تتأرجح الحدود الشمالية على حافة حرب جديدة مع لبنان، بعد أكبر تصعيد بالقتال عبر الحدود منذ حرب لبنان الثانية عام 2006.

خلال الأزمة، ومع الدعايات الإنتخابية بأوجها، الإعتقاد السائد لدى المحللين السياسيين هو أن الحرب تعمل لصالح حكومة بنيامين نتنياهو اليمينية وضد أكبر متنافسيه، قائمة المخيم الصهيوني المركز-يسارية بقيادة يتسحاك هرتسوغ من حزب العمل.

لا يريد كل من اليمين أو اليسار أن يظهروا بينما يجرون دعاياتهم الإنتخابية وقت تعرض الجنود الإسرائيليين أو البلدات الشمالية للقصف، ولكن كل من حزب الليكود وقائمة المخيم الصهيوني ركزوا بدعاياتهم الإنتخابية على الأمن القومي. هرتسوغ، مع رئيسة حزب هاتنوعا تسيبي ليفني، اللذان يقودان القائمة المشتركة للحزبين سوية، انتقدا تعامل نتنياهو مع حرب الصيف الماضي في غزة، واتهما أن فشل نتنياهو للوصول إلى السلام مع الفلسطينيين جعل إسرائيل غير قادرة على بناء تحالفات ضرورية مع قوات إقليمية أخرى.

ولكن الليكود يقول أن حكومة هرتسوغ-ليفني، في حال انتخابها، سوف تتخلى عن مرتفعات الضفة الغربية الحامية لحركات إرهابية فلسطينية، وأنها ستكون ضعيفة أمام الضغط الدولي، حيث أنها لن تتمكن من ضمان الردع الإسرائيلي في جبهات أخرى.

بينما يحتد الحديث عن الحرب، ويهدأ الحديث عن الإنتخابات، يبني كلا الطرفين تصريحاتهما كردود محكمة ولكن واضحة لهذه الإنتقادات.

قام هرتسوغ وليفني بزيارة الحدود الشمالية يوم الأربعاء برفقة آخر الإضافات لقائمتهم، الجنرالان المتقاعدان عاموس يادلين وايال بن رؤوفن. بينما أجريا المقبلات خلال جولتهما في الجبهة الشمالية برفقة العسكريان المخضرمان، نشر كل من هرتسوغ وليفني تصريحات التي تعد الإسرائيليين بوعدا واحدا.

“من المهم الإعلان أننا موحدون، ان الجولان غير قابل للتفاوض وأنه قسم من إسرائيل!” قالت ليفني. (علامة التعجب قسم من التصريح الأصلي.)

“على شيء واحد أن يكون واضحا: لن يتم مناقشة الجولان”، أكّد هرتسوغ خلال مقابلة مع إذاعة الجيش من الحدود الشمالية. “الأوضاع تظهر بوضوح أن الجولان خارج النقاش. لا يوجد أسئلة، نقاشات أو مفاوضات عليه. من الواضح اليوم، نظرا للأوضاع في سوريا، انه على الجولان أن يكون الجبهة الدفاعية لإسرائيل”.

لم يطرح أي قائد، مخطط استراتيجي أو حتى صحفي إسرائيلي إمكانية إنسحاب إسرائيل من الجولان منذ ابتداء الجرب الأهلية السورية عام 2011. لم يسأل أي أحد ليفني هذا الأسبوع إن كانت تعتقد أن الجولان هو “قسم من إسرائيل”. وهرتسوغ سؤل حول قوة الرد الإسرائيلي على حزب الله عندما أكّد بدوره أنه لن يتم التفاوض حول الجولان.

الإصرار على أنهم لن ينسحبوا من مرتفعات الجولان المحمية لم يكن بالفعل تصريح حول الجولان، بل رسالة، لحظة مسرحية سياسية التي يأملون أن تتصل بمسرح آخر. لم يفز حزب العمل بالإنتخابات منذ عام 1999، أحد أسباب هذا الرئيسية هي أن الناخبين الإسرائيليين، بعد الإنتفاضة الثانية عام 2000، حرب لبنان الثانية عام 2006 والقتال المتكرر بقطاع غزة الذي انسحبت منه إسرائيل، يعتقدون أنه لا يمكن الإنسحاب من الضفة الغربية مع ضمان أمن إسرائيل. يعاني مخيم هرتسوغ من نقص الثقة هذا، واستخدم أزمة الجولان لإرسال رسالة تحاول الحصول على هذه الثقة.

تتطرق نتنياهو بدوره يوم الأربعاء لأقوال منافسيه بذات الشكل الملتف.

متكلما من بلدة سديروت الجنوبية، أصدر رئيس الوزراء تحذيرا لحزب الله تم نقله للصحافة بشرعة، وحتى تم عرضه على إذاعة الجيش خلال مقابلة هرتسوغ المذكورة أعلاه.

