إذا كانت هناك محادثة إسلامية-يهودية في هذه الأيام، فهي مليئة بالإحتكاك والتوتر- وليس فقط في إسرائيل التي شهدت تصعيدا حادا في التوتر وأعمال العنف في الأيام الأخيرة، ولكن في جميع أنحاء العالم. حتى في الأوقات التي لا يترنح فيها إسرائيل والشرق الأوسط على حافة الهاوية، من الصعب تصور كيف يمكن سد الفجوة بين الديانتين.

ولكن تحت السطح، هناك من يقوم بالجهود للتواصل والإجتماع معا والعيش جنبا إلى جنب- حتى لو كان ذلك يعني الصوم خلال أيام الصيف الحارة.

أحد هؤلاء هو الحاخام ناتان ليفي، حاخام أورثوذكسي وقائد في الحوار بين الأديان والذي يعيش في لندن. أدرك ليفي خلال توليه منصب حاخام ملحق بجامعة في بريستول أن أصوات قادة الدياناتين الإسلامية واليهودية كصوته هو هي “أقوى دائما، ويُصغى إليها أكثر قليلا من قبل السياسيين والإعلام، إذا عملنا معا”. متسلحا بوعيه، أنشأ ليفي وزملائه المسلمين إذاعة على ألإنترنت أطلقوا عليها إسم “شالوم-سلام”.

ويقول ليفي أن التجربة جعلت “العيش داخل الصور النمطية الإعلامية عن الإسلام” بالنسبة إليه “مستحيلا”.

الحاخام ناتان ليفي (يمين) في لقاء متعدد الديانات (صورة مقدمة من ناتان ليفي)

الحاخام ناتان ليفي (يمين) في لقاء متعدد الديانات (صورة مقدمة من ناتان ليفي)

والآن، جاء ليفي إبن الاربعين عاما، وأب لأربعة أطفال، وهو يأمل بأن يتغير النقاش الذي كان لمجتمعه مع الإسلام. لقد قرر أن يصوم خلال رمضان، شهر الصوم الذي بدأ حول العالم في الأسبوع الماضي، إلى جانب الطائفة الإسلامية البريطانية- وهو يخطط للصوم طوال الشهر.

وقال ليفي للتايمز أوف إسرائيل، “أنا آمل بأن أفعل ذلك لمدة شهر، من دون أيام السبت”.

هو يعترف أنه حتى الآن لم يكن الأمر سهلا. “كان الأسبوع الأول قاسيا نوعا ما. كنت أتطلع لطبق حساء دجاج كل الأسبوع”، حسبما قال. مع وصول درجات الحرارة إلى ما يقارب 30 درجة سيلزيوس (86 فهرنهايت)، شكل هذا الأسبوع تحديا للحاخام المقدام. وربما لم يكن ذلك بالأمر المستغرب، ولكن لم يتبرع أي شخص في الطائفة اليهودية بالإنضمام إليه في صومه.

“لا يزال الأمر مبكرا، وحتى الآن المعاون الوحيد الذي طلب الإنضمام إلي في الصوم هي إبنتي البالغة من العمر 10 أعوام”، كما قال، وسارع في التأكيد أنه رفض طلبها.

وقال، “أنا لا أطلب من أحد أن ينضم إلي أحد، ولا أتوقع ذلك أيضا. الصوم هو ليس بأمر ممتع. كل ما أتمناه هو أن يفتح أمامنا أبوابا مغلقة ويبني جسورا جديدة”، ولكنه يضيف، “كنت أتمنى فقط لو كنت اخترت شهر رمضان في الشتاء. هذا أطول صيام في رمضان في دورة ال-33 عاما. ولكن كان بالإمكان أن يكون ذلك أسوأ، فلقد سمعت أنه في دول شمال أوروبا يستمر الصيام 21 ساعة يوميا، وليس مثل ال-19 ساعة التافهة هنا في المملكة المتحدة”.

إذا لماذا قرر أن يفعل ذلك؟ في حين أن ليفي يقول أنه دافعه الرئيسي وراء الصوم هو أمله بأن يجلب ذلك تغييرا في الطريقة التي يتعامل فيها اليهود مع المسلمين والأسلام، هناك عدد من المحفزات الأخرى لبرنامج التضامن هذا.

أولهم، كما يقول، هو ضرورة محاولة “الذهاب  ما وراء العناوين” عن المجموعات الإسلامية المتطرفة مثل الدولة الإسلامية (داعش)، وبوكو حرام النيجيرية، وحماس وغيرها، وبدلا من ذلك الدخول في “حوار صادق مع الإسلام اليومي”.

يقول ليفي أنه في الأسبوع الماضي، خلال سفرته الصباحية، وجد نفسه “يشارك بعض النصائح مع سيد مسلم” على خط لندن الشمالي “حول ما إذا كان من المفضل أكل وجبة أكبر خلال وجبة فطور الصباح المبكرة جدا أم لا”. في النهاية، وافق كل من المسلم واليهودي أنه من الأفضل تناول وجبة خفيفة- ربما هذا الإتفاق لن يحدث هزة، ولكنه رغم ذلك خطوة نحو تعزيز شعور بالتقارب بين الديانتين.

رجل مسلم يقرأ القرأن خلال شهر رمضان 2 يوليو 2014 (عطا قيناوي/ أ ف ب)

رجل مسلم يقرأ القرأن خلال شهر رمضان 2 يوليو 2014 (عطا قيناوي/ أ ف ب)

يقول ليفي، “لا أريد أن أبدو ساذجا؛ هناك فيلة في الغرفة بين اليهود والمسلمين، وهي مخيفة”، ويتابع، “ولكنني أعتقد أن [علينا] أن نبدأ الحديث عن الفيلة فقط عندما تكون هناك روابط، والثقة والتفاهم المتبادل بين شعبين يقفان تحت نظرة الله”.

