وصلت هذا الأسبوع، من جديد، أنباء إلى غزة حول مقتل أحد سكان القطاع خلال القتال في صفوف تنظيم “داعش” في سوريا. القتيل عيسى اللقطة، من حي الشيخ رضوان في مدينة غزة.

واعتنق اللقطة اسم “أبو عائشة الغزاوي” بعد انضمامه لتنظيم “داعش”. وفي غزة، يذكرونه كأحد أعضاء الجناح العسكري لحركة حماس “كتائب عز الدين القسام”. وهو ليس المقاتل الوحيد في حركة حماس الذي ينضم إلى التنظيم في السنوات الأخيرة، للقتال في سوريا، العراق، وليبيا مؤخرا.

هذا الولاء المتحول يمثل العلاقة المركبة والإشكالية بين حماس وتنظيم “داعش”. من جهة، التنظيم عبارة عن منافس ونوع من تهديد لحركة حماس، ومن جهة أخرى، تتعاون شخصيات مركزية في حماس مع التنظيم ومع مجموعات سلفية أخرى تعمل في قطاع غزة وخارجه، وتكاد تعترف بشكل علني بمنفعة هذه العلاقات، خاصة بما يتعلق بتهريب الأسلحة والأشخاص بين شبه جزيرة سيناء وقطاع غزة.

تنعكس العلاقة المتناقضة مع تنظيم “داعش” في الخلافات الشديدة داخل قيادة حماس بين الذين يردون التقرب من المجموعات السلفية، ومن يعارضون هذه العلاقات. ولكن الخلافات داخل الحركة اعمق من ذلك – حيث يختلف قادة الحركة حول مسائل مركزية متعددة.

إسماعيل هنية، رئيس حكومة حماس السابق، في قطاع غزة. (Abd Rahim Khatib/Flash90)

إسماعيل هنية، رئيس حكومة حماس السابق، في قطاع غزة. (Abd Rahim Khatib/Flash90)

ويتولى قيادة المجموعة في حماس التي تسعى لقطع العلاقات مع تنظيم “داعش” رئيس وزراء الحكومة في غزة السابق اسماعيل هنية ويحيى سنوار، أحد أبرز الشخصيات في الجناح العسكري.

ويعارض الرجلان، وهما حليفان مقربان داخل الحركة، التعاون مع التنظيم بشدة، وخاصة لتوفير الأسلحة للتنظيم والمجموعات التابعة له.

وفي مقدمة الشق الداعم للتنظيم والمجموعات السلفية يقع وزير الداخلية السابق في حماس فتحي حمد، والقائد في الجناح العسكري أيمن نوفل، الذي فر من سجن مصري وعاد الى قطاع غزة عام 2011 مع عدة شخصيات بارزة في مجموعات جهادية أخرى.

ووفقا لمصادر في قطاع غزة، كان حمد ونوفل محوريين بالموافقة على تدبيرات لحصول تنظيم “داعش” على عدة ذخائر اسلحة تابعة لحماس. وسمحوا أيضا للتنظيم بإستخدام انفاق تقع تحت سيطرة حماس توصل بين القطاع وسيناء.

قائد تنظيم الدولة الإسلامية في سيناء شادي المنيعي (Channel 2 screenshot)

قائد تنظيم الدولة الإسلامية في سيناء شادي المنيعي (Channel 2 screenshot)

وورد بتقرير للقناة الثانية الأسبوع الماضي، أن أحد قادة تنظيم “داعش” في سيناء، شادي المنيعي، كان بزيارة في قطاع غزة لتقديم هذه العلاقات. وهذه لم تكن أول زيارة له هناك. ولكن من الواضح أن زيارة الاسبوع الماضي كانت أقل سرية من الزيارات السابقة. ووفقا لمصادر في غزة، تمت مشاهدته في حفل زواج، وحتى في مقهى معروف.

شعار حركة "الصابرين"

شعار حركة “الصابرين”

والخلافات داخل قيادة حركة حماس تمتد أيضا الى طبيعة العلاقة مع إيران. وبينما قرر مسؤولون رفيعون في الحركة قبل اكثر من عام بالسماح لحركة “الصابرين” الشيعية للعمل داخل القطاع، خاصة بهدف التقرب من طهران، إلا أن حمد ومجموعته سمحوا للجهاديين السلفيين بمهاجمة مكاتب الصابرين.

