسمة بشكل واضح بين ارباع مسيحية وأرمنية، اسلامية ويهودية – مصطلح يشير في الواقع إلى مساكن وليس أرباع حسابية جبرية. الربع الأفريقي هو احد المجتمعات الصغيرة العدة، التي تشمل الغجر الدومريين والأفغان، الهنود والمغاربة، الذين يسكنون في “الحي الاسلامي”، اكبر حي والاكثر اكتظاظاً في المدينة المسّورة.

 

ان العثور على الأفارقة ليس بمهمة بسيطة. فقط القليل من الأكاديميين الذين اتصل بهم التايمز اوف إسرائيل عرفوا الجالية. ولكن السير داخل المدينة القديمة، وبعض التحقيقات حول حي الأفارقة- هي التي أسفرت عن تعليمات. اتخذ اليمين عند احدى نوافير سليمان الرائعة، من ثم الى شارع علاء الدين، الذي سمّي تيمناً بأمير المماليك من القرن الثالث عشر. لقد أغلقت الشرطة الشوارع المؤدية إلى الحرم الشريف يوم زيارتي، وسدت المسار. بدلاً من ذلك، وجهتني امرأة عربية الى الطريق من خلال باب مغلق، إلى ممر يتوسط الكتلة ويتجاوز حاجز الشرطة .

اثنين من المباني، رباط الباصيري والرباط المنصوري، يواجهان بعضها البعض في شارع علاء الدين ويأوون مجتمع من 350 عضوا.

يقع المبنيان على بعد أمتار قليلة من المدخل المؤدي إلى الحرم الشريف، وقد شيدا في أواخر القرن الثالث عشر على يد الأسياد المماليك في القدس ليكونوا نزل للحجاج المسلمين القادمين الى القدس . حول الأتراك العثمانيين خلال الثورة العربية الكبرى عام 1914-1917، هذان النزلين الى سجون. اطلق على مبنى المنصوري اسم “سجن الدم”؛ فيه تم سجن السجناء المحكوم عليهم باﻹعدام وهناك أعدموا. لا تزال قضبان الحديد الرمزية تغطي النوافذ والأبواب، حيث تشهد على ماضي المباني المروع.

في كتابه من عام 1990 “فضول القدس،” كتب أبراهام ميلجرام ان الجالية السوداْ في القدس، واتي اطلق عليها اسم “هارلم الصغيرة” نشأت مع وجود عمال أفارقة أحضرهم “الجيش البريطاني” لوضع السكك الحديدية والبنية التحتية في فترة احتلال الجنرال إدموند اللنبي لفلسطين خلال الحرب العالمية الأولى.

وكتب “عندما عاد العمال السود إلى ديارهم في أفريقيا الوسطى، قاموا باخبار أسرهم وأصدقائهم بالاعجوبة التي اختبروها وعاشوها في المدينة المقدسة. وقد اوقدت هذه التجارب الرائعة تطلعات وطيدة في قلوب الكثير من المتدينيين الشوق لزيارة هذه المدينة الرائعة، وفي نفس الوقت للقيام بالحج”.

ياسر قوس, البالغ حوالي 30 من عمره, نجل لوالد من تشاد الذي استقر في القدس بعد أداء فريضة الحج، يدير ياسر جمعية الجالية الافريقية، مؤسسة رعاية اجتماعية.

قال ياسر, ان الأفارقة الذين جاءوا إلى القدس معظمهم عملوا كخدم أو كحراس في الحرم الشريف. وبعد ان اصيب أحد الحراس الأفارقة، جبريل تاهروري، برصاصة موجهة لمفتي القدس، الحج أمين الحسيني الممتن قام الاخير باستأجار السجنين السابقين للجالية. عندما انتقل الأفارقة اليهم، تم ملء الأفنية الداخلية بغرف مجاورة ومكتظة. حالياً, “سجن الدم” يشكل مجموعة بيزنطية متشابكة ومرتبة، من الممرات الضيقة. يدفع سكانه إيجاراً رمزيا إلى حد كبير للوقف الإسلامي، الذي لا يزال يمتلك المكان.

“لم يكن المجتمع الافريقي مجرد مقيم هناك. لقد سكنوا [أماكن] مختلفة داخل المدينة، ولكن الأغلبية اعتادوا على العيش هنا “, واستمر قوس قائلا “بدأوا في التفكير،’ كيف يمكنهم أن يدعموا بعضهم البعض من أجل الانخراط أكثر من ذلك بكثير بالمجتمع الفلسطيني؟ ‘” ولذلك احتشدوا كمجتمع واحد هناك.

