على الرغم من أن العنف الفلسطيني في القدس والخليل يتصدر عناوين وسائل الإعلام، فإن جنين وطولكرم هما المدينتان اللتان تقلقان الرائد حنان شفارتس.

بصفته قائد العمليات في لواء “مناشيه” في الجيش الإسرائيلي، يحذر شفارتس من أن هاتين المدينتين في الضفة الغربية، بؤرتان للنشاط المسلح خلال الإنتفاضة الثانية، قد تصبحان مجددا منبعا للعنف ضد المدنيين الإسرائيليين وقوى الأمن الإسرائيلية.

وقال: “أنا قلق دائما”.

معظم العنف في العام المنصرم تم تنفيذه إما خارج المدن أو البلدات في جنوب ووسط الضفة الغربية، أو من قبل أشخاص من سكان هذه المناطق.

وقال شفارتس لتايمز أوف إسرائيل في الأسبوع الماضي، من على تلة تطل على المنطقة: “لكن الضرر المحتمل من جنين يتفوق عليهم جميعا”.

وما يحتاجه الأمر هو “هذا الشيء الذي سيكسر الجرة” ويؤدي إلى خروج العنف منها، كما قال.

في الأيام القليلة التي تلت هذا التحذير الذي أطلقه شفارتس، أثبتت جنين بطريقة ما وجهة نظره. في وقت مبكر من صباح الإثنين، كشف الجيش الإسرائيلي عن مجموعة من الأسلحة الغير قانونية – معظمها مسدسات وبنادق محلية الصنع تم جمع قطعها من مكونات منتجة بشكل متسلسل – واعتقلت ستة أشخاص في المدينة التي تقع في الضفة الغربية، أحدهم عضو في حركة حماس كما زُعم.

وقال: “نحقق أكثر في المصادر في قضية الأسلحة غير القانونية. ولكنه عمل سيزيفي”.

“نشأ” شفارتس في وحد الإستطلاع في لواء “غيفعاتي”. على مدى العام الماضي، خدم الرجل البالغ من العمر 31 عاما والزوج والأب في لواء “مناشية”، في أول منصب إداري له بعد حوالي 14 عاما من الخدمة في الميدان.

اللواء مسؤول عن الأمن في القسم الشمالي الغربي من الضفة الغربية، وهو جزء من أرض مع 117 كيلومترا من الجدار الذي يفصل الضفة الغربية عن مدن مثل نتانيا والخضيرة وصولا إلى مجيدو في الغرب، والعفولة وجبل غلبواع شمالا.

في حين أن لواء مناشيه نجح حتى الآن في إبقاء جنين وطولكرم خارج الجلبة، قال شفارتس إن ذلك يعكس نجاحات سابقة، ولا علاقة له بالمستقبل.

وقال: “إذا كان كل شيء على ما يرام الآن، يعني ذلك أنني قمت بعمل جيد في الأمس. إذا كنت أرغب بأن يكون لدي يوم جيد غدا، علي العمل بجد اليوم”.

التعاون الأمني

على الرغم من التهديد، تلاشى اسمي جنين وطولكرم في خلفية الإدراك الإسرائيلي.

لقد كانت هناك بعض الإستثناءات التي تجدر الإشارة إليها. الهجوم الذي أسفر عن مقتل الشرطية هدار كوهين (19 عاما) في شهر فبراير قام بتنفيذه شبان من سكان بلدة قباطيا، القريبة من جنين. ومؤخرا، تعرضت مركبة جنديتين إسرائيلتيين دخلتا عن طريق الخطأ إلى طولكرم لهجوم من قبل السكان المحليين، وتم إنقاذهما من قبل عناصر في الشرطة الفلسطينية، التي حرستهما حتى إخراجهما من المدينة.

الحادثة انتهت في أقل من ساعتين من دون وقوع إصابات، وهي سلطت الضوء أيضا على التعاون بين آليتي الجيش الإسرائيلي وقوى الأمن الفلسطينية، وفقا لشفارتس.

وقال شفارتس: “جلبوا لنا كل شيء – الجنديتين، المركبة. تقوم الشرطة الفلسطينية بعمل جيد”.

وأضاف: “لدينا تقدير كبير لقسم شرطة طولكرم”.

يرى شفارتس فائدة واضحة في التعاون الأمني بين الجيش الإسرائيلي والسلطة الفلسطينية.

