حذرت مجموعة الأبحاث “مجموعة الأزمات الدولية” في تقرير شامل يوم الخميس بأن اسرائيل وإيران (بالإضافة الى وكلائها) بالطريق الى حرب علنية في سوريا.

وقد تحققت هذه التحذيرات – جزئيا على الأقل – صباح السبت، ابتداء من الساعة 4:30 صباحا، مع اختراق المجال الجوي الإسرائيلي من قبل طائرة مسيرة ادعى الجيش الإسرائيلي أن عميل إيراني شغلها من قاعدة جوية سيطرت عليها طهران قبل أشهر، بموافقة سوريا.

وقامت طائرات عسكرية اسرائيلية بالرد بإجراء غارات في سوريا، حيث اصيبت إحدى الطائرات من طراز “إف-16” بصاروخ مضاد للطائرات، وسقطت في شمال اسرائيل.

وتمكن طائري الطائرة من الخروج قبل سقوطها؛ وأصيب أحدهما بإصابات خطيرة.

صورة تم التقاطها في شمال إسرائيل في 10 فبراير، 2018، لحطام مقاتلة اف-16 الإسرائيلية التي تحطمت بعد تعرضها لنيران من الدفاعات الجوية السورية. (AFP/ Jack GUEZ)

وقامت طائرات عسكرية اسرائيلية بعدها بجولة ثانية من الغارات. وفي الجولتين، قال الجيش الإسرائيلي، استهدفت الطائرات عدة انظمة دفاع جوي سورية بالإضافة الى أربعة مواقع إيرانية.

وهذه المرة الأولى التي تعترف فيها اسرائيل بإجراء غارات جوية ضد مواقع تسيطر عليها إيران في سوريا، ولكنها ليست المرة الأولى التي تقوم بذلك، بحسب تقارير أجنبية.

وفي اعقاب الإشتباكات التي وقعت صباح السبت، أصدر سياسيون سوريون وإيرانيون تصريحات شديدة النبرة وتهديدات ضد إسرائيل. ودعمت الولايات المتحدة حق اسرائيل بالدفاع عن نفسها. بينما نادت روسيا الى تهدئة جميع الأطراف، ولكن انتقدت اسرائيل بشكل خاص لإنتهاكها السيادة السورية في الغارات الجوية.

ودفعت المواجهة الجوية ما كان نزاعا طويلا ولكن هادئا الى الاهتمام الدولي واثار مخاوفا من كون هذا الاشتباك الاول من سلسلة اشتباكات – او حتى، في اسوأ الحالات، بداية حرب شاملة في انحاء سوريا، لبنان وشمال اسرائيل.

’لا اعتقد انها المرة الاخيرة التي نشهد فيها حدث كهذا، ولكن في الوقت الحالي كلا الطرفين يقيدان الردود’

ولكن الإعتقاد الشائع بين خبراء الدفاع الإسرائيليين هو أن حدث يوم السبت ليس مقدمة لحرب عامة، بل بداية فترة توتر متنامي طويلة، التي على الأرجح أن تشمل اشتباكات إضافية.

“لا اعتقد أنها المرة الأخيرة التي نشهد فيها حدث كهذا، ولكن في الوقت الحالي كلا الطرفين يقيدان الردود”، قالت سيما شاين، مسؤولة دفاع وباحثة في معهد دراسات الأمن القومي في جامعة تل ابيب، لصحفيين يوم الأحد.

وأضافت خلال محادثة هاتفية نظمتها مجموعة “مركز الإعلام”، أن التصعيد ليس من مصلحة كلا الطرفين.

ووصف عاموس يادلين، الطيار العسكري السابق ومدير الإستخبارات العسكرية، يوم السبت بأهم يوم قتال، فيما تصفه اسرائيل بـ”الحملة بين الحروب”، والتي عادة يتم التطرق اليها بالاختصار العبري “مابام”.

“بالرغم من السيطرة على الحدث، يتوقع أن تستمر الحملة”، قال يادلين.

