الخلافات المتنامية بين اليمين واليسار جعلت الخلافات السياسية اكبر مصدر توترات في المجتمع الإسرائيلي، متجاوزة بذلك النزاعات القائمة بين اليهود والعرب، حسب ما وجد استطلاع جديد للتوجهات من كلى طرفي الشرخ السياسي المتنامي.

في عام 2012، 9% فقط من اليهود الإسرائيليين قالوا أن الشرخ بين اليمين واليسار هو اسوأ شرخ في البلاد. اليوم، أصبح العدد 36%، بحسب استطلاع صدر يوم الاثنين عن معهد الديمقراطية الإسرائيلية.

واشار الاستطلاع أيضا الى التقطب بين الإسرائيليين بخصوص طريقة نظرهم للفساد المفترض لسياسيين وحال الديمقراطية، في اشارة أخرى الى الشرخ المتنامي داخل المجتمع الإسرائيلي.

ويعتقد حوالي نصف الإسرائيليين أن قيادة الدولة فاسدة، بحسب الاستطلاع، الذي صدر يوما بعد قول الشرطة أن هناك ادلة كافية لمحاكمة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بتهم تلقي الرشوات وخيانة الأمانة.

ولكن من بين ناخبي احزاب تابعة للحكومة، انخفض هذا العدد الى أقل من نصف المعدل.

وبالإجمالي، وافق حوالي 45% من المشاركين بأن الديمقراطية الإسرائيلية بحد ذاتها في “خطر شديد”. ولكن كان ذلك أيضا منقسما بحسب الانتماء السياسي – وكان شائعا اكثر بكثير لدى العرب الإسرائيليين (70%)، واليهود اليساريين (57%)، بينما 13% فقط من المتدينين واليمينيين وافقوا ذلك.

وهذه أشد فروقات بين عدة اشارات الى التقطب بين اليمين واليسار في آخر مؤشر ديمقراطية اسرائيلية، المسح السنوي الشامل للتوجهات الإسرائيلية الذي تم اجرائه بين 8 ابريل و2 مايو من قبل معهد الديمقراطية الإسرائيلية وتم تقديمه الى الرئيس رؤوفن ريفلين يوم الاثنين.

وبالإجمالي، 36% من بين 1041 المشاركين قالوا أن التوترات بين اليمين واليسار هي الاشد في المجتمع الإسرائيلي، بينما قال فقط 28% أن التوترات بين اليهود والعرب هي الأسوأ.

رشم بياني يظهر اشد التوترات في المجتمع الإسرائيلي (Israel Democracy Institute)

وقالت مديرة المسح د. تمار هيرمان أن النتائج تظهر ان “مستوى التوتر بين اليمين واليسار في اسرائيل متنامي”.

وبالرغم من اقتراب الحكومة من انهاء ولايتها الكاملة المؤلفة من اربع سنوات – بغض النظر عن الأزمات الأخيرة التي قد تؤدي الى انتخابات مبكرة – “يشعر العديد من الإسرائيليين (خاصة من اليسار أو الوسط) ان الديمقراطية الإسرائيلية على ارض هشة، ويشعر آخرون (خاصة من اليمين) العكس تماما”، بحسب هيرمان.

مضيفة: “تشكلت كتلتين داخل المجتمع اليهودي الإسرائيلي، لديها اراء متعارضة بخصوص عدة جوانب امنية، مسائل اقتصادية اجتماعية، وبخصوص الفساد، الثقافة، الجندر والمبادئ الليبرالية. هذا التقطب هو عملية خطيرة، تعكس عدم قدرة التوصل الى اجماع حول طبيعة المصلحة العامة”.

قاعة الكنيست خلال تصويت حول الميزانية الحكومية لعامي 2015-2016، 18 نوفمبر 2015 (Yonatan Sindel/Flash90)

ووجد الاستطلاع أن تقييم الجماهير لحالة اسرائيل العامة لا زالت ايجابية، ووصف 53% الاوضاع بأنها”جيدة” أو “جيدة جدا”، ووصفها 29.5% بأنها “متوسطة”، ويعتقد 16% فقط بأنها “سيئة” او “سيئة جدا”.

