مجدل شمس – رفرفت الأعلام السورية في الساحة المركزية يوم الإثنين، وتم رفعها عاليا على أيدي حشد صاخب وهم يرددون عبارات مؤيدة للجيش السوري وبشار الأسد. إرتدت النساء الأوشحة مع أعلام سورية عليها وارتدى الرجال قمصان طُبعت عليها صورة الأسد. جلس الأطفال على أكتاف أبائهم ولوحوا بلافتات صغيرة تحمل الألوان الحمراء والبيضاء والسوداء. هذا المشهد لم يكن في قرية سورية بعيدة، بل في إسرائيل: قرية مجدل شمس الدرزية، التي تقع في ظلال جبل الشيخ، حيث لا يزال سكانها يعرفون عن أنفسهم وبقوة بأنهم سوريون.

مع دخول الحرب الأهلية السورية إلى المزيد من الفوضى، بدأ العنف يصل إلى الجيوب الدرزية في سوريا التى كانت في مأمن في السابق. بعد مشاهدتهم للمجازر وقطع الرؤوس التي كانت من نصيب أقليات أخرى في الشرق الأوسط منذ صعود تنظيم الدولة الإسلامية “داعش”، يضع الدروز في جميع أنحاء المنطقة الإختلافات القومية جانبا في محاولة ناشطة لتجنيد الأموال حتى يتمكن الدروز من تشكيل الميليشيات الخاصة بهم.

حتى الآن، جمعت الطائفة الدرزية في إسرائيل أكثر من 10 مليون شيكل لدروز سوريا لشراء الأسلحة واحتياجات أخرى.

قال عضو الكنيست أيوب قرا (الليكود) أن ““إسرائيل ليست جزءا من القتال، ولا تريد أن تكون جزءا منه، لأنه إذا قلنا أننا سنكون جزءا من القتال سيجعل ذلك الأمور أكثر سوءا لأهلنا في سوريا”. وأضاف قائلا: “ولكنني كرجل درزي – سأفعل كل ما هو ممكن لدعم شعبي. أنا مخلص جدا لشعبي”.

لطالما حاول المليون ونصف مليون درزي في الشرق الأوسط تحقيق التوازن بين هويتهم العرقية التي يعتزون بها والبلد الذي يعيشون فيه. يعيش الدروز في إسرائيل ولبنان وسوريا، وفي قرية واحدة في الأردن. تضم إسرائيل حوالي 130,000 درزي، 20,000 منهم يعيشون في منطقة الكرمل، 80,000 في الجليل، و20,000 في هضبة الجولان.

مجموعة من المشايخ الدروز في مسيرة تضامن مع سوريا في مجدل شمس بهضبة الجولان يوم الإثنين. (Melanie Lidman/Times of Israel)

مجموعة من المشايخ الدروز في مسيرة تضامن مع سوريا في مجدل شمس بهضبة الجولان يوم الإثنين. (Melanie Lidman/Times of Israel)

في حين أن دروز الكرمل والجليل أقسموا الولاء لإسرائيل ويؤدون الخدمة العسكرية في الجيش الإسرائيلي، لا يزال دروز هضبة الجولان يعتبرون إسرائيل قوة محتلة ويعرفون عن أنفسهم كسوريين. هم لا يخدمون في الجيش، والقليلون منهم يحملون الهوية الإسرائيلية. تقريبا كل عائلة من بين أبناء الطائفة الدرزية في هضبة الجولان، المنتشرون في 4 قرى في الركن الشمالي الشرقي من الهضبة، لديها عائلة تعيش في سوريا.

بشكل تقليدي، يدعم معظم دروز سوريا الأسد، الذي إستخدم قوات الجيش لحمايتهم خلال الحرب الأهلية المستمرة منذ 4 أعوام. الدروز هم فرع من الإسلام ومبادؤهم الأساسية سرية، ولكن جهاديي “الدولة الإسلامية” و”جبهة النصرة” التابعة لتنظيم “القاعدة” وهم من السنة المتطرفين يعتبرون هذا المذهب هرطقة.

ولكن على مدى الشهرين الماضيين، بعد أن بدأت قبضة الأسد على السلطة تهتز بشكل متزايد، قام بسحب قواته من المناطق الدرزية في سويداء والجهة الشرقية لجبل الشيخ، في محاولة للصمود في دمشق. ترك ذلك الدروز مع الشعور بأنهم عرضة لهجمات من تنظيمات المتمردين المتطرفة.