وفي تقريرها، الذي صدر يومين قبل تصعيد يوم السبت، تحدثت “مجموعة الأزمات” عن تطور هذه الحملة بين اسرائيل ومحور إيران سوريا وحزب الله، وكيف يمكن منع التصعيد.

وتربط المنظمة بين التوترات الحالية وانتصارات النظام السوري العسكرية في العامين ونصف الأخيرين، والتي تحققت بالأخص بسبب دعم الجيش السوري، الذي يوفر دعم جوي كبير منذ سبتمبر 2015.

وهذا ادى الى تجهيز المحور بقيادة إيران الى حرب مستقبلية مع إسرائيل.

’موسكو وحدها يمكنها تواسط تعزيز لاتفاق فك النزاع. وإن لا تقم بذلك، على الارجح ان يتم تحديد قواعد اللعبة السورية عبر الهجوم والرد، وهناك خطر للتصعيد’

ووفقا لمجموعة البحث، روسيا هي الطرف الوحيد الذي يمكنه منع حرب دامية، بعد أن اصبحت بعد الحرب الأهلية السورية الدولة الكبرى الوحيدة في المنطقة بعد تقليص الولايات المتحدة دورها في النزاع بشكل كبير.

“موسكو وحدها يمكنها تواسط تعزيز لإتفاق فك النزاع. وإن لا تقم بذلك، على الأرجح أن يتم تحديد قواعد اللعبة السورية عبر الهجوم والرد، وهناك خطر للتصعيد”، ورد في التقرير.

وتذكر المجموعة ثلاثة مسائل رئيسية يجب التعامل معها: تواجد القوات الإيرانية والشيعية بالقرب من مرتفعات الجولان الإسرائيلية؛ بناء بنية تحتية عسكرية إيرانية في سوريا؛ وضمان بقاء أي اشتباكات تقع محصورة في سوريا.

وتعمل “مجموعة الأزمات” أيضا مباشرة مع روسيا من أجل اقناعها بتقبل دور الوسيط بين اسرائيل، حزب الله، إيران، وسوريا.

“ونحن نحقق بعض التأثير على المسؤولين الروس”، قال عوفر زالزبرغ، محلل رفيع في المجموعة واحد مؤلفي التقرير، للتايمز أوف اسرائيل يوم الأربعاء الماضي، قبل نشر الملف.

وصفة للكوارث

مع هزيمة الرئيس السوري بشار الاسد آخر معاقل المعارضة في البلاد، الخوف الإسرائيلي هو أن يتمكن حلفائه – إيران وحزب الله من التركيز على اقامة مواقع على الحدود الإسرائيلية، بالإضافة الى انشاء قواعد جوية وبحرية دائمة من أجل جلب الأسلحة المتطورة واطلاق الهجمات.

وقالت اسرائيل أن هذه “خطوط حمراء” لا يمكنها السماح بتخطيها، وقالت أنها سوف تتخذ خطوات عسكرية في حال تجاوزها.

وفي تقريرها، حذرت “مجموعة الأزمات” أنه في حال متابعة المحور الإيراني بهذه الخطوات، ورد اسرائيل عليها، هناك احتمال كبير لتصعيد أو حتى حرب شاملة يمكنها زعزعة استقرار المنطقة بأكملها.

والتقديرات العسكرية للحرب المحتملة بين اسرائيل وحزب الله مرعبة: حزب الله يطلق اكثر من 1000 صاروخ باتجاه المدن الإسرائيلية والمواقع الاستراتيجية يوميا، بالإضافة الى محاولة التسلل الى بلدات اسرائيلية على الحدود اللبنانية. اسرائيل تقوم بموجات متتالية من الغارات الجوية ضد البنية التحتية التابعة لحزب الله، والتي زرعها التنظيم اللبناني في المناطق المدنية، ما سوف يؤدي الى سقوط عدد كبير من الضحايا المدنيين، بالإضافة الى تحرك قوة اسرائيلية كبيرة في جنوب لبنان.

وقال زالزبرغ أن جزء كبير من المشكلة هو عدم وجود “قواعد لعبة” واضحة بين اسرائيل والوكلاء الإيرانيين في سوريا، كما هناك في لبنان، حيث تحارب اسرائيل حزب الله منذ عقود.

