واشنطن (جيه تي ايه) – لم يعد سفير إسرائيل لدى الولايات المتحدة موضع ترحيب في مجلس النواب الأمريكي، وقد لا يكون السفير الأمريكي لدى إسرائيل بعيدا جدا عنه.

فلقد قال عدد من الديمقراطيين لوكالة “جويش تليغرافيك” إن دور رون ديرمر في حظر دخول عضوتي كونغرس إلى إسرائيل يعني أنه لن يحظى بأي لقاء في مكتب ديمقراطي مجددا.

ولم يكن ديرمر، السفير الإسرائيلي، يوما محبوبا بين الديمقراطيين في تلة الكابيتول، وأحد الأسباب لذلك أنه كان ناشطا جمهوريا في التسعينيات لفترة قصيرة، والسبب الأهم هو الدور الذي لعبه في تنظيم خطاب رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أمام الكونغرس في عام 2015، والذي انتقد فيه سياسة الرئيس باراك أوباما في ذلك الوقت تجاه إيران.

ولكن يبدو أن القشة التي قصمت ظهر البعير كانت دوره في قرار إسرائيل في الأسبوع الماضي بحظر النائبين الديمقراطيتين رشيدة طليب من ميشيغن وإلهان عمر من مينيسوتا من زيارة البلاد. هذه الخطوة أثارت على غضب زعيم الأغلبية في مجلس النواب، ستيني هوير من ولاية ماريلاند، بشكل خاص لأن ديرمر أكد له على ما يبدو أنه سيُسمح لطليب وعمر بالزيارة. بعد أسبوع من ذلك، أعلنت إسرائيل منع دخولهما إليها، بإيعاز على ما يبدو من الرئيس دونالد ترامب.

وقال أحد كبار المسؤولين الديمقراطيين في الكونغرس: “كان هذا المسمار الأخير في النعش”.

إن ما ينقذ ديرمر من ما كان يمكن أن يشكل إهانة غير مسبوقة – إدانة رسمية من قبل مجلس النواب الأمريكي – هو حقيقة أنه لم يسبق للكونغرس إدانة سفير، وأنه يُنظر إلى ديرمر ونتنياهو باعتبار كليهما “بطة عرجاء”.

تجاوز ديرمر، الذي يشغل منصبه منذ عام 2013، الحد الأقصى من المدة المسموحة لدبلوماسي إسرائيلي في الخارج (على الرغم من أن نتنياهو يسعى بحسب تقرير إلى تمديد بقائه في المنصب)، ويُنظر إلى نتنياهو في صفوف الديمقراطيين (وربما يؤمل) بأنه لن ينجح في اجتياز الانتخابات الإسرائيلية في الشهر المقبل أو قضايا الفساد ضده.

رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو (إلى اليمين) مع سفير إسرائيل لدى الولايات المتحدة رون ديرمر، في دار ضيافة الرئيس، في واشنطن العاصمة، 14 فبراير 2017. (Avi Ohayon/GPO)

وهناك عنصر آخر، كما قال مسؤول ديمقراطي كبير، وهو أن ذلك حدث في أوج شهر أغسطس، حيث أن معظم المشرعين  يقضون عطلاتهم خارج واشنطن.

وقال المسؤول: “نحن على بعد ثلاثة أسابيع من بدء الأشخاص بإيلاء الاهتمام هنا، وحتى ذلك الحين ستكون هناك 12 فضيحة أخرى”.

وقال العديد من الديمقراطيين إنهم لم يرغبوا في منح الجمهوريين وترامب فرصة أخرى لتصوير الديمقراطيين على أنهم غير منصفين في تعاملهم مع الحكومة الإسرائيلية وسفيرها، فلقد سعى ترامب جاهدا لجعل طليب وعمر وجه حزبهم عبر تغريداته في “تويتر”.