عند التجول في ممرات المباني الضخمة, رايت مجموعة من الأطفال المتذاكين, حسنو المحيا، ذوي اسنان فرقاء على ما يبدو انهم دون سن العشرة, يحاولون بيع بعض السلع المخبوزة للمارة الصاعدين إلى المسجد للصلاة. في الداخل، ام تلبس حجاباً منقوشاً تشرف على الأعمال للحفاظ على البيت منظم ومرتب. زوجين في سن المراهقة، يستمتعان بأشعة شمس أوائل الربيع، يتحدثان حديث عادي، غافلين عن الكبار على مقربة منهم.

افراد من الجالية الافريقية (بعدسة ايلان بن تسيون/ طاقم تايمز أوف اسرائيل)

افراد من الجالية الافريقية (بعدسة ايلان بن تسيون/ طاقم تايمز أوف اسرائيل)

“كلنا نشعر كما لو أننا أسرة واحدة،” قال. “إذا كان لدينا حفل زفاف… كلنا سندعم بعضنا في الجالية… أننا نشعر مثل أخوه بالدم ” اضاف.

وقال محمد، بائع الحلى، أنه يتماثل بشدة مع القضية الفلسطينية. مع ذلك, مثل العديد من المقدسيين الشرقيين، أنه يملك بطاقة إقامة – هوية إسرائيلية زرقاء، وأيضا جواز سفر أردني، كما العديد من أعضاء الجالية. وبعد أن عاش تحت الحكم الإسرائيلي معظم حياته، لغته العربية تتخللها استعارات من اللغة العبرية.

وأضاف أن جزءا كبيرا من المجتمع، بما في ذلك أفراد أسرته، انتقلوا إلى عمان، الأردن، قبل وبعد حرب عام 1967. وقال أيضا عدد قليل من الأفرو-فلسطينيين الآخرين يعيشون في أحياء القدس من بيت حنينا، والطور.

قال قوس عندما سئل عن المهاجرين الأفارقة الذين تدفقوا الى إسرائيل من إريتريا والسودان في السنوات الأخيرة، أنهم في البداية حاولوا مساعدتهم، “ولكن معظم الوقت واجهنا الحقيقة أنهم يعترفون بدولة إسرائيل، … بينما لدينا وجهة نظر سيئة حول الاحتلال [الإسرائيلي].”

الأفرو-الفلسطينيين ملتزمون بشدة بالقضية القومية الفلسطينية. وفقا لقوس، معظم الأفرو-فلسطينيين في القدس قضوا مدة في السجون الإسرائيلية والشرطة تعرفهم بأنهم “مجموعة سيئة”.
خلال حديثنا في مكتبه، وصل بلاغ بأن شقيقة قد أعتقل في مظاهرة عند باب العامود احتجاجا على مقتل ثلاثة فلسطينيين في جنين بنيران الجيش الإسرائيلي.

“ماذا يمكننا أن نفعل؟ تم القبض على أخي 100 مرة. سيقضي 24 ساعة [في السجن] وبعد أن يفرجوا عنه سوف يفعل ذلك مرة أخرى، “قال قوس.

ووفقا لموقع شبكة الجذور الشعبية المقدسية (جراسروتس القدس)، جمعية لحقوق الإنسان في القدس الشرقية، الاعتقالات المتكررة تسبب بضغط اقتصادي واجتماعي اضافي في مجتمع متاخر بدون مساعدة الاعتقالات . وقال “الكثير من الاولاد يضطرون الى ترك المدارس للعمل في وظائف راتبها ضئيل لدعم عائلاتهم”.

العديد من أعضاء المجتمع أدينوا وسجنوا لهجمات إرهابية في القدس. علي جدة زرع أربع قنابل يدوية في شارع شتراوس في وسط مدينة القدس في عام 1968. اصابت الانفجارات تسعة إسرائيليين وأمضى جدة 17 عاماً في السجون الإسرائيلية. كما قضى ابن عمه محمود 17 سنة لقيامه بهجوم مماثل؛ أفرج عن الاثنين في عام 1985 في صفقة لتبادل الأسرى. فاطمة برناوي، ابنه لأب نيجيري وأم فلسطينية، يقال بانها تكون أول أنثى فلسطينية يقبض عليها بتهمة الإرهاب. كعضوة في حركة فتح، لقد زرعت قنبلة في مسرح تسيون في وسط مدينة القدس في أكتوبر 1967. على الرغم من أنها لم تنفجر، لقد حكم عليها لمدة 30 عاماً في السجن، حيث أمضت منها 10 سنوات قبل نفيها.

