هذا الأسبوع واصل رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس سلسلة من الزيارات حول العالم. حتى أنه تم بذل جهود خاصة لتنسيق لقاء بينه وبين رؤوفين ريفلين. يوم الخميس ألقى عباس كلمة أمام البرلمان الأوروبي في بروكسل. في غضون ذلك، تواصلت في رام الله من تحت السطح الصراعات على الخلافة بين كبار حركة فتح. جميعهم يسعون إلى منصب الرئيس، تماما مثل برنامج تلفزيون الواقع الذي تبثه قناة “معا”، الذي يعرض مجموعة من الشبان يتنافسون فيما بينهم على من بإمكانة أن يكون الرئيس الفلسطيني القادم.

آلية اختيار خليفة لعباس (في حال لم يعد الرئيس قادرا على أداء مهامه) معقدة إلى درجة قد يكون فهمها شبه مستحيل. يشغل أبو مازن اليوم 3 مناصب: رئيس حركة فتح ورئيس منظمة التحرير الفلسطينية ورئيس السلطة. بموجب القانون الفلسطيني، في حال لم يعد رئيس السلطة قادرا على أداء مهامه، يتم تعيين رئيس البرلمان ليحل محله لمدة 60 يوما. لكن البرلمان لم ينعقد منذ 2007 وعلى رأسه يقف الشيخ عزيز دويك، رجل حماس.

من المستحيل أن تسمح قيادات السلطة ومنظمة التحرير الفلسطيينة وفتح لدويك بتولي صلاحيات رئيس السلطة حتى لو كان ذلك لشهرين فقط. بحسب إدعاء فتح، على البرلمان المصادقة على منصب رئيس البرلمان كل بضعة أشهر وبما أنه لم يتم عقد البرلمان منذ 2007، لا يُعتبر دويك رئيسا للبرلمان.

محكمة الشؤون الدستورية التي أنشأها عباس بنفسه مؤخرا، ستخرج كما يبدو عند الحاجة بقرار بهذه الصيغة من شأنه أن يمهد الطريق أمام الخيار الذي ترغب به قيادة فتح: الرئيس بالوكالة للسلطة الفلسطينية سيكون رئيس منظمة التحرير الجديد، الذي سيتم إنتخابه من قبل اللجنة التنفيذية للحركة. ومن سيكون بإمكانه شغل هذا المنصب بعد استقالة عباس؟ بما أن لحركة فتح غالبية واضحة في اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية (في اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية هناك أعضاء من جميع الفصائل الفلسطينية بإستثناء حماس والجهاد الإسلامي)، من سيتم تعيينه ليشغل منصب رئيس حركة فتح، هو الذي سيتم تعيينه رئيسا بالوكالة لمنظمة التحرير الفلسطينية، وهو الذي سيشغل منصب الرئيس المؤقت ومن المرجح أن يكون هو مرشح حركة فتح/منظمة التحرير الفلسطينية التي ستُجرى خلال شهرين. هكذا تبدو الأمور على الأقل.

وكيف يتم إختيار رئيس حركة فتح؟ الأعضاء الـ -22 في اللجنة المركزية للحركة هم الذين من المفترض أن ينتخبوا الرئيس (كان عددهم 23 ولكن أحدهم توفي). واحد فقط من بيت الأعضاء الـ -22 سيكون رئيسا لفتح.

(بكلمات أخرى، المسؤولون في فتح الذين ليسوا بأعضاء في اللجنة المركزية لا يُفترض أن يتم إنتخابهم للمنصب، بإستثناء سيناريو واحد. بعد أن تقوم اللجنة المركزية بانتخاب مرشحها، سيكون عليها الحصول على موافقة المجلس الثوري لحركة فتح، الذي يأتي في أهميته بعد اللجنة المركزية، ويضم 128 عضوا. بإمكان المجلس الثوري رفض المرشح واقتراح مرشحه إذا حصل على تأييد معظم أعضاء المجلس. هذا السيناريو غير مرجح، ولكن حدوثه ممكن من الناحية النظرية).