يوم الثلاثاء قال ترامب في تغريدة نشرها عن طليب “إنها تكره إسرائيل وكل الشعب اليهودي. إنها معادية للسامية. هي وصديقاتها الثلاث هن الوجه الجديد للحزب الديمقراطي. تعايشوا مع الأمر!” الصديقات الثلاث هن عضوات الكونغرس الملقبات ب”الفريق”، وهو تحالف يضم أربع نائبات في الكونغرس يشمل عمر وألكسندريا أوكاسيو كورتيز (نيويورك) وأيانا بريسلي (ماساتشوستس). لدى الأربع وجهات نظر متباينة حول إسرائيل.

يوم الثلاثاء صعّد ترامب من حدة لهجته في هذا الشأن، وقال للصحافييين “أعتقد أن أي يهودي سيصوت لديمقراطي، أعتقد أن ذلك يظهر افتقارا تاما للمعرفة أو عدم ولاء شديد” – لكنه لم يوضح الولاء لما أو لمن.

ويؤيد عدد قليل من الديقراطيين وجهات نظر طليب وعمر المتعلقة بإسرائيل، في حين أدان بعضهم هجمات النائبتين على إسرائيل بأشد العبارات. في الوقت نفسه، يرى الديمقراطيون أن ديرمر ونتنياهو يسيران مع خطة ترامب لتصوير الديمقراطيين باعتبارهم متطرفين معادين لإسرائيل.

نظير ديرمر الأمريكي، ديفيد فريدمان، سفير البلاد لدى إسرائيل، قد لا يفلت من الحساب الرسمي. هناك حديث جاد في تلة الكابيتول حول توجيه طلب رسمي للمفتش العام في وزارة الخارجية لتقديم تقرير حول ما اذا كان فريدمان يقوم بتسييس دوره.

في الماضي، أشار فريدمان إلى أن الديمقراطيين ليسوا موالين لإسرائيل مثل الجمهوريين. هذه المرة، أصدر فريدمان بيانا على تويتر قال فيه إن الولايات المتحدة “تدعم وتحترم قرار حكومة إسرائيل بمنع دخول وفد طليب/عمر”.

من خلال دعمه لقرار إسرائيل منع عضوتي الكونغرس من دخولها يظهر فريدمان، كما يقول الكثير من الديمقراطيين، عدم ولاء لإحدى المؤسسات التي عينته في المنصب – الكونغرس.

وزير الخارجية الامريكي مايك بومبيو والسفير الامريكي الى اسرائيل دافيد فريدمان امام السفارة الامريكية في القدس، 21 مارس 2019 (Jim Young/Pool/AFP)

وقالت هالي سويفر، مدير المجلس الديمقراطي اليهودي الأمريكي، التي عملت في وزارة الخارجية الأمريكية في عهد أوباما وكموظفة علاقات خارجية في مجلس الشيوخ، “هناك قلق هنا بشأن تورط مسؤول حكومي أمريكي في تسييس دوره واستخدام منصته الدبلوماسية للتصرف في السنتين ونصف الأخيرة بصورة غير دبلوماسية بالمرة”.

ويكّن الديمقراطيون اليهود والديمقراطيون المؤيدون لإسرائيل ازدراء لديرمر بشكل خاص بسبب ما يعتبرونه عدم احترامه لمناصبهم ونواياهم المؤيدة لإسرائيل وانحيازه للحزب الجمهوري. الآن أصبح هناك احتمال أقل في ظهور ديمقراطيين يهود من الكونغرس، الذين تطلعوا مرة لحضور أحداث في السفارة الإسرائيلية، في أحداث كهذه.

