بعد الغارات الجوية المكثفة التي جرت يوم الخميس ضد أهداف إيرانية في سوريا، اعترف الجيش الإسرائيلي يوم الجمعة أنه في الأسابيع الأخيرة قاد حملة استخبارية وجوية مستمرة لمنع طهران من شن هجمات انتقامية للغارة على قاعدة تي-4 في وسط سوريا الشهر الماضي، والتي نُسبت على نطاق واسع إلى إسرائيل.

يُعرف الجهد الوقائي من قبل الجيش الإسرائيلي بشكل جماعي بإسم “عملية الشطرنج”.

وقد تعهدت إيران مرارا بالإنتقام بعد أن تم ضرب قاعدة تي-4 في غارة جوية في 9 أبريل، ما أسفر عن مقتل سبعة أعضاء على الأقل من قوات الحرس الثوري الإيراني، بما في ذلك ضابط كبير مسؤول عن برنامج الطائرات بدون طيار. (كما استخدمت إيران قاعدة تي-4 لشن هجوم طائرة بدون طيار تحمل متفجرات إلى داخل إسرائيل في فبراير، وفقا للجيش الإسرائيلي تم اسقاط الطائرة).

ووفقا لتقديرات الجيش الإسرائيلي، فقد كثفت إيران في الأسابيع الأخيرة جهودها من أجل جلب عدد من الذخائر المتطورة إلى سوريا، لا سيما أنظمة الدفاع الجوي، التي يمكن للحرس الثوري إطلاقها على الطائرات الحربية الإسرائيلية.

ويعتقد الجيش أن أحد الأنظمة الإيرانية المضادة للطائرات، الذي يبلغ مداها 110 كيلومترات، دُمر في الغارات الجوية يوم الخميس.

وقد اعتمد الجيش الإسرائيلي قرار مهاجمة الأنظمة المضادة للطائرات الإيرانية مع العلم بأن ضربها سيؤدي على الأرجح إلى وقوع خسائر إيرانية، الأمر الذي قد يزيد من رغبة طهران في الانتقام.

وقال المرصد السوري لحقوق الإنسان ومقره بريطانيا إن 23 مقاتلا على الأقل قتلوا في الغارات الإسرائيلية.

إن الجهود التي تبذلها طهران لجلب معداتها وتنفيذ هجماتها ضد إسرائيل مستمدة من فهم أن إيران تخسر بعض دعمها في سوريا، حيث يركز بشار الأسد على غزو آخر للمناطق التي يسيطر عليها المتمردون في بلاده. وتسعى جماعة حزب الله إلى التوقف عن كونها “دمية إيرانية”، وفقا لتقديرات الجيش الإسرائيلي.

صور نشرتها وسائل إعلام إيرانية تظهر كما يُزعم قاعدة تيفور الجوية في وسط سوريا بعد تعرضها لهجوم صاروخي الإثنين. (Iranian media)

منذ الهجوم على القاعدة تي-4، كانت إيران تبحث عن وسيلة للرد، وتحديدا عن طريق إطلاق صواريخ على مواقع عسكرية، وفقا لتقديرات الاستخبارات الإسرائيلية التي تسربت إلى الصحافة يوم الأحد. من خلال التركيز على الأهداف العسكرية، من المرجح أن إيران تريد تجنب مواجهة أكبر مما لو قتل مدنيون إسرائيليون.

نفذت إيران ثأرها – تماما تقريبا بالطريقة التي تنبأت بها المخابرات الإسرائيلية – بعد منتصف ليل الخميس، بإطلاق نحو 20 صاروخا على مواقع الجيش الإسرائيلي على طول حدود الجولان.

ووفقا للجيش، فقد تم إسقاط أربعة من هذه الصواريخ بواسطة نظام الدفاع الصاروخي للقبة الحديدية، بينما فشلت البقية في وصول الحدود.

مع ذلك، يعتقد الجيش أن الشعب الإيراني مقتنع بأن الهجوم كان نجاحا مدويا وأن الرقابة الإسرائيلية تمنع المنافذ الإخبارية من الإبلاغ عن الأضرار الواسعة. يمكن رؤية هذا المنطق في بعض المنافذ الإخبارية المؤيدة لإيران بالفارسية.

وزير الدفاع أفيغدور ليبرمان (مركز) يلتقي مع رئيس المجلس الإقليمي للجولان إيلي مالكا (يسار) ورئيس المجلس الإقليمي كاتزرين ديمتري أبارتزيف (على اليمين) خلال جولة في منطقة كاتزرين في مرتفعات الجولان في 11 مايو، 2018. (Ariel Hermoni/Defense Ministry)

قبل الهجوم، أوضح المسؤولون الإسرائيليون مرارا أنهم لن يسمحوا بأي ضربة انتقامية إيرانية وأنهم سيقاتلون لمنعها.

وقال وزير الدفاع أفيغدور ليبرمان مرة أخرى يوم الجمعة: “إذا حاول أحد تنفيذ هجوم ضد دولة إسرائيل وإطلاق صواريخ على دولة إسرائيل سنحاول دائما استباقه”.

ردا على الهجوم الصاروخي، على مدار أقل من ساعتين قبل الفجر، أسقطت المقاتلات الإسرائيلية عشرات القنابل على أكثر من 50 هدفا إيرانيا في جميع أنحاء سوريا، متجنبه عشرات الصواريخ في محاولة لعرقلة ترسيخ طهران في سوريا.