“الجيش يرد الآن على الأحداث في الشمال. كل من يحاول تحدينا في الحدود الشمالية، أنا أنصحه أن ينظر لما حدث هنا، ليس بعيدا عن سديروت، في قطاع غزة. في الصيف الماضي، تلقت حماس أقوى ضربة تشهدها منذ انشائها، والجيش الإسرائيلي مستعدا للعمل بكامل القوة في جميع الساحات. أمننا في الأولوية الأولى”.

بنى نتنياهو تصريحاته حول التصعيد في الحدود الشمالية بدقة في الأيام الأخيرة. وقالت مصادر بمكتب رئيس الوزراء للإعلام الأجنبي يوم الأربعاء أن إيران المسؤولة عن التصعيد في الشمال، “إيران ذاتها التي يتوصل معها الدول العظمى لإتفاق يتركها مع القدرة لتسليح نفسها بأسلحة نووية”.

لهذا، عندما هدد حزب الله عن طريق التطرق لما حدث لحماس في غزة، هذا أيضا كان رسالة خفية ومتقنة – ليس لحزب الله، بل للإسرائيليين.

مع إقتراب الحرب، يجد نتنياهو فرصة لإظهار نهاية حرب الصيف الماضي في غزة، المنتقدة جدا، كإنتصار، بينما ليفني وهرتسوغ يستخدمونها لإظهار أنفسهم لمتشددين بمسألة الأمن حول سؤال الإنسحاب من الأراضي أمام ناخبين يخافون كونهم عكس هذا.

عبر هذه الردود، يمكن استنتاج بعض النقاط حول المخاطر السياسية لكل طرف في حال تصعيد الأوضاع في الشمال الى حرب شاملة.

تقريبا جميع الحروب منذ عام 1973 أدت إلى السقوط السياسي لكل حكومة أجرتها. الأمثلة الأخيرة – حرب لبنان الثانية عام 2006 في الشمال وعملية الجرف الصامد في الصيف الماضي في غزة – أدت إلى انتقادات عامة شديدة، ولكن ليس لقرار خوض الحرب. اضطر القادة الدفاع عن القرار لإنهاء الحرب قبل تحقيقهم انتصار قاطع.

قد لا تكون الإنتصارات القاطعة ممكنة بحالات مثل حزب الله وحماس، الذين لا يتم محاسبتهم من قبل المدنيين لديهم ولهذا لا يمكن ردعهم بواسطة الثمن الإقتصادي والإنساني للحرب. في الحالات حيث تعتنق أطراف غير دولية سياسات الحرب المستدامة وطويلة المدى التي تهدف لتشكيل ضغط على المجتمع والسياسة الإسرائيلية، رد القادة الإسرائيليين بإستراتيجية تشبه استراتيجية العدو. في كل الحروب منذ عام 2006، هدفت اسرائيل الاظهار ليس فقط أنه يمكنها إحداث أضرار هائلة لقوات العدو، بل أيضا أن صواريخ وهجمات العدو لا تملك قوة الردع التي تهدف اليها.

لا يوجد أي سبب للإعتقاد أن الحرب القادمة مع حزب الله يتكون مختلفة عن هذا المبنى الإستراتيجي الأساسي.

النتيجة: قد تشهد الحرب القادمة اطلاق عشرات آلاف الصواريخ على المدن الإسرائيلية، دمار هائل للبنية التحتية اللبنانية، مواجهات مع سوريا وإيران، وفي نهاية الأمر ضربات مدمرة لجميع أعداء إسرائيل في الشمال – ولكن هذا لن يؤدي للإنتصار القاطع الذي سيحتاجه رئيس وزراء في الأيام أو الأسابيع قبل الإنتخابات، إن كان يأمل تجنب خيبة أمل الشعب.

قد يكون لنتنياهو سمعة على أنه عدائي في الخارج، ولكن في إسرائيل، هو يعتبر قائدا يميل لتجنب الحرب ومتغيراتها المجهولة.

وبينما قد تكون دعاية نتنياهو الإنتخابية مبنية على الحاجة للخوض بالحرب، لن تكون لمنافسيه في اليسار تحديدات كهذه. الجولان اليوم مسألة متفق عليها لدى الناخبين الإسرائيليين. وهنالك اتفاق أيضا حول حزب الله، الذي فقد أي أثر للأخلاقيات حتى لدى أكثر اليساريين الإسرائيليين تطرفا عند إنسحاب إسرائيل من جنوب لبنان عام 2000.

إذا الإعتقاد السائد، كالعادة، يتضمن قسما من الحقيقة. تهديد الحرب قد يساعد حزب الليكود المتشدد في الإنتخابات. ولكن هذا الإعتقاد ينهار عند تحول هذا التهديد إلى واقع. في تلك اللحظة، نتنياهو سيواجه سخرية القدر القاسية حيث أنه سيكون لمنافسيه المسالمين حرية اظهار أنفسهم كمدافعين عدائيين أكثر عن شمال البلاد من اليمينيين الذين عليهم تنفيذ العملية فعلا.