حتى خطاب إيران الذي ألقاه نتنياهو في عام 2015، حافظ ديرمر على علاقات طيبة مع الديمقراطيين. ما أثار حفيظة الديقمراطيين كان موافقة نتنياهو وديرمر على الشرط الذي وضعه رئيس مجلس النواب الأمريكي حينذاك، جون بينر (جمهوري-أوهايو) بأن تظل الاستعدادت للخطاب سرية. (التخطيط للخطاب بدأ في أواخر عام 2014، وقد فاجئ بينر الديمقراطيين والمجتمع المؤيد لإسرائيل عندما أعلن عن خطاب نتنياهو بعد يوم من إلقاء أوباما خطاب حالة الاتحاد في 20 يناير، 2015).

بمجرد أن شارك ديرمر في نصب كمين للديمقراطيين اعتُبر منحازا.

هذه التوترات تفاقمت مع انتخاب ترامب. حيث يُنظر لنتنياهو وديرمر بأنهما يتدخلان لصالح رئيس يلومه غالبية اليهود جزئيا، بحسب استطلاعات الرأي، في تصاعد معاداة السامية. بعد مجزرة أكتوبر التي ارتكبها مسلح معاد للمهاجرين ضد يهود في كنيس في مدينة بيتسبورغ الأمريكية، امتنع عدد من المسؤولين اليهود المحليين عن استقبال ترامب – ديرمر تدخل واستقبل الرئيس عند وصوله. تحدث ديرمر أيضا نيابة عن شخصيات مؤيدة لترامب اعتُبر تأجيجا لتحيزاته للإدارة الأمريكية، ومن ضمن هؤلاء المستشار الاستراتيجي ستيف بانون وفرانك غافني، الذي يترأس معهد أبحاث تقول جماعات ليبرالية إنه يروج للإسلاموفوبيا.

هوير غاضب بشكل خاص من ديرمر ونتنياهو، واتخذ خطوة غير مسبوقة عندما وصف السفير الإسرائيلي بالكاذب علنا.

وقال هوير بعد الإعلان عن حظر دخول النائبتين إن “قرار الحكومة الإسرائيلية منع دخول عضوتي كونغرس إلى إسرائيل هو قرار شائن، بغض النظر عن جدول رحلتهما أو آرائهما”، وأضاف “هذه الخطوة تتناقض مع تصريحات وتأكيدات أعطيت لي من سفير إسرائيل لدى الولايات المتحدة بأنه ’احتراما للكونغرس الأمريكي والتحالف الكبير بين إسرائيل والولايات المتحدة، لن نمنع دخول أي عضو كونغرس إلى إسرائيل’. هذا التصوير لم يكن صحيحا”.

زعيم الأغلبية الديمقراطية في مجلس النواب الأمريكي، ستيني هوير (يمين)، و زعيم الأقلية الجمهورية في مجلس النواب، كيفين مكارثي، مع وفد لأعضاء مجلس النواب الأمريكي في القدس، 11 أغسطس، 2019. (courtesy Hadari Photography)

ويرى عدد من الديمقراطيين والشخصيات المؤيدة لإسرائيل أنه من غير المنصف استهداف ديرمر في الانتقادات، وأن ترامب ونتنياهو هما العنوان الصحيح لغضب الديمقراطيين. يبدو أنه تمت التضحية بديرمر، كما يقول المدافعون عنه. (وزير الخارجية الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، قال هذا الأسبوع أن قرار إبلاغ هوير بأن طليب وعمر ستكونان موضع ترحيب في إسرائيل هو قرار اتخذه ديرمر لوحده؛ ولكن ليس هناك ديمقراطي واحد يصدق هذه المزاعم).

غضب هوير نابع بشكل خاص من كونه نجح في انتزاع التزام من ديرمر بالسماح لطليب وعمر بدخول البلاد حتى يكون بإمكانه اقناع مشرعين آخرين بالانضمام إلى رحلة إلى إسرائيل ترعاها مؤسسة التعليم الأمريكية الإسرائيلية، التابعة للجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية (إيباك). ونجح هوير باقناع 41 ديمقراطيا بالانضمام إليه إلى الرحلة، وهو ما يُعتقد بأنه أعلى عدد على الإطلاق. ويترأس هوير هذه الرحلة منذ عدة عقود.