يقول مدى حاصباني، وهو عميد (إحتياط) في الجيش الإسرائيلي كان قد قاتل في حرب لبنان الثانية عام 2006 ويشغل حاليا منصب رئيس المجلس المحلي في قرية يانوج جت الدرزية في الجليل، ““ندعو المجتمع الدولي إلى الأخذ بعين الإعتبار الموقف الخطير للأقليات في سوريا”، ويضيف أن “على إسرائيل أن تكون مدركة، كما تعلمنا من اليهود خلال المحرقة. لا ينبغي أن يعيد التاريخ نفسه، علينا مساعدة الأقليات التي تواجه تهديد الإبادة الجماعية. المجتمع الدولي بحاجة إلى توفير كل أنواع المساعدة والدعم ليتمكن الدروز من حماية أنفسهم. دورنا كطائفة درزية هو رفع الأصوات وإيصال الرسالة حتى يتمكن العالم من معرفة وسماع ما يحدث”.

طفل درزي في تظاهرة تأييد للأسد في مجدل شمس الإثنين. لجميع الدروز في الجولان أقارب في سوريا. (Melanie Lidman/Times of Israel)

طفل درزي في تظاهرة تأييد للأسد في مجدل شمس الإثنين. لجميع الدروز في الجولان أقارب في سوريا. (Melanie Lidman/Times of Israel)

من غير المرجح أن تدخل إسرائيل في أية عمليات برية في سوريا، وهو ما يقوله النائب قرا أنه سيزيد الوضع سوءا. رئيس هيئة الأركان اللفتنانت جنرال غادي آيزنكوت وصف قرب القتال في سوريا من حدود هضبة الجولان بأنه “مقلق” في اجتماع للجنة الشؤون الخارجية والدفاع في الكنيست الثلاثاء، في أول ظهور له أمام اللجنة. وأضاف أن الجيش الإسرائيلي سيتخذ إجراءات إذا بدأ عدد كبير من اللاجئين بالتجمع على الحدود، لمنع إرتكاب مجزرة بحق اللاجئين.

في الأسبوع الماضي، دعا رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو رئيس هيئة الأركان المشتركة الأمريكية الجنرال مارتن ديمبسي إلى زيادة الدعم الأمريكي للأقلية الدرزية المحاصرة في سوريا. في محادثات مع دول أخرى ومع الأمم المتحدة والصليب الأحمر، ورد أن إسرائيل طرحت إمكانية إنشاء “منطقة آمنة” على الجانب الشرقي من جبل الشيخ، ما من شأنه أن يساعد الدروز.

رجل يحمل العلم السوري وصورة للرئيس بشار الأسد خلال تظاهرة مؤيدة للجيش السوري في مجدل شمس يوم الإثنين. (Melanie Lidman/Times of Israel)

رجل يحمل العلم السوري وصورة للرئيس بشار الأسد خلال تظاهرة مؤيدة للجيش السوري في مجدل شمس يوم الإثنين. (Melanie Lidman/Times of Israel)

تم طرح هذه الخيارات بعد مقتل 20 درزيا على أيدي متمردين من “جبهة النصرة” في منطقة إدلب شمال سوريا في الأسبوع الماضي. قال بعض الزعماء الدروز، من بينهم القائد الدرزي اللبناني وليد جمبلاط، أن المجرزة وقعت بسبب صراعات محلية ولم تكون هجوما بدوافع عرقية. في خطوة غير متوقعة، أصدرت “جبهة النصرة” إعتذارا على الهجمات. ولكن الدروز يخشون أن المسألة هي مسألة وقت فقط قبل أن يسيروا على خطى اليزيديين والأكراد وأقليات أخرى تم إستهدافها من قبل متمردين إسلاميين متطرفين قي سوريا والعراق.

يقول حسان صفدي، وهو طبيب بيطري في مجدل شمس كان قد حصل على منحة من الحكومة السورية للدراسة في الخارج، أن “الشعب الدرزي يشعر مثل الشعب اليهودي خلال الحرب العالمية الثانية”. ويضيف، “دائما الأقليات هي التي تعاني في الفوضى”.