ولكن، على سبيل المثال، اقلية فقط من الجماهير الإسرائيلية تعتقد ان هناك “توازن جيد” بين المكونات الديمقراطية واليهودية في هوية اسرائيل، ويقول 45.5% ان المكون اليهودي قوي بشكل مفرط، ويعتقد 21% أن المكون الديمقراطي يغلب. وتكشف النتائج تقطب اضافي عند تحليله بحسب الانتماء الديني، مع ادانة حوالي ثلثي اليهود العلمانيين (61%) المكون الديني، ومناداة 59% من اليهود المتشددين للتخفيض من مكانة المكون الديمقراطي.

ويبرز الإستطلاع أيضا عدم ثقة الإسرائيليين بالقادة السياسيين، في المستوى المحلي والقومي، وان معظمهم يعتقدون ان المؤسسات التي يمثلونها فاسدة: اربع المؤسسات التي تحظى بأدنى مستوى ثقة من الجماهير الإسرائيلية هي الإعلام (31%)، الحكومة (30.5%)، الكنيست (27.5%) وفي المرتبة الاخيرة، الاحزاب السياسية (16%)، بحسب النتائج.

وخاصة، يعتقد معظم المشاركين أن الفساد متفشي في ثلاث مؤسسات سياسية مركزية – الحكومة (72%)، البلديات (69%) والكنيست (66%).

وفي القطب الآخر، كان الجيش اكثر مؤسسة موثوق بها، من قبل 78% من الجماهير، وقال 61% انهم يثقون بالرئيس ريفلين، 52% المحكمة العليا، و42% بالمستشار القضائي.

اضافة الى ذلك، بالتوافق مع الشعور باليأس نتيجة الفساد الحكومي، يشعر 79% من الجمهور الإسرائيلي أن لديهم “تأثير ضئيل أو معدوم” على سياسة الحكومة، ويعتقد 52% أنهم لن ينصحوا صديق وفرد عائلة بدخول السياسة.

رسم بياني يظهر تقييم الإسرائيليين للفساد في مؤسسات الدولة (Israel Democracy Institute)

ووصف ريفلين، عند حصوله التقرير من معهد الديمقراطية الإسرائيلية، نتائج الاستطلاع بأنها “مقلقة”، قائلا ان الديمقراطية الصحية مبنية على الثقة، ونادى الى العمل لإعادة الثقة.

“عام بعد عام، يكشف مؤشر الديمقراطية الإسرائيلية انه بينما يمارس الإسرائيليون حقهم وواجبهم بالتصويت ويعبرون عن رأيهم، فإنهم يبقون بعيدين عن أي شيء متعلق بالشخص الذي صوتوا له. السياسة هي حقل الغام يجب تجنبه. العديد من الإسرائيليين يشعرون انه لا يوجد لديهم أي تأثير على سياسة الحكومة”، قال.

مضيفا: “هذه المعطيات مقلقة. ما هدف الإدلاء بصوتك في صندوق الاقتراع إن لا تعتقد انه في الطرف الآخر هناك حزبا أو مسؤولا منتخب يمكنك الوثوق به؟ لا يمكن للديمقراطية الوجود بدون الثقة. علينا اعادة الثقة بين اليهود والعرب، بينم اليمين واليسار، بين المواطنين الإسرائيليين والمسؤولين المنتخبين”.

متظاهرون امام منزل رئيس الوزراء في القدس، بينما يصل محققون من الشرطة لاستجواب بنيامين نتيناهو، 10 يوليو 2018 (Yonatan Sindel/Flash90)

ولأول مرة، شمل استطلاع هذا العام قسم مخصص ليس فقط للآراء حول الفساد، بل ايضا تأثيره على التصويت.