هوير ترأس الوفد إلى إسرائيل وتحدث عن التحالف معها وأعلن عن نجاح الرحلة قبل أن يفاجأ بقرار منع عمر وطليب من دخول البلاد. في حين أن مجموعات يهودية محافظة أشادت بالقرار، وقالت إن من حق إسرائيل منع مشرعين داعمين لحركة المقاطعة من دخولها، إلا أن منتقدين مؤيدين لإسرائيل قالوا إن القرار يعطي ذخيرة لأولئك الذين يتهمون إسرائيل بأنها مناهضة للديمقراطية وحليف لا يمكن الاعتماد عليه.

عضوتا الكونغرس إلهان عمر (ديمقراطية من مينيسوتا) ورشيدة طليب (ديمقراطية من ميشيغن) ، خلال مؤتمر صحفي عُقد في 19 أغسطس، 2019، في مقر حكومة ولاية منيسوتا في مدينة سانت بول، مينسوتا. (AP Photo/Jim Mone)

وقال آرون كياك، وهو ناشط ديمقراطي مخضرم ويعمل حاليا مستشارا لمجموعات يهودية وديمقراطية، إن الغضب تغلغل عميقا تحديدا بسبب الثقة التي لطالما منحها الديمقراطيون اليهود والمؤيدون لإسرائيل لإسرائيل وحكوماتها.

وقال كياك في مقابلة أجريت معه “يدور الحديث عن أصدقاء منذ عقود يتوسلون لأصدقائهم في القدس وفي السفارة بأن لا يسمحوا بحدوث ذلك. إن ما ساعد في الحفاظ على الصداقة الأمريكية الإسرائيلية هو الصداقات الشخصية بين حكومتينا. لا يتعلق الأمر فقط بالعلاقة العامة التي تضررت، وإنما بتلك العلاقات الشخصية التي تعرضت هي أيضا للخيانة”.

ردا على طلب للحصول على تعليق على تصريحات هوير، وجهت السفارة الإسرائيلية “جيه تي ايه” لتصريحات أدلى بها نتنياهو هذا الأسبوع قال فيها إن أجندة عمر وطليب تروج لحركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات على إسرائيل.

وقال نتنياهو: “عندما تكلم السفير ديرمر، لم يكن هناك طلب محدد بشأن هذه الزيارات؛ ولم يكن هناك أيضا جدول للرحلة أو برنامج سفر محدد. بمجرد وصول هذه المعلومات، قمنا بفحصها وتوصلنا إلى القرار الذي توصلنا إليه. لقد كان هذا قرارا مبدئيا، ولا علاقة له بحزب معين. إننا نحترم جميع الأحزاب السياسية في الولايات المتحدة بنفس القدر؛ لكننا نحترم أنفسنا أيضا. كل من يأتي إلى هنا لفرض المقاطعة علينا وإنكار شرعية دولة إسرائيل، لن نسمح له بالدخول”.

هذا التفسير لم يقنع الديمقراطيين، حيث أن طليب وعمر أعلنتا دعمهما العلني لحركة BDS منذ انتخابهما في العام الماضي.

بالمقابل، ينظر إلى ترامب على أنه هو من يقف وراء هذا التحول. في 10 أغسطس، ذكر موقع “أكسيوس” الإخباري أن ترامب قال ل”مسشتارين” أن على إسرائيل منع دخول النائبتين، وأن آراءه هذه وصلت إلى “أعلى المستويات في الحكومة الإسرائيلية”. قبيل الإعلان عن القرار، في 15 أغسطس، قال ترامب عبر تويتر إن السماح لطليب وعمر بدخول إسرائيل سيظهر “ضعفا كبيرا”.

منذ ذلك الحين ينفي ديرمر ونتنياهو أن ترامب كان عاملا حاسما في اتخاذ القرار.