شهدت غزة أول حالة وفاة خارج منشآت الحجر الصحي بسبب فيروس كورونا بعد ظهر الأربعاء، بينما تم تأكيد تسع حالات جديدة في مناطق سكنية في القطاع الساحلي، مما أثار مخاوف من تزايد التفشي المجتمعي بين سكانها المحاصرين.

وأصبح رباح لبد (61 عامًا)، من أعضاء الجناح العسكري لحركة حماس، أول ضحية من مجموعة جديدة من حالات الإصابة بفيروس كورونا ظهرت فجأة في قطاع غزة، بعد ستة أشهر من احتواء الفيروس بنجاح. وتم تأكيد 15 حالة منذ يوم الاثنين، عندما أعلنت سلطات غزة إغلاقًا لمدة 48 ساعة بعد اكتشاف أربع حالات في مخيم المغازي للاجئين.

وظهرت الحالات في مناطق مختلفة، وقال مسؤولو حماس إن بعضها لا علاقة له بالآخر. قد يكون هذا دليلًا على التفشي المجتمعي – ظهور العدوى بدون سلسلة انتقال واضحة – مما يعني وجود العديد من الحالات التي لم يتم اكتشافها. ولم يفصح مسؤولو حماس عن معلومات حول مستوى الفحوصات للفيروس في القطاع.

ومنذ أكثر من سبعة أشهر، تمكنت السلطات من درء انتشار الفيروس في قطاع غزة إلى حد كبير، وأخضعت آلاف الوافدين إلى القطاع لإجراءات حجر صحي شديدة – 21 يومًا على الأقل في المرافق الصحية المخصصة تحديدًا من قبل وزارة الصحة التابعة لحركة حماس لهذا الغرض.

وشهدت غزة في السابق حالة وفاة واحدة نتيجة فيروس كورونا، وهي سيدة من رفح توفيت أثناء وجودها في الحجر الصحي بعد وصولها من مصر.

وقال متحدث باسم وزارة الصحة في غزة مساء الاثنين “لقد تمكنا من إبقاء الفيروس خارج القطاع طوال هذا الوقت، حتى مع انتشار الفيروس في المنطقة والعالم. لكننا حذرنا دائما من أن سيناريو دخول الفيروس إلى القطاع ممكن. أصبح هذا السيناريو اليوم حقيقة”.

وقال المتحدث باسم وزارة الصحة التابعة لحماس أشرف القدرة إن أصل مجموعة الإصابات التي تم كشفها يوم الاثنين جاءت أثناء زيارة امرأة من مخيم المغازي إلى مستشفى المقاصد داخل إسرائيل. وعادت الأسرة إلى قطاع غزة يوم الثلاثاء الماضي دون عبور حاجز ودون الدخول في الحجر الصحي الإلزامي.

وتفاجأ سكان غزة بالإغلاق المفاجئ. وفي ظل غياب فيروس كورونا، كان من المقرر إعادة فتح المدارس في القطاع الساحلي للعام المقبل. وكانت الأسواق والمطاعم الشعبية مفتوحة بالكامل منذ شهور. وكانت الشواطئ مليئة وعُقدت مسيرات كبيرة دون الحفاظ على التباعد الاجتماعي.

لكن الإعلان عن انتشار فيروس كورونا في غزة بعد ستة أشهر غير كل ذلك.

وقال مخيمر أبو سعدة ، أستاذ العلوم السياسية في جامعة الأزهر في غزة إن “هناك شعور شديد بالذعر والخوف. معظم الناس لم يغادروا منازلهم منذ ليلة الاثنين”.

وفي مخيم اللاجئين، لم يُسمح لأحد بالدخول أو الخروج أثناء اجراء مسؤولي حماس اختبارات. وفي بقية أنحاء قطاع غزة، سُمح للسكان بمغادرة منازلهم “عند الضرورة القصوى”، بحسب مسؤول حماس سلامة معروف.

وتدفق سكان القطاع الى محلات السوبر ماركت في غزة لشراء البقالة مساء الاثنين بعد الإعلان عن الحالات. كما خالف المئات الإغلاق وتجمعوا في حي الشجاعية بمدينة غزة لحضور جنازة أربعة من أعضاء حركة الجهاد الإسلامي الذين قتلوا في انفجار ليلة الإثنين.

ولكن كانت الشوارع والشواطئ في انحاء القطاع المزدحمة عادة خالية إلى حد كبير منذ إعلان ليلة الأحد.

فلسطينيون يحملون نعوش أعضاء في حركة الجهاد الإسلامي خلال موكب تشييعهم في مدينة غزة، 25 أغسطس 2020. (MAHMUD HAMS / AFP)

ومن المتوقع على نطاق واسع أن يعلن المسؤولون تمديد الإغلاق، الذي من المقرر أن ينتهي مساء الأربعاء.

