من الصعب التحديد في هذه المرحلة ما إذا كان القرار الإسرائيلي في السماح لقطر بدفع رواتب مستخدمي حماس، في غزة، يقتصر على شهر يوليو فقط، أو أن الدوحة بموافقة إسرائيلية ستستمر بالقيام بذلك في الشهرين القادمين.

إسرائيل الرسمية، ترفض التعليق على الإجراء أو نشر أي تفاصيل عنه، على الرغم من وجود حاجة للشفافية الكاملة من قبل الحكومة بشأن خطوة كهذه. فتغيير دراماتيكي وجذري بهذه الصورة في السياسية الإسرائيلية إزاء حماس يتطلب توضيحات للجمهور.

هل حقا توافق حكومة إسرائيل، التي عارضت بشدة دفع رواتب مستخدمي حماس في صيف 2014، والتي هدد وزير خارجيتها حينذاك إفيغدور ليبرمان بطرد ممثل الأمم المتحدة للشرق الأوسط روبرت سري من هنا بسبب محاولته حل مشكلة الرواتب هذه، والتي رفضت اقتراحا لوقف النار خلال عملية “الجرف الصامد” بالإعتماد على دوفع رواتب المستخدمين، على هذا الإجراء؟

ووزير الدفاع اليوم، ليبرمان نفسه الذي تعهد قبل حوالي شهرين بالقضاء على إسماعيل هنية إذا لم يتم إعادة جثتي الجنديين لإسرائيل، هل من المعقول أن يوافق هو على أن يحصل 40,000 من مستخدمي حماس، من ضمنهم هنية بنفسه، على رواتب في شهر يوليو بفضل حكومة إسرائيل في الوقت الذي يواصل فيه رجال الحركة إحتجاز جثتي الجنديين أورون شاؤول وهدار غولدين؟

ينبغي قول شيء واحد هنا: إذا دخلت بالفعل هذه الخطوة القطرية-الإسرائيلية حيز التنفيذ واستمرت في المستقبل فمن الممكن بكل تأكيد أن تمنع حربا قريبة في غزة. هناك فرق شاسع بين حماس قادرة على دفع رواتب كاملة لموظفيها وبين حركة تحاول في كل شهر صنع المستحيل لمنع الغليان والإحباط في غزة. وهذا الغليان موجود هناك وبشكل كبير حتى بعد اللفتة التركية “الدراماتيكية” وإدخال بعض الشاحنات مع مساعدات إنسانية.

موظفو حماس يجدون صعوبة في تغطية نفقاتهم والضغوط على الحركة لإتخاذ إجراءات لتغيير الواضع الراهن لم تتوقف للحظة.

إذا تم دفع رواتب هؤلاء المستخدمين، ستكون الضغوط على قيادة حماس (على الأقل بشكل مؤقت) عكسية: عدم المبادرة لتصعيد أو تغيير قد يؤدي إلى المس بدفع الرواتب. حتى القيادة العسكرية في حركة حماس، بقيادة يحيى سنوار ومحمد ضيف، ستجد صعوبة في تفسير الحاجة إلى التصعيد، خصوصا عندما يتم دفع الرواتب ويكون للناس ما يأكلونه على مائدة الطعام في منازلهم.

طلاب فلسطينيون مؤيدون لحركة حماس يشاركون في مسيرة إنتخابية للمجلس الطلابي في جاعمة بير زيت، بالقرب من مدينة رام الله في الضفة الغربية، 26 أبريل، 2016. (AFP/Abbas Momani)

طلاب فلسطينيون مؤيدون لحركة حماس يشاركون في مسيرة إنتخابية للمجلس الطلابي في جاعمة بير زيت، بالقرب من مدينة رام الله في الضفة الغربية، 26 أبريل، 2016. (AFP/Abbas Momani)

لهذا التطور في مسألة الرواتب يبنغي إضافة اعتبارين آخرين من شأنهما تأخير الحرب القادمة في غزة.

انتخابات المجالس المحلية، وبعدها الانتخابات العامة

الأول، الإنتخابات التي انطلقت لقيادة الحركة، لمجلس الشورى وللمكتب السياسي. نظريا على الأقل، قادة حماس بحاجة إلى هدوء معين عند إجراء إنتخابات كهذه.

(المشكلة في هذه القضية قد تحدث في عملية أخرى: أحد القادة العسكريين الذي قد يرغب بتقديم نفسه في الإنتخابات للقيادة السياسية – لنقل السنوار أو مروان أو عيسى – قد يميل للإعتقاد بأن التصعيد على الأرض مع إسرائيل سيخدم مصالحه ومصالح أصدقائه في الإنتخابات الداخلية في الحركة، ولكذلك سيحاول خلق تصعيد.)

الإعتبار الثاني، الأكثر أهمية، هو الإنتخابات البلدية. إذا لم يطرأ تغيير في أكتوبر القريب، للمرة الأولى منذ الإنقلاب في غزة في يونيو 2007، سيتم إجراء إنتخابات محلية في الضفة وغزة بمشاركة الفصيلين الخصمين – حماس وفتح. كل واحدة منهما ستشرف على منطقتها، حماس في القطاع وفتح في الضفة الغربية.

حماس، التي تحظى بشعبية كبيرة في الضفة وبتأييد كبير في غزة، قررت في خطوة مفاجئة المشاركة في الإنتخابات وتنازلت بذلك عن وضع كل ثقلها لضمان فوزها في البلديات والمجالس المحلية المختلفة. حرب ضد إسرائيل، لن تعمل على تعطيل العملية الإنتخابية فحسب، بل قد تنتهي بهزيمة عسكرية للحركة. من الصعب تخيل أن تقوم حماس بالرهان على ذلك في الوقت الراهن.