ويقول صفدي، الذي لديه عمات وأعمام في سوريا، أن أفراد عائلته قالوا له أن القرى هناك شكلت مليشيات خاصة بها، أطلقوا عليها إسم “شيخ الكرامة”، لحماية القرى الدرزية. في الماضي، خدم الدروز في الجيش السوري وفي ميليشيات محلية مؤيدة للأسد. ولكن صفدي يقول أن الشيوخ يوجهون تعليماتهم للشبان بعصيان تلك الأوامر من أجل حماية بيوتهم.

بدلا من الإنتظار للرد الدبلوماسي الدولي، أخذ الدورز زمام الأمور. لدى الدروز في سوريا تاريخ يفتخرون به في الدفاع عن أنفسهم، وكل درزي سيروي لك عن قصة ثورة دروز سويداء ضد الفرنسيين في 1925.

يقول حصباني، “وفقا للتاريخ، دافع الدروز دائما عن أنفسهم، لذلك فنحن على ثقة من أنهم سيتمكنون من فعل ذلك الآن، ولكن يجب أن تكون لديهم الوسائل والظروف للدفاع عن أنفسهم”. دعم إخوانهم في سوريا يعني شيئا واحدا: الأموال للتسلح، كما يقول عدد من النشطاء الدروز.

يقول حمد عويدات، صحافي درزي من مجدل شمس الذي يملك شركة إنتاج إخبارية لديها مكاتب في لبنان وسوريا. “لديهم 50,000 مقاتل – هذا كاف. ما يحتاجونه هو الأسلحة”.

حمد عويدات، صحافي درزي من مجدل شمس الذي يملك شركة إنتاج إخبارية لها مكاتب في لبنان وسوريا، يتحدث من قرية مسعدة الدرزية الإثنين. (Melanie Lidman/Times of Israel)

حمد عويدات، صحافي درزي من مجدل شمس الذي يملك شركة إنتاج إخبارية لها مكاتب في لبنان وسوريا، يتحدث من قرية مسعدة الدرزية الإثنين. (Melanie Lidman/Times of Israel)

النائب قرا يقول أن الطائفة الدرزية حول العالم تقوم بجمع الملايين من الدولارات لتحويلها إلى القيادة الدرزية في سوريا. وتم تحويل الأموال عبر الأردن حيث أن القانون يمنع تحويل أموال بشكل مباشر من إسرائيل إلى سوريا. وسيتم توزيع الأموال التي جمعتها الطائفة الدرزية في إسرائيل، كما قال قرا، ولكن على الأرجح أن معظمها ستخصص لشراء الأسلحة. وقال قرا: “ليس كافيا أن تنشأ جيشا، ولكن هذه بداية”.

من جهته، يقول عويدات أن جمع التبرعات في الأسبوع الماضي هو دليل على الطريقة التي يستطيع الدروز من خلالها وضع إختلافاتهم جانبا والتركيز على هويتهم العرقية. “لو كنا في السلطة، لكان هناك جيش درزي بـ200,000 جندي”، كما قال.

يرى حاصباني أن “أهم شيء هو أننا أولا وقبل كل شيء دروز. ثانيا، بحسب موقعنا، نحترم البلد [الذي نعيش فيه] ونثبت أننا مخلصين لهذه الهوية. ولكن هذا لا يؤثر على إنتمائنا كدروز أو على واجبنا في مساعدة بعضنا البعض.

وهذا هو السبب الذي جمع أكثر من 400 درزي في مجدل شمس مساء الإثنين، ملوحين بالأعلام الدرزية الملونة إلى جانب الأعلام السورية ولافتات مؤيدة للأسد. قال موني أبو صالح، من سكان مجدل شمس ويعمل في فندق، “نحن هنا لإعطاء الدعم لجميع الدروز في سوريا”، ويضيف، “دعمونا على مدى 4 أعوام، ولكن الآن بدأ [المتمردون] بالقدوم إلى منطقتنا”.

قالت ريما شوفي، بينما كانت تحمل إبنها عليان، “لا توجد لدينا أسلحة، ولكن قلوبنا معهم”، واضافت شوفي أن إثنين من إبناء عمها توفيا في سوريا عندما بدأ المتمردون بالتعدي على منطقة الدروز قبل شهرين.