في المجتمع البريطاني،كما يقول، يبدو تفاهم متبادل كهذا بعيد المنال.

“أنا حزين ومحبط لأن الجالية الأنجلو يهودية تبدو وكأنها تعيش في حالة أستيطع أن أصفها فقط بأنها ذات ارتياب شديد من كل شيء يلمح للإسلام”.

يتحدث ليفي عن حادثة وقعت في الكنيس الذي يصلي فيه في الشهر الماضي والتي دفعته أخيرا إلى إتخاذ قرار الصوم.

“إحدى المصليات في الكنيس المحلي هربت راكضة إلى بيتها لأنها وجدت نفسها تجلس إلى جانب ضيفة مسلمة في صلاة ’كبالات شابات’ (إستقبال السبت)”، حسبما قال. “والدتها قالت لها بأن تعدو بسرعة إلى البيت وأن تحذر حراس الأمن. تسبب ذلك بمشاجرة، وكانت لحظة مخجلة لنا جميعا- ولكنها لم تكن بمفاجئة”.

الضيفة المسلمة كانت أستاذة في جامعة كامبريدج، وهي صديقة دعاها ليفي لوجبة السبت.

وفقا لليفي، لا يوفر نظام التعليم اليهودي في بريطانياالكثير من الفرص للإنخراط والتعلم عن ديانات أخرى- على الرغم من أن بريطانيا، ولندن على وجه الخصوص، معروفة بتنوع الثقافات والمجموعات الدينية فيها.

وقال ليفي منتقدا، “إبنتي لم تتعلم أي شيء عن رمضان في مدرستهااليهودية”، وأضاف، “كل هذاالصيام هو ببساطة وسيلة للبدء بالحوار حول كيفية تعلمنا- كيهود- الإنخراط مع جيراننا المسلمين”.

سبب ثالث لقيام ليفي بالصوم هو رغبته في زيادة وعيه بشأن الجوع والفقر.

ويقول أن “الصوم يركز أفكارنا على الجوع الحقيقي في وسطنا… لن يساعد صومي الطوعي في إطعام الجائع بحد ذاته، ولكن كوني جائع يجعلني أشعر بالغضب لأن آخرين يشعرون بالجوع، وأنا أصلي بأن أكون قادرا على فعل المزيد من أجلهم”.

عن السؤوال لأي مدى قامت الجاليات اليهودية والمسلمة في بريطانيا بدعم قراره، قال أن قراره كان “شخصيا بحتا”، ويرد ليفي- بجرعة من الفكاهة- بأنه على الرغم من أن البعض حاول إمتحان عزمه، فأن البعض كانوا حريصين على تعلم المزيد عن ذلك.

ويقول أن “زملائي في العمل يقومون حاليا بإستفزازي بساندويشات لرؤية أذا كانت سأقوم بالغش، ويواصل المصلين في الكنيس المحلي سؤالي لماذا يقوم يهودي بالصوم في رمضان. لذلك فأنا أعتقد أن هناك حديث جار”.

“هل سيأخذنا ذلك نحو فهم عميق اكثر؟ هل سيقوم بفتح الأبواب المغلقة منذ زمن طويل؟ أنا حقا لا أعرف. آمل ذلك، وأصلي لذلك، ولكنني أعتقد أننا لن نعرف الإجابة حتى يتوقف أبناؤنا عن الهرب في كل مرة يرون مسلما في الكنيس. وأخشى أن ذلك هو عملية طويلة لنتذكر أن كلانا أبناء إبراهيم”.

وطمأن أصدقاء ليفي المسلمون الحاخام أنه لن يتم إساءة فهم خطوته التضمانية هذه- على العكس، كما قالوا، إن ذلك “يشرفهم”.

مع مباركتهم، يواصل الحاخام المضي قدما في صومه- يوما بيوم. ولكن مع شبح التصعيد الذي يحوم حول الشرق الأوسط خلال رمضان، فهو يدرك أنه قد تكون للفتته اللاهوتية البحتة هذه أهمية سياسية “غير مقصودة بالمرة”.

لتفسير مدى أهمية ذلك يروي ليفي قصة شخصية.

“قبل أسبوعين من زواجنا، وقع الشجار الاول بيني وبين وزوجتي المستقبلية، وكان ذلك سيئا لدرجة أننا قمنا بإلغاء زواجنا تقريبا. سمع الحاخام الخاص بنا بما حدث وفي هذه الليلة جاء للقائنا.’كنت صائما كل اليوم’، كما قال. ’من أجلكما لتجدا السلام’. وقال أشياء اخرى ايضا. ولكن الآن، بعد 12 عاما تقريبا، هذا الصيام الذي أستطيع أن أتذكره بشكل واضح. كان لقيام رجل بالتوقف عن الأكل لصنع السلام بين شخصين تأثيرا كبيرا. تزوجنا أنا وزوجتي، بالطبع”، اضاف بحدة.

“لذلك نعم، أنا صائم، مهما كانت تأثير ذلك، ومهما كان نوع القوة التي قد تكون لشيئ كهذا، حتى يتوقف الإسرائيليون والفلسطينون عن كره بعضهم البعض والإصغاء إلى بعضهم البعض، والحداد معا الآن، حتى نستطيع الإحتفال معا في المستقبل”.