أم الحيران، النقب – في الهواء كانت هناك رائحة شيء متعفن. لم أتمكن من معرفة ما إذا كانت هذه الرائحة من الدم الجاف على قميص رئيس “القائمة (العربية) المشتركة” عضو الكنيست أيمن عودة، أو من الكلب الميت الملقى على جانب الطريق الصحراوي.

الساعة كانت حوالي العاشرة من صباح الأربعاء، وقفنا عند حاجز منعت الشرطة أي شخص من عبوره. حتى عودة بنفسه، الذي كان قد أصيب في وقت سابق من الصباح في رأسه برصاصة مطاطية، في حين تدعي الشرطة أنه أصيب جراء حجر طائش ألقاه محتجون بدو، الأطباء في المستشفى صرحوا أنهم لم يتمنكوا من تحديد سبب الإصابة.

سبق ووقع قتيلان في وقت سابق من الصباح، والشرطة لا ترغب بمزيد من المشاكل قبل أن تنهي عمليات هدم حوالي 12 منزلا وكوخا في قرية أم الحيران البدوية غير المعترف بها، على بعد نحو ميل منا.

قبل ساعات من ذلك، فجرا، قاد المدرس في المدرسة المحلية المدعو يعقوب موسى أبو القيعان (47 عاما) مركبته تجاه مجموعة من أفراد الشرطة، ما أسفر عن مقتل الشرطي الحدود إيريز ليفي.

الشرطة والحكومة الإسرائيلية سارعتا إلى وصف الحادثة بأنها هجوم دهس إرهابي آخر، مثل الهجوم الذي وقع الأسبوع الماضي في القدس وأسفر عن مقتل أربعة جنود إسرائيليين. وتماما مثل منفذ هجوم القدس، أعلنت الشرطة فورا أن للقيعان صلة بتنظيم “داعش”، وهذا فسر سبب تنفيذه للهجوم.

الرقيب ليفي، البالغ من العمر (34 عاما)، ترك وراءه زوجة وطفلين، يبلغان من العمر سنتان و 5 أعوام.

في جنازة ليفي، كرر المفوض العام للشرطة روني الشيخ الإدعاء أن السائق الذي قتل الشرطي أصبح متطرفا، متهما اياه بتحريض الأطفال على العنف.

وقال الشيخ إن “[أبو القيعان] نشر التحريض في المدرسة حيث تم اعتقال ستة مدرسين لإنتمائهم لتنظيم داعش”. وأضاف أن “الإرهابي بحث عن مجموعة من أفراد الشرطة، وزاد من سرعة [مركبته] ومن ثم اصطدم بهم”.

في وقت سابق، قال قائد المنطقة الجنوبية في الشرطة، بيرتس عمار، إن الحادثة هي “هجوم متعمد. هذا واضح. هذه هي الحقيقة. لا يوجد هناك تفسير آخر، وكل من يحاول أن يطرح تفسيرا بديلا لم يكن هناك خلال الحادثة ولا يفهم”.

لكن في أم الحيران الرواية كانت مختلفة.

بشكل لا يثير الدهشة، لم يقل أي شخص تحدث مع هذا المراسل إنه يصدق رواية الشرطة للأحداث. على العكس تماما. كان هناك غضب شديد من تشويه سمعة المدرس “المغدور” من قبل الشرطة.

الأشخاص الذين تواجدوا في المكان قالوا إن أبو القيعان تعرض أولا لإطلاق النار من قبل الشرطة، قبل أن تزيد مركبته من سرعتها وتصطدم بمجموعة الشرطيين. مقطع الفيديو من مكان الحادثة اعتُبر من قبل السلطات الإسرائيلية والسكان المحليين دليلا على صحة روايتهم.

ابن أخ أبو القيعان قال لي في وقت لاحق: “هل يوجد هناك مستقبل بعد الموت؟ لقد جاءوا وقتلوا رجلا، وبعد ذلك هدموا منزله وتركوا أبناءه في الشارع”.

بعض أبناء أبو القيعان البالغ عددهم 12 جلسوا وسط ركام منزلهم. أحد أبنائه جلس على الحجارة، وكأنها صندوق رمال. إحدى بناته بدت في حالت شبه هستيرية، حيث كانت تقوم برفع ووضع الركام مرة تلو الأخرى، كما لو أنها كانت تبحث عن شيء لكنها لا تجده.

توجهت إلى مجموعة من النساء من سكان القرية وسألتهن عن المكان الذي سيناومون فيه الليلة، فأجبن: “عليك أن تسأل عنهم”، في إشارة إلى الأطفال.

أين والدتهم؟ أشرن إلى جزء آخر من القرية، حيث تجمعت معظم القيادة العربية لعقد جلسة طارئة، خرجوا بعدها بإعلان إضراب عام ليوم واحد الخميس.

ما الذي تعتقده هؤلاء النساء حول اتهام الشرطة لأبو القيعان بأنه إرهابي؟

إحدى النساء قالت لي: “لقد كان نائما عندما اتصل به ابن أخيه من المسجد ليقول له إن هناك هدم اليوم”. وأضافت أن أبو القيعان قام بسرع بأخذ حاجياته القيمة من منزله وأدخلها إلى سيارته.

