أ ف ب – دانت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة “يونيسكو” السبت، ما قالت أنه “تدمير” على يد عناصر من تنظيم الدولة الإسلامية، لمدينة الحضر الأثرية في شمال العراق، والتي تعود إلى العصر الروماني.

ويأتي اعلان المنظمة الدولية عن تدمير المدينة المدرجة على لائحة التراث العالمي، بعد يومين من اعلان الحكومة العراقية عن قيام الجهاديين الذين يسيطرون على مساحات واسعة في العراق منذ حزيران/يونيو، بـ”تجريف” مدينة نمرود الآشورية الأثرية، وبعد أكثر من أسبوع من نشر التنظيم المتطرف شريطا لتدمير تماثيل وآثار في مدينة الموصل.

وقالت المديرة العامة لليونيسكو ايرينا بوكوفا في بيان، أن “تدمير الحضر يشكل نقطة تحول في الإستراتيجية المروعة للتطهير الثقافي التي تجري حاليا في العراق”، وذلك في بيان تلقت وكالة فرانس برس نسخة منه.

ومدينة الحضر موقع أثري تم الحفاظ عليه بشكل جيد، يعود إلى أكثر من ألفي عام. ويقع الموقع، الذي يضم مزيجا من هندسة العمارة الشرقية والغربية، في الصحراء على مسافة حوالى مئة كلم جنوب غرب مدينة الموصل، أولى المناطق التي سيطر عليها التنظيم في حزيران/يونيو.

وأوضحت المنظمة أن “مصادر رسمية اليوم أفادت عن تدمير مدينة الحضرة المدرجة على لائحة التراث العالمي” التي تعدها المنظمة.

ولم يحدد بيان المنظمة متى تم “تدمير” المدينة أو الطريقة التي جرى بها ذلك، كما أن المسؤولين العراقيين لم يقدموا هذه التفاصيل.

وقال محمد نوري العبد ربه، وهو نائب عن محافظة نينوى حيث تقع الحضر لفرانس برس، “حتى هذه اللحظة لا خبر مؤكد عن تجريف الحضر”.

مضيفا، “الحضر منطقة معزولة بعض الشيء، والسكان ليسوا قريبين منها”، مشيرا إلى أنه لم يتلق أي معلومات “عن سكان قالوا أنهم رأوا بأعينهم حصول عملية التدمير”.

وعلقت وزارة السياحة والآثار على عملية “التدمير”، من دون أن تؤكد بشكل مباشر حصولها.

وقالت في بيان، “تناقلت وسائل الإعلام قيام عصابات داعش (الإسم الذي يعرف به التنظيم) الإرهابية بسرقة وتدمير مدينة الحضر”، معتبرة أن جرائم التنظيم “ستستمر وتطال مواقع أثرية أخرى في بلادنا” في حال لم يتحرك المجتمع الدولي.

وأثار تدمير آثار الموصل، بحسب الشريط الذي نشره التنظيم المتطرف في 26 شباط/فبراير، موجة استنكار عالمية، وتخوفا على مواقع أثرية أخرى في محافظة نينوى، أبرزها نمرود والحضر.

إلا أن التدمير الكامل لآثار الحضر التي صمدت جدرانها الصلبة ومبانيها الكبيرة في وجه اجتياحين رومانيين في القرن الثاني، لن يكون مهمة يسيرة.

وتصف اليونيسكو الحضر بأنها “مدينة كبيرة محصنة تحت تأثير الإمبراطورية البارثية، عاصمة أول مملكة عربية، تحمل جذور المدن العربية الإسلامية”.

ورأت بوكوفا أن تدمير المدينة “اعتداء مباشر ضد تاريخ المدن العربية الإسلامية، ويؤكد موقع تدمير الآثار في الدعاية التي تعتمدها المجموعات المتطرفة”.

وحمل بيان اليونيسكو السبت توقيع بوكوفا وعبد العزيز عثمان التويجري، المدير العام للمنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة “ايسيسكو”.

ويبرر التنظيم تدمير الآثار بأنها أصنام للعبادة وتخالف الشريعة الإسلامية، إلا أن خبراء يقولون أن التنظيم يعتمد على تهريب الآثار وبيعها في تمويل نشاطاته، ويدمر فقط الآثار التي لا يتمكن من نقلها.

ويرجح مختصون أن يكون توقيت تدمير الآثار مرتبطا بالدعاية أكثر من أي شيء آخر، لأن المواقع الثلاثة التي تعرضت للتخريب تقع في مناطق يسيطر عليها التنظيم المتطرف بشكل كامل منذ أكثر من ثمانية أشهر.

وتقول أستاذة التاريخ القديم للشرق الأدنى في جامعة “يونيفيرسيتي كوليدج” في لندن الينور روبسون، “هذا جزء من دعايتهم، ويهدف لإحداث صدمة”.

وكان مجلس الأمن الدولي أصدر الشهر الماضي قرارا يهدف إلى تجفيف مصادر تمويل التنظيم الذي يسيطر على مساحات واسعة في العراق وسوريا، ومنها تهريب الآثار وبيعها. ودعت بوكوفا مجلس الأمن إلى عقد جلسة طارئة لبحث تدمير الآثار.

وطبق التنظيم معايير متشددة للشريعة الإسلامية في مناطق سيطرته. كما بث بشكل متكرر أشرطة مصورة صادمة، اظهرت عمليات قتل جماعية بطرق مختلفة، من اطلاق الرصاص، إلى الذبح، وحتى الحرق حيا.

وبدأت القوات العراقية في الأسابيع الماضية، بدعم من ضربات جوية من التحالف الدولي بقيادة واشنطن، وفصائل شيعية مسلحة مدعومة من إيران، بإستعادة بعض المناطق. وتمكنت الشهر الماضي من “تطهير” محافظة ديالى (شرق)، وتشن منذ أيام عملية واسعة لـ “تحرير” صلاح الدين.

وأتت عمليات تدمير الآثار في الأيام العشرة الماضية، لتضاف إلى سلسلة من التفجيرات وعمليات التدمير التي طاولت مراقد ومواقع اثرية عدة في مناطق يسيطر عليها التنظيم في العراق، لا سيما في مدينة الموصل.

وقارن علماء آثار بين تدمير آثار متحف الموصل مؤخرا، وتدمير حركة طالبان الأفغانية لتمثالين عملاقين لبوذا في منطقة باميان في العام 2001.

والحضر هي واحدة من أربعة مواقع عراقية مدرجة على لائحة التراث العالمي لليونيسكو، وهي من أشهر المواقع الأثرية في بلاد الرافدين.

ويقول المهندس المعماري والخبير في الآثار العراقي احسان فتحي، “حكمها ملوك عرب وازدهرت كمحطة انطلاق على طريق الحرير الرابط بين الشرق وصولا إلى تدمر (وسط سوريا) وحتى شواطىء البحر المتوسط”.

وكان ستوارت غيبسون، خبير المتاحف في اليونيسكو، قال لفرانس برس قبل التقارير عن تدمير الحضر، “نحن نواجه اسوأ مخاوفنا… حملة متعصبة مجردة من المشاعر للتدمير، ولا يمكننا القيام بشيء حيالها”.