وهذا يعني أنه سيتم تحديد “القواعد” عبر اشتباكات وردود فعل مثل حادث يوم السبت. ولكن هذا طريق خطير، وهناك فرض عديدة لأخطاء قد تنتج بسقوط العديد من الضحايا في الطرفين.

على سبيل المثال، عادة يتطرق المسؤولون الإسرائيليون الى “الحضانة التي يضرب بها المثل” – انواع الأهداف التي إن تصاب، حتى عن طريق الخطأ، سوف تثير نداءات من قبل المواطنين الإسرائيليين لانتقام شديد. ونظرا لعدم وجود اهداف مدنية تابعة لحزب الله وإيران في سوريا، الهدف الممثال لذلك قد يكون سقوط عدد كبير من الضحايا نتيجة غارة جوية اسرائيلية، ما قد يجبرهم على الرد.

وهذا هو القلق الحالي، في اعقاب اشتباك يوم السبت، أفاد المرصد السوري لحقوق الانسان أن ستة مقاتلين موالين للنظام على الأقل – من ضمنهم سوريين وأجانب – قُتلوا في الغارات الجوية الإسرائيلية، ويتوقع “ارتفاع الحصيلة لأنه لا زال هناك اشخاص حالتهم حرجة”.

وأضاف زالزبرغ أن احتمال التصعيد في سوريا يزداد نتيجة عدم وضوح اهداف وآراء الأطراف المختلفة، وأشار الى مقابلات أجرتها “مجموعة الأزمات” خلال عام مع مسؤولين في إسرائيل، طهران، بيروت، عمان، موسكو وواشنطن.

ويدعي التقرير أنه من مصلحة روسيا في نهاية الأمر تجنب الحرب الشاملة بين اسرائيل وحزب الله للبناني المدعوم من إيران، ما يمكن أن يؤدي الى زعزعة المنطقة تماما.

وخلافا لحرب لبنان الثانية عام 2006 بين اسرائيل وحزب الله عندما كان القتال محصور عامة في شمال اسرائيل وجنوب لبنان، يعتقد كل من المسؤولين الإسرائيليين وفي حزب الله أن النزاع المقبل بين الطرفين سوف يشمل أيضا القتال في سوريا.

مدفعية اسرائيلية تقصف اهداف تابعة لحزب الله على الحدود الإسرائيلية اللبنانية، 18 يوليو 2006 (Olivier Fitoussi/Flash90)

“حملة اسرائيلية ضخمة سوف تؤدي الى أضرار شديدة لإنجازات [مشق وحلفائها]، وحتى تزعزع استقرار النظام”، ورد في التقرير.

ووفقا لزالزبرغ، هذه ليست نتيجة مرغوبة لروسيا، لأن موسكو تريد استعادة نظام الأسد للسيطرة في سوريا.

وقال الخبير أن هذا يخالف اهداف إيران، التي تريد سيطرة الأسد، ولكنها لا تريد أن يكون قويا جدا، وتفضل بدلا عن ذلك أن يسيطر ائتلاف على سوريا، بشكل مشابه للبنان، كي يكون لدى الشيعة دورا أكبر في البلاد.

روسيا وحدها

وادى دعم موسكو للأسد وداعميه الآخرين، إيران وحزب الله، الى خشية المسؤولون الإسرائيليون من نظرائهم الروس.

ويقتبس تقرير “مجموعة الأزمات” مسؤول غير مسمى في وزارة الخارجية الإسرائيلية يقول اأه “من الصعب الثقة [بالروس]. إنهم يقولون لنا أنهم لا يبيعون الأسلحة لحزب الله، ولكننا نعلم انهم يقومون بذلك. سياساتهم ساخرة. إنهم ليسوا وسطاء مرغوبين”.

رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو يلتقي بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال جولة في متحف اليهودية والتسامح في موسكو، 29 يناير 2018 (Vasily MAXIMOV/AFP)

ولكن يدرك البعض في اسرائيل أنه بينما الروس غير مرغوبين، فإنهم الوسيط الوحيد الذي لديه نفوذ كافي مع إيران وحزب الله.