“من اللحظة التي وصل فيها إلى المكان بمركبته، تجمعوا حوله مثل الذباب، وأطلقوا عليها النار من كل الاتجاهات، وصرخ أحدهم للآخر ’إرهابي، إرهابي”، كما قالت في إشارة إلى الشرطة.

لا يبدو أن هناك من توقع عمليات الهدم في القرية. المفاوضات بين الجانبين استمرت حتى منتصف الليل، وفي حين أنه لم يتم التوصل إلى اتقاق – عودة قال إنه كانت هناك بعض التفاصيل القليلة التي يجبب الإتفاق عليها – لم يتوقع أحد وصول الجرافات بهذه السرعة.

رأيت طفلة تقوم بإلتقاط ما بدا أنها كتب ودفاتر مدرسية من ركام منزلها. مجموعة من الرجال نجحت في إستخراج ما بدا أنه الشيء الأكثر أهمية: حوالي 12 مرتبة.

رائد أبو القيعان، الذي يُعتبر بمثابة المتحدث بإسم القرية، قال إن الأشخاص الذين دُمرت منازلهم سينامون في منازل أقرباء لهم في القرية. وأضاف إنه لا يزال هناك حوالي 70 منزلا فيها.

معظم مباني القرية لا تزال قائمة، من بينها المسجد؛ الشرطة قامت بهدم ثمانية منازل وأربعة أكواخ.

“هذا ما يريده بيبي”، قال لي ابن أخ أبو القيعان، في إشارة إلى رئيس الوزراء.

أعضاء “القائمة (العربية) المشتركة” الذين اجتمعوا هنا اتفقوا على أن عمليات الهدم هي أحدث حيلة يقوم بها نتنياهو ليثبت لقاعدته الإنتخابية تعامله بحزم مع العرب. بعد أن تم الإتفاق في أواخر ديسمبر على إخلاء بؤرة عامونا الإستيطانية الغير قانونية في الضفة الغربية قريبا، وضّح نتنياهو بأنه سيصّعد من إجراءات هدم المنازل الغير قانونية في الوسط العربي في إسرائيل، ليبين أنه يتم التعامل مع اليهود والعرب “على قدم المساواة” بموجب القانون.

في وقت سابق من اليوم، وصل بضعة مئات من الأشخاص من البلدات والقرى البدوية الإسرائيلية المجارة إلى الحاجز الذي وضعته الشرطة للتعبير عن تضامنهم مع أم الحيران.

عندما سالت مجموعة من الشبان في سنوات العشرين من العمر عن آرائهم، فضلوا عدم التحدث.

لماذا لا؟ ردهم كان أنهم يخشون من أن تأتي الشرطة في الغد وتعتقلهم بتهمة التحريض. ألم أسمع عن قضية الرجل من مدينة رهط البدوية الذي اعتقل لنشره تدوينة ساخرة على الفيسبوك؟

بصفتي مراسل للشؤون العربية الذي يقوم عادة بإجراء مقابلات مع الفلسطينيين، أنا معتاد على أشخاص يتحدثون عن خشيتهم من انتقام الحكومة. ولكن ليس في إسرائيل – على الأقل حتى الآن.

رجل أكبر منهم سنا كان يصغي إلى حديثنا قرر أنه لا يخشى شيئا وعبّر عما يجول في خاطره.

قال سعد عبد، من بلدة الحورة المجاورة، إنه كان يعرف أبو القيعان جيدا. “نعم، لقد كان رجلا متدينا. لكن لم يكن مبنيا للقيام بشيء من هذا القبيل”.

في عام 2013، صادقت إسرائيل على إقامة بلدتين يهوديتين جديدتين، كسيف وحيران. لإفساح مجال للبلدتين الجديدتين، تم إزالة أم الحيران، وهي قرية غير معترف بها من قبل السلطات. “بناء مستوطنة يهودية في مكان مستوطنة عربية قائمة، هذا مثير للإشمئزاز بعض الشيء”، كما قال لي عبد.

وأضاف عبد: “أعتقد أن نتنياهو قام بهذه الجريمة للتشويش على الشائعات التي ظهرت”، في إشارة إلى سلسلة التحقيقات في شبهات كسب غير مشروع وصفقة غير قانونية ضد رئيس الوزراء. “لكن ذلك لن يساعده… هذا يكفي، نريد حلا للمجتمع البدوي وللمجتمع العربي بشكل عام”.

الحكومة الإسرائيلية تقول إنه سيتم نقل سكان أم الحيران إلى قرية الحورة البدوية المجاورة، التي تضم نحو 300 عائلة، مع عرض تعويضات عليهم.

محكمة العدل العليا الإسرائيلية صادقت على نقل السكان، وقررت في 2015 أنه تم بناء القرية على أرض تابعة للدولة وأنه لا توجد لسكانها البدو حقوق فيها. في نوفمبر أشارت المحكمة إلى أنه تم إبلاغ سكان القرية إنهم سيحصلون على قطع أرض بمساحة 800 متر في قرية الحورة المجاورة، التي بنتها الحكومة في عام 1989 تحديدا لإستيعاب وتمدين البدو من القرى الغير معترف بها ومخيمات الخيام المحيطة.

ولم يتضح متى سيتم إخلاء بقية السكان.

ساهمت في هذا التقرير وكالة فرانس برس.