وقال: “إنه أحد النجاحات التي كانت من الأكثر وضوحا بالنسبة لنا”، وأضاف “آمل أن ذلك متبادل”.

في العام المنصرم، أحبط عناصر في الشرطة الفلسطينية وأجهزة الأمن الفلسطينية عدد لا يُعد ولا يُحصى من الهجمات ضد الإسرائيليين، كما قال.

على سبيل المثال، في شهر أبريل، اعتقلت الشرطة الفلسطينية ثلاثة فتية فلسطينيين – أحدهم من جنين – مسلحين بأسلحة رشاشة وقنابل يدوية، خططوا كما زُعم لتنفيذ هجوم ضد إسرائيليين.

ولكن في حين أن الجيش الإسرائيلي يرى الشرطة الفلسطينية بضوء إيجابي، في داخل المجتمع الفلسطيني هناك توتر كبير. في الشهر الماضي، اشتبكت قوات الأمن التابعة للسلطة الفلسطينية مع سكان نابلس الذين نزلوا إلى الشوارع بعد تعرض مشتبه به للضرب حتى الموت خلال احتجاز الشرطة له.

لا مكان للتفريغ

إن التعاون بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل ليس بالشيء الوحيد الذي يمنع طولكرم وجنين من المشاركة الكاملة في الهجمات على مدى العام المنصرم؛ يعود جزء من ذلك إلى جغرافية المدينتين.

من دون الوجود الواسع للجيش الإسرائيلي داخل المدينتين الفلسطينيتين – كما هو الحال في الخليل – فإن فلسطيني يرغب بتنفيذ هجوم لأنه تأثر من التحريض أو لأنه يعرف شخصا تم إعتقاله أو قُتل أو أصيب بنيران القوات الإسرائيلية “لا يوجد له مكان لتفريغ غضبه”.

لا توجد هناك الكثير من الدوريات لحرس الحدود الإسرائيلي لإطلاق النار عليها أو جنود يتمركزون في حواجز خارج الأحياء لطعنهم. بدلا من ذلك، يضطر هذا “الفلسطيني الغاضب” للذهاب إلى الجدار لإلقاء الحجارة أو السفر إلى مكان ما – مفرق تبواح القريب نسبيا أو مدينة القدس الأبعد – لتنفيذ هجوم، وهو ما يشكل مثبطا طبيعيا.

هذا الفرق يغير أيضا الطريقة التي تعمل فيها القوات الإسرائيلية. على عكس جنوب ووسط الضفة الغربية، حيث يقسم الجنود وقتهم بين عمليات الحفاظ على الأمن و”مكافحة الإرهاب”، في لواء “مناشيه” الذي يقوده شفارتس يتم تركيز الجهود أكثر على “مكافحة الإرهاب”، حيث أن هناك عدد أقل من المستوطنات التي ينبغي حراستها، كما قال.

وقال شفارتس: “هناك الكثير من نشاط مكافحة الإرهاب، والكثير من جمع المعلومات الإستخباراتية. يدرك الناس أنهم إذا قاموا بالتعبير عن شيء [على الإنترنت] يظهر أنهم في صدد تنفيذ هجوم، سنتأتي لطرق بابهم”.

وقامت القوات الإسرائيلية، التي ترى صلة بين التدوينات على مواقع التواصل الإجتماعي والهجمات، بتشديد الرقابة على مواقع الإنترنت الشعبية وتنفيذ إعتقالات. في عام 2016، تو توجيه لوائح إتهام ضد 145 فلسطينيا بتهمة التحريض على الإنتنرت، بحسب وكالة “أسوشيتد برس”.

من أجل الحب والمال

هناك أسباب مالية أيضا تدفع سكان جنين وطولكرم إلى الحفاظ على الهدوء.

هجوم طعن في حواجز ريحان أو غلبواع أو إفرايم من شأنه إغلاق المعابر ليوم واحد على الأقل، كما يقول شفارتس، ما يعني أن “المئات، وربما الآلاف” من الفلسطينيين الذين يدخلون إسرائيل عبر أي من هذه الحواجز في كل يوم لن يتمكنوا من القيام بذلك.

وقال شفارتس: “إذا حاول أحدهم تنفيذ هجوم بسكين، فإن الشخص الذي سيقوم بإيقافه هو أحد أفراد عائلته، أو جاره. سيحدث ذلك على الأرجح حتى قبل أن نلاحظ ذلك”.