وتضطر اسرائيل أصلا الحفاظ على علاقة مقربة، إن كانت غير مريحة، مع موسكو بسبب دورها في المنطقة.

وبعد اسقاط تركيا لطائرة عسكرية روسيا اخترقت مجالها الجوي، وضعت موسكو انظمة S-400 للدفاع الصاروخي في سوريا، مع هذا النظام، اكثر الأنظمة المضادة للطائرات تطورا في العالم، يمكن لروسيا مراقبة معظم النشاطات الجوية الإسرائيلية، بما يشمل الطلعات الجوية العسكرية.

أو، كما قال مسؤول اسرائيلي للمجموعة: “لا يمكن لذبابة التحليق فوق سوريا بدون موافقة روسيا اليوم”.

وكانت هذه ضربة صادمة لسلاح الجو الإسرائيلي، الذي حتى ذلك الحين كان لديه توافق جوي في المنطقة، وأجبر اسرائيل على انشاء خط تواصل مع موسكو لتجنب احتمال وقوع اشتباكات بين الجيشين.

وعملت اسرائيل أيضا بشكل دبلوماسي مع روسيا من أجل اقامة منطقة عزل حول الحدود في جنوب غرب سوريا، حيث لا يمكن انتشار حزب الله والمسلحين الشيعة المدعومين من إيران.

ومنطقة الحدود مسألة مقلقة لإسرائيل، التي ترفض اقامة حزب الله لمواقع عسكرية في مرتفعات الجولان، بالإضافة الى البنية التحتية المكثفة الموجودة في جنوب لبنان.

وفي الشهر الماضي، استعاد الجيش السوري، بمساعدة مسلحين شيعية، السيطرة على منطقة بيت جن، الواقعة 13 كلم فقط بعيدا عن منتجع التزلج الإسرائيلي في جبل الشيخ.

وبالرغم من تركيزه حاليا على استعادة منطقة ادلب في شمال غرب سوريا، على الأرجح أن يركز التحالف قريبا على منطقة القنيطرة ودرعا، بالقرب من الحدود الإسرائيلية.

وبالرغم من ضمان اسرائيل منطقة الفصل في هذه المنطقة خلال الصيف، قال تقرير “مجموعة الأزمات” أنه من السهل نسبيا لهذه التنظيمات تجاوز التقييدات، “مثلا عبر زرع مقاتليها في الجيش السوري، أو مجرد ارتدائهم ازياء الجيش العسكرية”.

وتدعي المجموعة أنه قبل تقدم محور سوريا إيران حزب الله باتجاه الجنوب غرب، على روسيا العمل من أجل التفاوض على اتفاق مع اسرائيل.

’لا زال يمكن لروسيا محاولة تواسط تفاهم لمنع المواجهة، حماية كل من استثمارها في النظام السوري، وحياة الإسرائيليين واللبنانيين’

وقالت “مجموعة الأزمات” أن إصرار اسرائيل بقاء الجنود الإيرانيين والمدعومين من إيران بعيدين عن جنوب سوريا سيكون اصعب مسألة في المفاوضات، لأن حزب الله والمسلحون الشيعة لن يقبل بذلك، ويمكنهم بسهولة تجاوز ذلك عبر التظاهر بأنهم سوريين.

ولكن قال مؤلفو التقرير أنه يمكن حل ذلك عبر موافقة سوريا منع إيران من اقامة البنية التحتية المقلقة بالنسبة لإسرائيل، مثل الميناء البحري الذي يمكن عن طريقه للجمهورية الإسلامية اطلاق هجمات ضد حقول الغاز الطبيعي الإسرائيلي، مطار لنقل الأسلحة الى حزب الله، أو مصنع للصواريخ الدقيقة.

“لا زال يمكن لروسيا محاولة تواسط التفاهم لمنع المواجهة، وحماية كل من استثمارها في النظام السوري، وحياة الإسرائيليين واللبنانيين”، كتبت المجموعة.