أمام اللجنة المركزية هناك خياران: اختيار مرشح من بين أعضائها بحسب الأقدمية، وفي هذه الحالة سيكون خليفة أبو مازن هو أبو ماهر غنيم، الذي ليس من المؤكد أصلا أنه يرغب بهذا المنصب ويمتنع تقريبا عن المشاركة في الحياة السياسية. الخيار الثاني، الأكثر احتمالا، أن يتم اختيار المرشح في عملية تصويت عادية. وهنا يوجد الكثير من الأشخاص الذين يرون بأنفسهم مرشحين جديرين.

وتشمل قائمة هؤلاء مروان البرغوثي، الذي أدين في محكمة إسرائيلية بقتل 5 إسرائيليين ولا يزال يُعتبر المرشح الأكثر شعبية بحسب إستطلاعات الرأي لدى الجمهور العام. السؤال هو إذا كان هناك من يدعمه في اللجنة المركزية لحركة فتح.

وتشمل القائمة أيضا جبريل رجوب، الذي أعلن أنه غير معني بالمنصب، وتوفيق الطيراوي الذي أعلن هو أيضا بأنه غير معني بالمنصب، وناصر القدوة، ابن شقيقة ياسر عرفات الذي تعافي مؤخرا من صراع طويل مع المرض، وصائب عريقات -أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية وغيرهم. رئيس جهاز المخابرات العامة الفلسطيني في الضفة الغربية، ماجد فرج، الذي تم ذكر اسمه في أكثر من مناسبة كمرشح ليس من بين الأعضاء الـ -22 لكنه يشغل منصب مراقب في اللجنة في إطار عمله. محمد دحلان الذي يقيم في الإمارات بعد طرده من منصبه في فتح، ليس عضوا في اللجنة أيضا. بعبارة أخرى، نظريا لا يمكن تعيين أيا منهما خليفة لعباس. عمليا كما يبدو إذا تم الإجماع على مرشح توافقي مثل فرج، من الممكن ملائمة القواعد لصالحه.

في الوقت الراهن لا يوجد هناك مرشح مهيمن وقوي. رجوب يُعتبر صاحب نفوذ في صفوف الجمهور الفلسطيني وكذلك في أطر حركة فتح. هو يُعتبر أيضا مقبولا على القيادة العليا في أجهزة الامن. في العام الماضي كان أكثر سياسي تمت دعوته إلى حفلات تخرج للثانوية العامة في الضفة الغربية، أي أنه يحظى بدعم في صفوف الشبيبة. لكن لديه خصوم كثر في اللجنة المركزية ومن غير الواضح فيما إذا كانت لدية القدرة على تشكيل معسكر موال له من بين الأعضاء الـ -22.

القدوة هو صاحب إتصالات أقل في الإطار الحركي. لكن قد يساعده “ضعفه” النسبي على جمع بعض الأشخاص من حوله ويتم اختياره كمرشح. يُعرف عنه في الأساس أنه كان دبلوماسيا وأنه في مكانة أمير، بكونه ابن شقيقة عرفات.

بالتالي يبدو أن المنافسة ستتواصل حتى بعد رحيل أبو مازن وحتى لحظة الإنتخاب الأخيرة لرئيس فتح الجديد.

في نهاية المطاف سيكون على مرشح فتح أن يكسب تأييد دوائر عديدة: فتح ومنظمة التحرير الفلسطينية وحركة حماس إلى حدا ما (التي بإمكانها منع إجراء إنتخابات في غزة وليس من الواضح ما إذا كانت ستقدم مرشحا لها في هذه الحالة)، وطبعا دول المنطقة مثل مصر والسعودية والأردن. سيكون عليه أيضا التعامل مع إسرائيل في مسائل لا تُعد ولا تُحصى. ومن هنا نصل إلى سؤال سيظل مفتوحا، إذا كانت الإنتخابات للرئاسة ممكنة أصلا. إسرائيل بالطبع لن تسمح بإجراء إنتخابات في القدس الشرقية، وخاصة إذا كانت بمشاركة حماس أو مروان البرغوثي. ليس من المؤكد أيضا أن تسمح حماس بإجراء الإنتخابات في غزة. والسؤال الذي يُطرح هنا، إذا كان الفلسطينيون سيجرون انتخابات في الضفة الغربية فقط أو أنهم سيكتفون في تعيين رئيس مؤقت للسلطة سيبقى في منصبة بدلا من شهرين حتى إشعار آخر.