في حين أن قائد العمليات قد يكون محقا، من الصعب إعطاء أمثلة على ذلك، حيث يكره الفلسطينيون بشكل عام أن يظهروا كمتعاونين مع إسرائيل.

مع ذلك، هناك أدلة على التداعيات التي يتحدث عنها شفارتس. بعد سلسلة من الهجمات ومحاولات الهجمات عند حاجز غلبواع، شمال جنين، تم إغلاق الحاجز ليومين، في خطوة اعتبرها السكان في ذلك الوقت عقابا جماعيا.

بالنسبة لرضا جابر، رئيس “مركز أمان – المركز العربي لمجتمع آمن”، فإن الأسباب عاطفية أكثر من كونها إقتصادية.

وقال جابر: “لا يوجد هناك أب أو أم يريان ابنتهما البالغة من العمر 16 عاما أو ابنهما البالغ من العمر 13 عاما يخرج مع سكين جيب إلى حاجز حيث يقف جنود مع أسلحة ’إم-16’، ولا يعارضان ذلك”.

’حتى حبة الزيتون الأخيرة’

الشهر القادم سيشهد فترتين حساستين في الضفة الغربية: الأعياد اليهودية وموسم قطف الزيتون.

بداية السنة اليهودية الجديدة – عادة في سبتمبر وأكتوبر – كانت دائما فترة تكون “عرضة لتصعيد في أنشطة العنف الفلسطينية”، بحسب مسؤولين عسكريين.

في غضون ذلك، هناك أيضا موسم قطف الزيتون، وهو حدث ذات أهمية ثقافية وإقتصادية وتاريخية بالنسبة للفلسطينيين، والذي شابته في الماضي هجمات على المزارعين وأشجار الزيتون بحد ذاتها، أحيانا من قبل سكان المستوطنات القريبة.

في عام 2006 ربحت منظمة “حاخامات من أجل حقوق الإنسان” دعوى تقدمت بها إلى المحكمة العليا، بعد أن أصدرت المحكمة قرارا يضمن للفلسطينيين الحق في قطف أشجار الزيتون الخاصة بهم، بحماية من الجيش الإسرائيلي.

مع ذلك، بحسب منظمة “يش دين” الحقوقية، من عام 2005 وحتى عام 2014 كان هناك 250 إعتداء على أشجار الزيتون والفاكهة الفلسطينية في الضفة الغربية. لم يتم حل الغالبية العظمى من تلك الحالات – 95.6% – بسبب “فشل التحقيق”.

موسم قطف الزيتون هذا العام، كما كان في عام 2015، سيأتي على خلفية التوترات المرتفعة أصلا، بعد عدد من الهجمات ومحاولات الهجمات في الضفة الغربية والقدس، التي قد تكون مصدرا لإلهام فلسطينيين آخرين على تنفيذ مزيد من الهجمات ومبررا لقيام يهود إسرائيليين بمضايقة الفلسطينيين والإعتداء عليهم.

في العام الماضي، أدى الوضع المتوتر إلى مقاطعة العمل على قطف الزيتون في بعض الحالات وإخراج الفلسطينيين من كروم الزيتون خاصتهم “لحمايتهم”، بحسب الحاخام أريك أسكرمان، ناشط في “حاخامات من أجل حقوق الإنسان” سابقا وفي مجموعة “حقل” الحقوقية في الوقت الحالي.

لذا سيكون الضغط على قوى الأمن الإسرائيلية للحفاظ على الهدوء.

مع اقتراب المقابلة من نهايتها، قال شفارتس إن مهمته الإجمالية هي ضمان أن يعيش كل من الفلسطينيين والإسرائيليين بأمان والسماح لغيرهم بالعش، للحفاظ على “نسيج الحياة”.

على هذا النحو، كما قال، سيقوم الجنود بالإشراف على موسم قطف الزيتون لضمان أن يكون الفلسطينيون قادرين على “قطف آخر فرع، وآخر حبة زيتون”.

خلال المرور في مركبته عبر التلال والكروم والقرى في هذا المشهد الريفي لمنطقة “مناشيه”، في طريق العودة إلى مقر اللواء، قال شفارتس “إحدى فوائد الخدمة في هذه المنطقة هي أنها جميلة. حتى عندما يكون عليك القيام بدورية، بإمكانك التمتع بالمشهد”.