تلقت البعثة – وهي أكبر حملة جوية قامت بها إسرائيل في سوريا منذ أكثر من 40 عاما – تصنيفا خاصا بها: “عملية بيت الورق“.

في حين دعا البعض في القيادة السياسية العليا إلى شن هجوم أكثر عدوانية ضد المواقع الإيرانية في سوريا، في نهاية المطاف تبنى مجلس الوزراء الأمني توصيات الجيش من أجل تحديد الموقع وتنفيذ غارات محدودة، بهدف استهداف البنية التحتية الإيرانية بدلا من القوات.

ووفقا للتقديرات الإسرائيلية، هناك ما بين 1000-2000 جندي إيراني في سوريا، معظمهم يعملون بصفة استشارية للجماعات الشيعية المسلحة المحلية المدعومة من طهران.

على الرغم من أن الجيش كان مسؤولا عموما عن شن غارات جوية استباقية في سوريا كجزء من “عملية الشطرنج”، إلا أنه امتنع عن الاعتراف.

وطبقا للمرصد السوري لحقوق الإنسان، فقد أصيبت راجمة صواريخ إيرانية مساء الثلاثاء في غارة جوية في الكسوة، جنوب دمشق. وبحسب ما ورد قتل الهجوم تسعة مقاتلين موالين لإيران.

صورة نشرها الجيش الإسرائيلي في 11 مايو 2018 تظهر موقع عسكري إيراني مفترض في سوريا (IDF Spokesperson)

وفي وقت لاحق، قامت القوات الجوية الإسرائيلية بنسف أجزاء من الكسوة، وهي منطقة كانت تُعرف سابقا كقاعدة للقوات الإيرانية.

في 29 أبريل، هاجمت ضربات صاروخية مواقع النظام العسكرية خارج حلب وحماة، في شمال سوريا، ما أدى إلى مقتل ما لا يقل عن 26 مقاتلا، معظمهم من الإيرانيين.

وفي وقت لاحق، أخبر مسؤول مؤيد للنظام صحيفة “نيويورك تايمز” أن الغارات الجوية دمرت حوالي 200 صاروخ.

ويعتقد أن الأنظمة المضادة للطائرات التي أدخلتها إيران إلى سوريا تهدف إلى تهديد التفوق الجوي الإسرائيلي في المنطقة، مما يوفر غطاء للقوات الإيرانية في سوريا لتنفيذ هجمات ضد الدولة العبرية.

حتى الآن، تم الدفاع عن المواقف الإيرانية في سوريا في الغالب بواسطة بطاريات النظام السوري المضادة للطائرات.

بإستثناء طائرة مقاتلة إسرائيلية واحدة من طراز F-16 التي تم اسقاطها خلال أشهر سابقة، والتي ألقت القوات الجوية باللوم فيها على سوء التقدير من جانب الطيار، فإن الدفاعات الجوية السورية لم تكن فعالة إلى حد كبير لمنع الهجمات الإسرائيلية.

في ليلة الخميس، أفادت وكالة “فوكس نيوز” الإخبارية أن القوات الإيرانية في سوريا لم تطلب من الحكومة السورية، أو حتى إخطار القادة السوريين، قبل إطلاق صواريخها على إسرائيل.

“يبدو أن نظام بشار الأسد في سوريا يريد أن ينأى بنفسه عن النشاط العسكري الإيراني في الفناء الخلفي الخاص به”، حسبما أفاد ديفيد لي ميلر من فوكس نيوز من مرتفعات الجولان.

كما لا يبدو أن حزب الله حريصا بشكل خاص للإنضمام إلى الحرب المباشرة ضد إسرائيل، في الوقت الذي يتجدد فيه القتال الممتد في الحرب الأهلية السورية نيابة عن الأسد، وفي ضوء تورطه العميق في السياسة اللبنانية الداخلية، خاصة بعد الانتخابات البرلمانية في الأسبوع الماضي.

وبالرغم من ذلك، فإن المجموعة المسلحة والمدربة جيدا، والتي يعتقد أنها تمتلك ترسانة تضم أكثر من 100.000 صاروخ، تبقى رصيدا إيرانيا مهما، ويعتقد الجيش الإسرائيلي أن هناك فرصة بأن ينتشر القتال مع طهران في لبنان كذلك، قال ضابط كبير في الدفاع الجوي يوم الخميس.

يبدو أن روسيا تنأى بنفسها عن إيران أيضا.

وقالت مصادر لصحيفة “الشرق الأوسط” المملوكة للسعودية أن نائب وزير الخارجية الروسي سيرغي ريابكوف حذر نظيره الإيراني عباس العرقي في طهران يوم الأربعاء من القيام بهجوم ضد إسرائيل، لأن الأخيرة سترد على أي هجوم.

وصرح ضابط كبير في سلاح الجو الإسرائيلي لصحفيين بأن الغارات الجوية التي جرت يوم الخميس قد تم تنسيقها مع روسيا، قائلا: “لقد أخبرنا الروس أننا سنهاجم سوريا، لكننا لم نخبرهم أين نحن بالضبط، أو ما هي الأهداف”.

ومنذ وصول أعداد كبيرة من القوات الروسية الى سوريا عام 2015، لدى اسرائيل وموسكو “آلية” لضمان عدم اشتباك البلدين في البلد الذي تمزقه الحرب.

“الآلية عملت تماما وحافظنا على حرية عملنا”، قال ضابط سلاح الجو.