وقال مسؤول منظمة الصحة العالمية إيادل ساباربيكوف لتايمز أوف إسرائيل إن النظام الصحي في غزة يتعرض لضغوط شديدة منذ سنوات بسبب الحصار الذي تفرضه إسرائيل ومصر، مضيفًا أنه لا يوجد حاليًا سوى 87 جهاز تنفس في قطاع غزة.

وأدى تصاعد التوترات بين إسرائيل وحماس، الحركة التي تسيطر على القطاع الساحلي، إلى تفاقم الضغوطات. وأطلقت حركات مقرها غزة مؤخرًا مئات البالونات الناسفة نحو إسرائيل، التي ردت بحظر دخول الوقود عبر معبر كرم أبو سالم التجاري في محاولة للضغط على حماس.

وبدون وقود، تم إغلاق محطة توليد الكهرباء الوحيدة في غزة قبل أسبوعين، مما قلل كمية الكهرباء التي يحصل عليها السكان إلى حوالي أربع ساعات في اليوم. كما تأثرت معالجة المياه الجارية والصرف الصحي بسبب انقطاع التيار الكهربائي.

وقالت المتحدثة باسم الهلال الأحمر سهير زقوت إنه “مع توفر المياه الجارية لبضع ساعات فقط في اليوم، فإن هذا يقلل من قدرة الناس على غسل أيديهم وحماية أنفسهم من الفيروس”.

وقالت زقوت إن حتى المستشفيات تضررت من انقطاع التيار الكهربائي. ولا تتلقى العديد من المرافق الصحية أكثر من 12 ساعة في اليوم، وغالبًا أقل. ويحاول البعض التعويض على النقص بواسطة المولدات، وكثير منها قديمة وتحتاج إلى وقود للعمل.

وورد أن المبعوث القطري محمد العمادي وصل إلى غزة ليلة الثلاثاء في محاولة لإعادة الهدوء إلى المنطقة. وقد وافقت قطر على تمديد برنامج يوفر الدعم المالي لـ100 ألف أسرة فقيرة في القطاع لمدة ستة أشهر إضافية، لكن ورد أن حماس تطالب بتمويل إضافي من قطر مقابل وقف تصعيد العنف. كما زعمت حماس علناً أن إسرائيل لا تلتزم بالتزامات وقف إطلاق النار الموقع عام 2018.

فلسطينيون يصطفون أمام مخبز لشراء الخبز خلال إغلاق مدته 48 ساعة بعد اكتشاف أولى حالات الإصابة بفيروس كورونا في قطاع غزة، 25 أغسطس 2020 (AP / Khalil Hamra)

وقال المحلل في “مجموعة الأزمات الدولية” عوفر زالزبرغ إنه يعتقد أن إسرائيل “ستزيد من سعيها لتهدئة المشاحنات العنيفة على المدى القصير”، وتخفيف القيود المفروضة على دخول المعدات الطبية إلى القطاع الساحلي في حال استمرار تفشي المرض.

وقال زالزبرغ إن “العدوى الهائلة في غزة إلى جانب الرفض الإسرائيلي للسماح بدخول سكان غزة إلى المستشفيات الإسرائيلية لن تتوافق مع حفل توقيع البيت الأبيض على اتفاق تطبيع عربي إسرائيلي”.

والإغلاق الذي فرضته حماس لم يضع حدا بعد للبالونات الحارقة التي تسبب الحرائق في جنوب إسرائيل. وقالت بعض الجماعات إنها، بغض النظر عن الاغلاق، ستستمر في إطلاق البالونات عبر السياج الحدودي. ولكن قال أبو سعدة إنه يعتقد أن “الأمور تمهد إلى وقف إطلاق النار”.

وقال أبو سعدة “لا تستطيع حماس خوض معركتين في وقت واحد. أهم معركة في الوقت الحالي هي ضد انتشار فيروس كورونا. لا أعتقد أن إسرائيل هي القضية الرئيسية في الوقت الحالي”.

وقال أبو سعدة انه من غير الواضح إلى متى ستتمكن حماس الحفاظ على الإغلاق في غزة. وتوقفت السلطات الفلسطينية في الضفة الغربية عن الإغلاق في الضفة الغربية فعليًا بعد عدة جولات من الاحتجاجات من قبل أصحاب المطاعم والتجار الصغار.

“الناس هنا يائسون. يمكنك فرض الإغلاق لمدة أسبوعين، لكن بعد ذلك سوف يخالفه الناس. الآن بعد أن أصبح الفيروس هنا، سيكون من الصعب للغاية كسر سلسلة العدوى”.