بينما يعتقد 47% من الإسرائيليين ان قيادة اسرائيل فاسدة، هذا الرقم مختلف جدا عندما يتم تحليله بحسب دعم الاحزاب السياسية، واظهر ناخبون من اليمين مستوى قلق منخفض اكثر بكثير اتجاه الفساد الحكومي: البيت اليهودي (15%)، الليكود (23%)، يهودت هتوراة (37%)، كولانو (38%)، وشاس (40%)، مقارنة بمعظم الناخبين من اليسار: ميريتس (78%)، القائمة المشتركة (67%)، المعسكر الصهيوني (67%) ويش عتيد (58%).

وتظهر التقييمات الدولية نتائج مختلطة عند مقارنة الفساد في اسرائيل بدول اخرى.

في مؤشر سيادة القانون التابع للمصرف العالمي، انخفضت مكانة اسرائيل بثلاثة نقاط مقارنة بالعام الماضي، ولكنها لا زالت بين اول 40 دولة عامة – المرتبة 39 من اصل 209 دول مشاركة في المسح، والمرتبة 22 بين دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية. وسجل مؤشر اعتبار الفساد التابع لمنظمة “الشفافية الدولية” ايضا انخفاض بسيط في نتائج اسرائيل في العام الاخير. ولكن سجل مؤشر سيطرة الفساد التابع للمصرف العالمي، الذي يفحص مستوى الفساد في المستوى المحلي والاقليمي، و”نفوذ المصالح النخبوية والخاصة على سلوك الدولة”، في المقابل فارق 2.5 نقاط بمكانة اسرائيل في عام 2018 مقارنة بعام 2017.

وقالت الشرطة يوم الأحد انها تعتقد بأن هناك ادلة كافية لمحاكمة نتنياهو بتهم تلقي الرشوات، الاحتيال وخيانة الامانة وتلقي خدمات بشكل غير قانوني في ما يسمى بتحقيق شركة “بيزك”، المعروف أيضا بإسم القضية 4000. واوصت أيضا بمحاكمة زوجته، سارة، في القضية.

وقت سابق من هذا العام، أوصت الشرطة بتوجيه اتهامات إلى نتنياهو بالرشوة والاحتيال وخرق الثقة في قضيتي فساد أخرتين، تم تعريفهما بالأسماء 1000 و2000.

رئيس الوزراء بينيامين نتنياهو وزوجته سارة خلال حدث لحزب الليكود في رمات غان بمناسبة الليلة الأولى من عيد حانوكا اليهودي، في 2 ديسمبر، 2018 (GUEZ / AFP)

وفي اشارة اخرى للتقطب السياسي، يعتقد معظم الإسرائيليون (52%) ان تحقيقات الفساد الجارية تدل على قوة الديمقراطية الإسرائيلية، بينما يعتقد 40% انها تعكس ضعفها، وجد الاستطلاع. وفي الوقت ذاته، يعتقد 42% ان التحقيقات “مبالغ بها”، بينما يقول 57% انها مبررة. وهذا العدد يرتفع الى 55% لدى مشاركين من اليمين، وينخفض الى 18% فقط من اليسار.

وقد رفض نتنياهو جميع الاتهامات ضده، وقال ايضا انه يتم الضغط على مسؤولي انفاذ القانون لإطلاق تحقيقات جنائية ضده، وادعى ان هناك “صيد ساحرات” ضده وضد عائلته.

وبحسب الاستطلاع، يوافق معظم الإسرائيليين (60%) معه ويعتقدون ان تحقيقات الفساد منحازة وانه لا يتم معاملة جميع المشتبه بهم بشكل متساوي.

وبشكل متوقع، تتبع هذه النتائج الشرخ الواضح بين اليمين واليسار، ما يشير مرة اخرى الى تنامي الانقسام في المجتمع الإسرائيلي.