فشلت الحكومة الإسرائيلية في فهم أسباب الغضب الفلسطيني حول البوابات الالكترونية التي وضعت عند مداخل الحرم القدسي. وبعد أن أخطأت في تشخيص الوضع، اتخذت قرارا لم يحل الأزمة وزادها سوءا. على الأقل هذا ما قاله الكثيرون من المعتصمين في شوارع البلدة القديمة في القدس منذ إزالة البوابات الالكترونية في وقت مبكر من صباح الثلاثاء.

اعتقدت اسرائيل أنها تقدم تنازلا بإزالتها للبوابات الالكترونية التي تم تركيبها بعد هجوم اطلاق النار في الحرم القدسي الذي أسفر عن مقتل شرطيين اثنين مستخدمين أسلحة تم تهريبها الى الحرم. بدلا عن البوابات، قرر مجلس الوزراء الأمني ​​أن معدات رقابة متقدمة، بتكلفة 100 مليون شيقل (حوالي 27 مليون دولار)، ستحل المشكلة في نهاية المطاف. هذا من شأنه أن يجعل دخول المصلين المسلمين إلى المسجد أسهل وأسرع، ومحو مظهر الحاجز العسكري الذي يسود المنطقة المحيطة بالحرم.

غير أن العديد من المعتصمين في البلدة القديمة أيام الثلاثاء والأربعاء كرروا نفس الجملة: “الكاميرات الذكية أسوأ”. أوضحوا أنها أسوأ من البوابات الالكترونية، لأن هذه الكاميرات تمثل طريقة أكثر تطورا للسيطرة على مداخل الحرم القدسي.

وهنا تكمن القضية الحقيقية: إن الخلاف الأولي حول البوابات الالكترونية تطور إلى معركة على السيادة في أكثر الأماكن المقدسة حساسية في العالم.

مئات الآلاف من المصلين يصلون في المسجد الأقصى في ليلة القدر، أمام قبة الصخرة في المكان المعروف للمسلمين باسم الحرم الشريف ولليهود باسم جبل الهيكل في القدس القديمة المدينة، يوليو، 1، 2016. (Suliman Khader/Flash90)

مئات الآلاف من المصلين يصلون في المسجد الأقصى في ليلة القدر، أمام قبة الصخرة في المكان المعروف للمسلمين باسم الحرم الشريف ولليهود باسم جبل الهيكل في القدس القديمة المدينة، يوليو، 1، 2016. (Suliman Khader/Flash90)

إن ما يعقد الأمور بالنسبة لإسرائيل هو أن آلاف الفلسطينيين الذين يتجهون للصلاة في شوارع البلدة القديمة في القدس كل يوم ليس لديهم زعيم واضح.

في حين أن هيئة الأوقاف الاسلامية في القدس – وهي فرع للحكومة الأردنية التي تدير الأماكن المقدسة الإسلامية في القدس – قد أوقفت الصلاة في الحرم القدسي احتجاجا على البوابات الالكترونية، فإن الوضع قد خرج عن سيطرتها.

زقال رئيس الأوقاف الشيخ عزام الخطيب التميمي في تصريحات لتايمز اوف اسرائيل صباح الثلاثاء، أنه لم يتم اتخاذ أي قرار حول ما إذا كان الوقف سيقبل الترتيبات الامنية البديلة التي ستضعها اسرائيل بما في ذلك ” الكاميرات الذكية “.

وحاولت الأوقاف كسب بعض الوقت بقوله أنه سينتظر لاتخاذ قرار حتى يتم الانتهاء من إجراء تقييم كامل للإجراءات الإسرائيلية على مداخل الحرم القدسي.

لكن المصلين في شوارع البلدة القديمة صباح ذلك اليوم قد اتخذوا القرار الخاص بهم. اعتقد البعض أنه قد تم وضع الكاميرات الذكية. قال كثيرون أنهم يعتقدون ان هذه الكاميرات ستظهرهم بشكل عاري، او ربما تسبب لهم السرطان. بغض النظر عن ما تستطيع أو لا تستطيع هذه الكاميرات أن تفعل، فقد اتفق الكثيرون على عدم تقبلها.

فى رام الله، انتظر رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس حتى الساعة السابعة مساء لكي يعلن ما تم إنجازه في شوارع القدس: لا توجد كاميرات، ولا وجود متزايد للشرطة في الحرم. قال عباس إنه إذا لم تعود الحياة إلى ما كانت عليه عليه في الحرم القدسي قبل 14 يوليو/تموز، فإنه سيواصل تجميد الاتصالات مع إسرائيل، بما في ذلك التنسيق الأمني.

رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس يتحدث خلال اجتماع في مدينة رام الله بالضفة الغربية في 25 يوليو / تموز 2017. (AFP Photo/Abbas Momani)

رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس يتحدث خلال اجتماع في مدينة رام الله بالضفة الغربية في 25 يوليو / تموز 2017. (AFP Photo/Abbas Momani)

المعتصمون في القدس مغرمون بالقول أنهم لا يتبعون الى حزب فتح أو حزبه المنافس حماس. فهم يقولون انهم: “الشارع، الشعب، المقدسيون.”

قال الكثيرون هذا الأسبوع أن الوقف لم يعد العقل المدبّر. الشارع هو المسيطر على الوقف الآن.

كما قال أحد المصلين في صلاة العشاء خارج الحرم يوم الثلاثاء: “هل لدينا زعيم؟ نعم. انه صوت الشعب المتوحد”.

لأن هذا الصراع على مكان المقدس، فإن الإحتجاجات في طبيعتها أكثر دينية من أنها قومية. لقد تعب الكثير من الفلسطينيين من السياسة، لكن دينهم ورموزه لا تزال دافع للحراك الجماهيرية.

للتأكيد على ذلك، شهدت ليلة الثلاثاء أكبر حشد من المصلين منذ بداية الأزمة والذي تجمع في شوارع البلدة القديمة وخارج بوابة الأسباط لصلوات المغرب والعشاء. عندما انتهت صلاة المغرب حوالي الساعة الثامنة مساء، انتظر الناس حوالي ساعة ونصف حتى بدء صلاة العشاء.

هناك من أخذوا على انفسهم دور الدعاة مستخدمين المكروفونات للتنديد ضد التدابير “اليهودية” في الأقصى، وقادوا الهتافات مع توجه ديني واضح.

وسألت أحد المصلين عن أهمية الهتافات. قال: “إنها وعد للمستقبل”.

“وعد بالحرب؟” سألته. “نعم، بالحرب”.

شرح رجل آخر أن أزمة الحرم القدسي الحالية هي تحقيق نبوءة قرآنية عن صراع بين اليهود والمسلمين في الأقصى.

كون الإحتجاجات الحالية مجرد صلاة فقط – على الأقل قبل أن تتحول بعضها إلى اشتباكات – فإن هذا يضيف إلى التأجّج الديني.

لمدة دقيقة كاملة خلال صلاة المغرب يوم الثلاثاء، هتف الحشد “يا الله يا الله” مرارا وتكرارا خوفا من فقدان الأقصى – هذا الخوف قائما مع أن خسارة المسلمين للأقصى تبدو غير محتملة في نظر الإسرائيليين، وبغض النظر عن عدد المرات التي تعهدت فها إسرائيل بأنها لن تغير الوضع الراهن في الحرم.

في حين توفي خمسة فلسطينيين في اشتباكات مع قوات الأمن الإسرائيلية حول القدس يومي الجمعة والسبت، وقيام منفذ هجوم فلسطيني بقتل ثلاثة من أفراد عائلة سالومون في حلميش ليلة الجمعة بهدف تأكيد السيادة الإسلامية على الأقصى، فان الاحتجاجات داخل البلدة القديمة خارج الحرم القدسي كانت سلمية نسبيا.

في معظم الأحيان، يأتي المصلون، يصلون، ويعودون إلى ديارهم. لكن اشتباكات طفيفة اندلعت تقريبا كل ليلة: فإن الحوادث الصغيرة مثل رمي زجاجة ماء واحدة في الهواء، يمكن أن تؤدي إلى اتخاذ الشرطة إجراءات، بما في ذلك استخدام القنابل الصاعقة، والتسبب في جري الآلاف في كل الإتجاهات.

ليلة الثلاثاء قال البعض من الحشد أن كل هذا يمكن أن ينتهى لو اعادت اسرائيل تماما الظروف في مداخل الحرم القدسي الى الوضع الذى كان قبل 14 يوليو. لكن آخرين يعتقدون أنه قد فات الأوان.

وقال محمد رويس من منطقة رأس العامود في القدس، إن أهدافهم الآن تشمل “اخراج الشرطة تماما من الحرم، وأن يتوقف اليهود المتدينون عن دخوله (…) قد تكون هذه هي بداية انتفاضة جديدة”.