ريما روميا كانت واحدة من أولى العرائس اللواتي عبرن الحدود للزواج في إسرائيل، في عام 1986. عادت إلى سوريا لزيارة عائلتها مرة واحدة فقط. ولكن إذا تم فتح الحدود، ستعود إلى هناك على الفور. (Melanie Lidman/Times of Israel)

ريما روميا كانت واحدة من أولى العرائس اللواتي عبرن الحدود للزواج في إسرائيل، في عام 1986. عادت إلى سوريا لزيارة عائلتها مرة واحدة فقط. ولكن إذا تم فتح الحدود، ستعود إلى هناك على الفور. (Melanie Lidman/Times of Israel)

نزل المحتجون الدروز إلى الشوراع لرفع مستوى الوعي عند الرأي العام الإسرائيلي بشأن محنة أقاربهم في سوريا، وأيضا للإحتجاج على تقديم إسرائيل العلاج للمدنيين السوريين المصابين في المستشفيات الإسرائيلية.

عالجت إسرائيل 1,600 سوري مصاب في الصراع على مدى الأعوام الأربعة الماضية. الجيش الإسرائيلي يدير مستشفى ميدانيا على الحدود، وعالج الآلاف من السوريين في مسشتشفيات داخل إسرائيل. قال اللفتنانت كولونيل إيتسيك مالكا، كبير المسؤولين الطبيين في المنطقة، لموقع “واينت” أن غالبية هؤلاء الجرحى كانوا من النساء والأطفال والمسنين، وهم مدنيين أبرياء في هذا الصراع. مع ذلك، أشار مالكا إلى أنه في بعض الأحيان يعالج الجيش الإسرائيلي مرضى يعرف أنهم أعضاء في مجموعات للمتمردين.

وقال صالح في التظاهرة، “نطالبهم بوقف تقديم العلاج (…) هم يقدمون العلاج لأشخاص مرضى، ولكن هؤلاء الأشخاص هم نفسهم الذين يطلقون النار علينا ويقتلوننا. وهم يأخذون هؤلاء الأشخاص لمعالجتهم في المستشفيات الإسرائيلية والعودة بعد ذلك للقتال”.

ويضيف عويدات، الصحافي الدرزي، “علينا ممارسة الضغط على إسرائيل لوقف معالجة هؤلاء الناس”. ويتابع: “يشعرون بالأمان لأنهم يعرفون أن إسرائيل وراءهم”.

ريما روميا كانت واحدة من أولى العرائس اللواتي عبرن الحدود للزواج في إسرائيل، في عام 1986. عادت إلى سوريا لزيارة عائلتها مرة واحدة فقط، قبل حوالي 6 أشهر من إندلاع الحرب الأهلية. على الرغم من أنها سورية، فهي ترى أن المقاتل السوري الذي يأتي إلى إسرائيل لتلقي العلاج “خائن”.

وتقول روميا، “نحن على اتصال والوضع سيء جدا. أدعم جيش [الأسد]، ولكنهم لا يقومون بالمطلوب”. وقالت أن أخاها لا ينام في المنزل لأنه يقوم بحراسة القرية كل ليلة.

وتقول أن “كل قرية لديها رجالها الذين يقومون بحماية القرية والبلدات”. مع إزدياد الوضع سوءا، تشعر برغبة أكثر بالعودة، وتقول بينما وقف المتظاهرون في دائرة مع الأعلام، “أشعر بأن هناك نار في داخلي”. وتضيف، “أتمنى لو يقوموا بفتح الحدود حتى نتمكن من العبور إلى سوريا لدعم شعبنا”.

وتابعت قائلة، أن “الأسد هو قائدنا، ولكن إذا سقط الأسد، لا نعرف من سيكون”

عدم اليقين يحيط الشرق الأوسط بكامله. في الوقت الذي يواصل فيه تنظيم “الدولة الإسلامية” مسيرته الوحشيه المتمثلة بالخراب ومع إهتزاز قبضة الأسد على السلطة وسيطرة الفوضى على سوريا، لا يوجد من يعرف أين ستتنتهي إراقة الدماء هذه.

يقول حاصباني، “المسألة ليست مسألة درزية، وليست تهديد على الدروز فقط. إنها دعوة للإستيقاظ لأمريكا وإسرائيل وللجميع”.