الإختراق من قبل إسرائيل

ولا تنتهي مشاكل الجناح العسكري هنا.

إحدى المشاكل التي أبرزتها عملية الجرف الصامد في صيف عام 2014، هي مدى اختراق الشاباك لصفوف كتائب عز الدين القسام، ولا زال القلق من اختراق المخابرات الإسرائيلية حادا.

رائد العطار (courtesy: Shin Bet)

رائد العطار (courtesy: Shin Bet)

وبعد محاولات اغتيال إسرائيلية لشخصيات بارزة في الحركة، اعتقلت حماس ثلاثة مسؤولين رفيعين في الجناح العسكري للإشتباه بعلاقتهم بإسرائيل. وأحدهم، معروف بإسم “أبو أحمد”، متهم بالتخابر مع اسرائيل في اغتيال ثلاثة من قادة الحركة، رائد العطار، محمد أبو سلامة، ومحمد برهوم، في اغسطس 2014.

ومشتبه آخر بالتخابر هو محمود شتيوي، المتهم بتوفير معلومات دلت إسرائيل الى منزل محمد الضيف. ونجى الضيف من غارة إسرائيلية ولكن قُتلت زوجته وإبنته. (الضيف لا زال فعال في الجناح العسكري، ولكن لا يوجد في الجناح قائد واحد محدد. وكان سنوار يعتبر حتى الآونة الأخيرة اكبر مسؤول، ولكن الموالين لحمد لا يتبعون الا تعليماته).

محمد الضيف

محمد الضيف

وتفتقر حركة حماس للتمويل ايضا. وفقد خسرت جزء كبيرا من دخلها في السنتين الاخيرتين بسبب إغلاق مصر لأنفاق التهريب. ويتلقى الجناح العسكري دعم مادي ضئيل، ما يحدد نموه، بالرغم من أنه يبدو أن بعض قادته اصبحوا مؤخرا أغنياء.

وينتبه سكان غزة إلى كل هذا. وتلاحق ادعاءات بالفساد المالي الجناح العسكري.

من المفترض أن تحكم حماس القطاع، ولكنها لا تجيد القيام بهذا. ويبقى معبر رفح الحدودي مغلق، بالرغم من الضغط العام، بسبب رفض حماس التنازل عن السيطرة هناك للسلطة الفلسطينية، أحد شروط مصر لفتحها المعبر.

فلسطينيون يتجمعون امام معبر رفح بين قطاع غزة ومصر، 16 يناير 2015 (Said Khatib/AFP)

فلسطينيون يتجمعون امام معبر رفح بين قطاع غزة ومصر، 16 يناير 2015 (Said Khatib/AFP)

وسعيا لفرض سيطرتها في القطاع من جديد، اقامت حماس “مجلس تنفيذي” – وهو بديل لانعدام حكومة التوافق بقيادة رئيس وزراء السلطة الفلسطينية رامي الحمدالله من رام الله. ويرد في مستند لحماس وصل الى تايمز أوف اسرائيل، يتم ذكر زياد الظاظا كرئيس المجلس، واسماء ومسؤوليات أعضاء اخرين.

وربما أكبر مشكلة تواجهها حركة حماس، ولهذا أيضا كتائب عز الدين القسام، اليوم هي الخلاف حول الطريق الى الأمام أو الإستراتيجية. يختلف المسؤولون الرفيعون في الجناح السياسي على كل المسائل تقريبا. السياسات والتوجهات تختلف من مسؤول الى مسؤول، من مجموعة الى مجموعة.

المعظم يوافقون أن الوقت غير مناسب لحرب أخرى مع إسرائيل؛ المعظم يوافقون أن الوقت غير مناسب لهدوء طويل المدى أيضا.

المعظم يعارضون المصالحة مع حركة فتح لرئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، ولكن يعتقد البعض أن لا مفر من حكومة التوافق.

منقسمون حول كيفية العمل مع تنظيم “داعش”، التعامل مع مصر، التواصل مع إيران، جمع التمويل، طريقة حكم غزة، وأكثر طريقة ناجحة لتحدي اسرائيل، الأمر الوحيد الذي يوجد حوله اتفاق في حماس هو أنه وقت التغيير. ولكن تكهن اتجاه أي تغيير هو أمر ميؤوس منه.