بعد إطلاق سراحه من السجن في عام 1985، عمل جدة أولاً كصحفي، ثم بدأ بإعطاء جولات بديلة في مدينة القدس القديمة، حيث يعرض المنظور الفلسطيني للحياة تحت الحكم الإسرائيلي.

“نظراً لردود فعل زبائني, اني راضٍ ومقتنع بان العمل الذي اقوم به اليوم انجع من زرعي للقنبلة عام 1968”, قال.

عندما التقيت، جدة، البالع 64 من عمره، كان يجلس على أريكة، واشعة شمس ابريل المتدفقة من خلال نافذة, منعكسة على عمود الدخان المتراقص النابع من سيجارته التي اشعلها لتوه. كان والده من تشاد، أحد أفراد قبيلة سلامات التي أصلها من مكان ما بالقرب من العاصمة أنجمينا.

علي جدّة من سكان الربع الافريقي (بعدسة نيت سيجرمان)

علي جدّة من سكان الربع الافريقي (بعدسة نيت سيجرمان)

قال, أن بعض تقاليد الجيل السابق قد فقدت لسؤ الحظ. لغات القبائل التي تحدث بها والده ورفاقه من أوطان أجدادهم من الساحل لا يتكلمها هو أو أولاده.

“اعتاد آباءنا كل يوم جمعة الاجتماع تحت هذه الشجرة الكبيرة.. وبعد الاكل, كانوا يشربون الشاي، ويتحدثون [باللغة العربية] عن أوطانهم،” ما إذا كانت في السنغال، تشاد، أو في أي مكان آخر، قال “بالفعل، اني افتقد مثل هذه التقاليد”.

“اننا نواجه اليوم مشكلة خطيرة: معظم الأخوة المتزوجين حديثا مضطرين للخروج من الربع الأفريقي نظراً ان المساحة [بقيت] نفسها منذ اتى آبائنا الى هنا، لكن عددنا ارتفع”, قال جدة, “اضافة اي غرفة اخرى يشكل مخاطرة كبيرة”.

خارج النافذة إلى غرفة معيشته، يتواصل البناء على قدم وساق لمنزل على مستوى جديد في الفناء. البناء غير القانوني، قال جدة، عقابه شديد من قبل السلطات الإسرائيلية، وإن لم يتم هدمه على يد مالك العقار، تهدمه الحكومة وترسل لهم الفاتورة. نتيجة لذلك، ينتقل عدد متزايد من ابناء الجالية الى خارج الربع وإلى أحياء مكلفة اكثر خارج المدينة القديمة.

“من أجل الحفاظ على أنفسنا، علينا أن نقف اقوياء، لا ان نضيع داخل اطناب العالم الخارجي، عليك التركيز على التنظيم،” قال. “واننا متحدون جيداً، ومنظمون جيدا.”

على الرغم من هويتهم القوية كفلسطينيين، مع ذلك هناك درجة من التمييز العنصري ضدهم من جانب السكان العرب الأوسع.

“لا يزال بعض الفلسطينيين يشير إلى أولئك ذوي البشرة الداكنة ك’ عبيد ‘، هكذا كتبت شارمين سيتز في مقالها عن المجتمع المقدسي الأفريقي عام 2002. “أنعات عنصرية ضد السود كثيرة بشكل غريب في مجتمع عانى بنفسه الكثير من التحيز والتمييز ضده في الداخل والخارج”.

ولكن جدة يقول انه “لا يشعر بالتمييز” بسبب لونه من قبل زملائه الفلسطينيين، وذلك بسبب “مساهمة المجتمع الفلسطيني من أصل أفريقي في النضال الوطني.” ومع ذلك، يميز الإسرائيليين، ضد الفلسطينيين المنحدرين من أصل أفريقي لسببين: لون بشرتهم وانتمائهم الفلسطيني، قال متهماً.

عندما جاء لأول مرة الأفارقة إلى فلسطين فترة الانتداب البريطاني، قال قوس، قد واجهوا “الكثير من الصعوبات من أجل أن يكونوا مقبولين في المجتمع [الفلسطيني]”. ولكن بعد الجيل الأول وزواج المهاجرين لنساء عربيات محليات، لقد انخرطوا بشكل أفضل.

وقال “الآن, لا نعاني من هذا النوع من المشاكل هنا، لأننا لسنا بلد إسكندنافي، كما تعلم؟. ان القدس مجتمع فسيفسائي. انه مجتمع متعدد الثقافات “.

في أماكن أخرى، مثل رام الله، قال, كان ممكن ان يكون أكثر صعوبة.

“الأسود والأبيض”، قال محمد، ذلك التاجر المسن، “كلّنا واحد”.