بحسب كل التكهنات وإستطلاعات الرأي في الجانب الفلسطيني، ستعكس الإنتخابات المحلية الإرتفاع في قوة حماس. بكلمات أخرى، هناك احتمال أكثر من معقول بأن تتعرض فتح لهزيمة. وهنا يُطرح السؤال ما الذي دفع السلطة الفلسطينية وفتح إلى الموافقة على هذه الخطوة.

“فتح والسلطة لم يقّدروا حماس بصورة صحيحة ولم يفهموا الأجواء في غزة”، كما قال خليل الشقاقي، الذي يرأس “المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية”.

في حديث مع تايمز أوف إسرائيل، قال الشقاقي، الذي يُعتبر واحدا من أهم منظمي إستطلاعات الرأي الفلسطينيين، بأن “التقدير الخاطئ كان أن حماس لن ترغب بالمشاركة في الإنتخابات المحلية. في السلطة وفتح اعتقدوا أن ذلك سيكون مثل عام 2012، أي أن حماس لن تشارك في الإنتخابات المحلية في الضفة ولن ترغب بإنتخابات في غزة.

خليل الشقاقي، مدير المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية في مكتبه في رام الله، 14 يونيو، 2011. (Yossi Zamir/Flash90)

خليل الشقاقي، مدير المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية في مكتبه في رام الله، 14 يونيو، 2011. (Yossi Zamir/Flash90)

“لم يكن هناك نقاش جدي حول ما الذي سيحدث إذا تصرفت حماس على عكس عادتها. وعندها جاء إعلان رئيس الحكومة رامي حمد الله ووزير الشؤون المحلية أن وقت الإنتخابات قد حان، وقالت السلطة بأنها معنية بذلك وعندها فأجأت حماس وأعلنت أنها مستعدة لإجراء إنتخابات في كل من الضفة الغربية والقطاع. أرادت حماس والفصائل الأخرى في غزة كسر العزلة السياسية التي يتواجدون فيها”.

ويتوقع الشقاقي ان تؤدي انتخابات المجالس المحلية الى ضغوطات في الانتخابات العامة.

“إذا تم بالفعل إجراء هذه الإنتخابات بنجاح، ستكون هناك ضغوط كبيرة على حماس وفتح لإجراء إنتخابات عامة، للبرلمان والرئاسة. هذا عنصر واحد. العنصر الثاني، وهو الأكثر أهمية، هو أن حماس ستفوز بشرعية متجددة كلاعب سياسي في الضفة الغربية. وهذا لم يحدث منذ يناير 2007. ستكون من جديد عنصرا سياسيا رسميا ومقبولا.

“وثالثا – ومرة أخرى، لهذا الشأن أهمية كبيرة أيضا، بمجرد إجراء إنتخابات في الضفة الغربية وغزة في الوضع الحالي، هناك عمليا شرعية لحكم حماس في غزة. هذه عواقب حتمية وهامة ودراماتيكية”.

الشقاقي الذي أظهر إستطلاع الرأي الأخير الذي أجراه أن ثلثي الفلسطينيين يريدون استقالة رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، ليس متفائلا بشأن فرص فتح في الإنتخابات المحلية.

“في قطاع غزة، ستعمل حماس بشكل منهجي وقوي. يدور الحديث عن 25 مجلس محلي هناك وبالنظر للإنقسام في فتح، من المتوقع أن تحقق حماس إنجازات كبيرة للغاية. ربما ليس فوزا ساحقا في كل المجالس المحلية ولكن بالتأكيد في معظمها.

رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس يترأس اجتماعا للجنة التنفيذية التابعة لمنظمة التحرير الفلسطينية في مكتبه في  مدينة رام الله بالضفة الغربية، 1 مارس، 2016. (Fadi Arouri/Pool/AFP)

رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس يترأس اجتماعا للجنة التنفيذية التابعة لمنظمة التحرير الفلسطينية في مكتبه في مدينة رام الله بالضفة الغربية، 1 مارس، 2016. (Fadi Arouri/Pool/AFP)

“في الضفة الغربية هناك أكثر من 500 مجلس محلي. هنا أيضا يوجد إنقسام في فتح. ولكن القصة هنا مختلفة قليلا. [نائب رئيس المكتب السياسي لحركة حماس] موسى أبو مرزوق أعلن عن أن حماس لن تشارك بشكل رسمي في الإنتخابات في الضفة الغربية”.

أي أنه لن يكون هناك مرشحين سيخوضون الإنتخابات تحت لواء الحركة.

“من هنا سيكون هناك الكثير من المرشحين المستقلين الذي سيحظوا بدعم حماس. بتقديري، ولا يوجد هناك إستطلاع رأي أجريته بهذا الشأن، ستنتصر حركة فتح في معظم المناطق القروية. في المدن الكبرى شمال الضفة، مثل طولكرم وجنين وقلقيلية، بإمكان الحركة الفوز. في نابلس وفي المدن التي تقع جنوبها، المرشحون المستقلون الذين سيحصلون على دعم حماس، سيكون لهم بالتأكيد فرصة أكبر في ضوء استياء السكان من السلطة.

“وعموما، سيكون لحماس والمرشحين المستقلين فرصة أكبر بحسب تقدير في الغنتصار على فتح في المدن الكبرى”.

ولماذا يجب أن يهم إجراء أو عدم إجراء إنتخابات محلية في الأراضي الفلسطينية الرأي العام في إسرائيل؟ الإجابة بسيطة للغاية. هذه الإنتخابات تشكل مؤشرا جيدا على ما سيحدث في الإنتخابات العامة بالطبع. قد تكون الحرب في غزة آخذة بالإبتعاد، ولكن قوة حماس يُتوقع لها الإرتفاع أكثر.