الجولة الأولى من الأخبار الدراماتيكية ظهرت ليلة الأربعاء الخميس، بتوقيت إسرائيل.

مصر قامت بطرح مشروع قانون بشأن المستوطنات، وكان من المقرر التصويت عليه في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة في غضون ساعات، مساء الخميس. على الرغم من التوقعات بطرح مشروع قرار بحلول نهاية العام، الإعلان المصري فاجأ الجميع، ومن بينهم البعثتين الإسرائيلية والأمريكية لدى الأمم المتحدة.

الجولة الثانية من الأخبار الدراماتيكية جاءت في وقت لاحق من مساء الخميس. مصر تراجعت ولم تعد معنية في التصويت على مشروع قرارها في نهاية الأمر – ليس يوم الخميس، وربما ليس في أي وقت آخر بعد الخميس أيضا.

في وسط ذلك، دخلت الحكومة الإسرائيلية ورئيسها بنيامين نتنياهو في حالة أزمة واسعة النطاق – وهو ما يدل على كل ما نحن بحاجة لمعرفته على مستويات الثقة، أو عدم الثقة بالأحرى، بين إئتلاف نتنياهو وإدارة أوباما، التي تبعد الآن أقل من شهر عن تسليم السلطة للرئيس المنتخب دونالد ترامب وفريقه، الذين يعارضون جميعهم وبشدة أي خطوات متعلقة بالفلسطينيين في الأمم المتحدة.

مبعوث نتنياهو لدى الأمم المتحد احتج على مشروع القرار. مصادر رفيعة إسرائيلية طلبت عدم الكشف عن هويتها تحدثت عن أنه إذا سمحت إدارة أوباما بتمرير مشروع القانون، من خلال عدم إستخدام حق النقض، سيشكل ذلك إنتهاكا للوعود الأمريكية لإسرائيل. نتنياهو بنفسه غرد متوسلا  أن الولايات المتحدة “نقض مشروع القرار المعادي لإسرائيل”، وقام بعقد هيئة صناع القرار الأكبر في حكومته، المجلس الوزاري الأمني، مع بدء العكس العكسي للتصويت.

ما زاد من حالة الذعر في القدس كانت الأخبار التي تحدثت عن أن وزير الخارجية الأمريكي جون كيري سيلقي كلمة، سيشرح فيها، بحسب تكهنات، السبب وراء سماح الولايات المتحدة بتمرير مشروع القانون. نتنياهو قام بعقد المجلس الوزاري الأمني وإطلاعه حول الجهود الدبلوماسية التي يبذلها هو ووزارة الخارجية ومجلس الأمن القومي لمنع تمرير مشروع القرار.

حوالي الساعة الرابعة عصرا بتوقيت إسرائيل، أصدر ترامب بيانا دعا فيه إلى نقض أمريكي وقال “كما تقول الولايات المتحدة منذ فترة طويلة، إن السلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين سيتحقق فقط من خلال مفاوضات مباشرة بين الطرفين، وليس من خلال فرض شروط من قبل الأمم المتحدة”.

في الساعة 5:21 عصرا بتوقيت إسرائيل، نشر نتنياهو بيانا أشاد فيه ب” استعداد الولايات المتحدة خلال سنوات طوال للوقوف في الأمم المتحدة ولاستخدام حق النقض ضد القرارات المعادية لإسرائيل” ودعا إدارة أوباما إلى عدم “نبذ” هذه السياسة.

وعندها، بعد دقائق قليلة، جاءت ما بدت بداية كأخبار مطمئنة. طلب المصريون تأجيل التصويت على مشروع القرار. لن يكون هناك تصويت – بالتأكيد ليس يوم الخميس وربما لن يكون هناك تصويت على الإطلاق، بحسب ما ذكرته تقارير غير مؤكدة، نقلا عن مصادر دبلوماسية غربية.

سيل الشائعات استمر بالتدفق ولساعات لم يكون واضحا ما الذي حدث بالضبط في الإتصالات وراء الكواليس والتي شملت القدس والقاهرة وواشنطن ونيويورك… وبالم بيتش في ولاية فلوريدا، حيث يواصل ترامب حاليا تشكيل فريقه وإصدار تصريحات بشأن سياساته.

في حديث مع صحافيين إسرائيليين، نسب مسؤولون إسرائيليون، طلبوا عدم الكشف عن هوياتهم، الفضل في تدبير التأجيل المصري إلى أنفسهم. ولكن حتى كتابة هذه السطور، لم يتضح فيما إذا كان هذا الشعور بالراحة سابقا لأوانه. نظريا، يمكن طرح مشروع القرار مرة أخرى الخميس، الجمعة، أو في أي وقت. حتى أن مجلس الأمن الدولي لا يخرج في عطلة خلال أعياد الميلاد. الموعد النهائي الوحيد ذات الصلة هو إنتقال السلطة في الولايات المتحدة. بعد 20 يناير، حق النقض الأمريكي هو أمر محتم.

سفير إسرائيل لدى الأمم المتحدة، داني دنون، قال لتايمز أوف إسرائيل ليلة الخميس، في الوقت الذي اجتمعت فيه الدول الأعضاء في جامعة الدول العربي لمناقشة الخطوات التالية، إن “تأجيل التصويت هو خطوة هامة. لكننا ندرك أن هذه المسألة لم تُحّل بعد”، وأضاف دنون “نواصل جهودنا الدبلوماسية على كل الجبهات لضمان أن لا يتم تمرير مشروع القرار المشين هذا في مجلس الأمن”.

في غضون ذلك، هناك السؤال حول سبب قيام القاهرة بالتراجع (سواء مؤقتا أو لا) عن مشروع قرار قامت هي بنفسها بإقتراحه قبل أقل من يوم.

إحدى النظريات تقول إن نتنياهو توجه إلى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، الذي تربطه به علاقات شخصية جيدة. وكالة “رويترز” أشارت إلى أن القاهرة طلبت التأجيل بطلب من إسرائيل، بعد اتصالات “رفيعة المستوى” بين الحكومتين. إذا كان ذلك صحيحا، ستكون هذه شهادة جديرة بالملاحظة للتحالف في مهده بين مصر وإسرائيل، وإنجاز دبلوماسي هام.

ولكن يبدو ذلك غير قابل للتصديق إلى حدا ما. إذا كان نتنياهو هو من أقنع السيسي بسحب مشروع القرار، لماذا إذا استمر رئيس الوزراء بدعوة الولايات المتحدة في نقض مشروع القرار حتى وقت متأخر من مساء الخميس؟

ربما قد يكون تصريح ترامب هو الذي دفع القاهرة إلى تغيير موقفها. إلتقى الرجلان في سبتمبر والسيسي كان أول رئيس أجنبي يتصل بترامب لتهنئته على انتصاره في الإنتخابات. قد يكون الرئيس المصري، الذي يعتمد على المساعدات المالية من واشنطن، قد رأى أنه من الأفضل له عدم إغضاب الإدارة المقبلة من خلال الدفاع بمشروع قرار تعارضه.

وعُلم أيضا أن مجموعات يهودية إلتقت مع السيسي مؤخرا تدخلت هي أيضا في محاولة لإقناع الرئيس المصري بسحب مشروع القرار.

أو ربما قد يكون نتنياهو قد رفع سماعة الهاتف وقام بالإتصال بترامب أو بنائب الرئيس المنتخب مايك بنس، وطلب منهما الضغط على القاهرة لتقوم بسحب الإقتراح. يُعتبر ذلك أمرا غير مسبوق – أعضاء كبار من الإدارة المقبلة يقنعون رئيس دولة أجنبية بسحب مشروع قانون ورد أن الإدارة الحالية تدرس دعمه.

في غضون ذلك، أشار دبلوماسيون مصريون ليلة الخميس إلى أن الفلسطينيين فاجئوا المجموعة العربية في الأمم المتحدة من خلال إسراعهم إلى طرح النص للتصويت عليه الخميس. القاهرة أرادت تعميم مشروع القرار بين القادة العرب وتحديد موعد للتصويت عليه في شهر يناير، بحسب ما ألمح إليه هؤلاء الدبلوماسيين. من الصعب إدراك أهمية تأخير كهذا: تشكية مجلس الأمن ستتغير مع دخول العام الجديد، مع أفضلية طفيفة لصالح إسرائيل، ولكن ما زال متوقعا أن ينجح مشروع قرار ضد المستوطنات بحشد الـ -15 “نعم” المطلوبة لتمريره، وحتى 20 يناير سيكون القرار في إستخدام حق النقض لأوباما، وليس لترامب،

الإثارة لم تنته بعد. يمكن لمشروع القرار المصري أن يعود. إذا لم يحصل ذلك، قد تقوم نيوزيلندا – التي ستنهي ولايتها التي استمرت لعامين في مجلس الأمن في الأسبوع القادم – بطرح النسخة الخاصة بها. وإذا قررت ويلينغتون عدم القيام بذلك. قد تقوم السويد، العضو المقبل في مجلس الأمن، بكل سرور وفخر بطرح مشروع قرار يدين المستوطنات.