رفض الجيش الإسرائيلي الأحد مزاعم وزارة الدفاع الروسية بأن المسؤولية كاملة تقع عليه في إسقاط طائرة التجسس الروسية من قبل الدفاعات الجوية السورية خلال غارة إسرائيلية في الأسبوع الماضي، مكررا تأكيده على توجيه اللوم لسوريا.

في بيان له، أصر الجيش على روايته للأحداث بأن طائرة الاستطلاع الروسية أسقطت بسبب إطلاق عشوائي للنيران السورية المضادة للطائرات، وقال إنه سيواصل العمل لمنع التنظيمات المتطرفة من الحصول على أسلحة متطورة.

وقال الجيش الإسرائيلي الأحد إن “التفاصيل الكاملة والدقيقة والحقيقية معروفة لدى المختصين المنخرطين في المسألة في الجيش الروسي، ومن الواضح لهم أن آلية تفادي التصادم نجحت وفعلت ذلك في الوقت المناسب (كما فعلت خلال العامين والنصف الماضيين)”، في إشارة إلى الخط الساخن بين الجيشين الذي يهدف إلى منع مثل هذه الاشتباكات والإصابات غير المقصودة.

ليلة الإثنين الماضي نفذت طائرات مقاتلة إسرائيلية غارة جوية على منشأة أسلحة في مدينة اللاذقية الساحلية. في الهجوم المضاد ضد الطائرات الإسرائيلية تم اسقاط طائرة تجسس روسية مع أفراد طاقمها ال15 من قبل الدفاعات الجوية السورية.

في وقت سابق الأحد، نشرت وزارة الدفاع الروسية نتائج تحقيقها في سقوط إحدى طائرات التجسس الخاصة بها مع طاقمها الذي ضم 15 شخصا. وقالت موسكو مجددا أن إسرائيل هي المسؤول الوحيد عن الحادث، متهمة الجيش الإسرائيلي بعد إشعارها بالهجوم في الوقت المناسب، وزعمت أن الطيارين استخدموا طائرة الاستطلاع الروسية كغطاء خلال هجومهم.

صورة قبل وبعد لمستودع ذخيرة تم تدميره في غارة جوية إسرائيلية على قاعدة سورية في اللاذقية، 18 سبتمبر، 2018.
(ImageSat International (ISI/Ynet)

ورفض الجيش الإسرائيلي نتائج التحقيق الروسي بالكامل.

وقال الجيش إن “سلاح الجو الإسرائيلي لم يختبئ وراء أي طائرة، والطائرات الإسرائيلية كانت في المجال الجوي الإسرائيلي عندما ضرب السوريون الطائرة الروسية”.

واضاف الجيش الإسرائيلي أن “اسقاط الطائرة من قبل السوريين هو مأساوي وصعب ونحن نشارك العائلات والشعب الروسي في حزنهم”.

ومع ذلك، قال الجيش الإسرائيلي إنه سيواصل العمل ضد إيران ومنظمة “حزب الله” في سوريا وبأنه يأمل بأن تتواصل جهود التنسيق مع روسيا.

وقال الجيش “وفقا لتوجيهات القيادة السياسية، سيواصل جيش الدفاع الإسرائيلي العمل ضد جهود إيران التي لا تنتهي لترسيخ نفسها في سوريا ولتسليح مجموعة حزب الله الإرهابية مع أسلحة قاتلة ودقيقة”.

وأضاف الجيش الإسرائيلي إن “التنسيق بين جيش الدفاع الإسرائيلي والجيش الروسي أثبت نفسه في عدد من المناسبات على مدى السنين. ان استمرار التنسيق هو مصلحة مشتركة في ضوء التحديات الإقليمية المختلفة”.

وأضاف الجيش أنه يضع حياة القوات الروسية في سوريا على رأس سلم أولوياته وأنها “تمثل اعتبارا هاما في الحصول على الإذن على كل تحرك”.

في ما يبدو كانتقاد للجيش السوري، الذي قال الجيش الإسرائيلي إنه استخدم دفاعاته الجوية بشكل عشوائي ليلة الإثنين، أضاف الجيش الإسرائيلي إن “استخدام أسلحة متطورة من قبل كيانات غير مسؤولة يشكل خطرا كبيرا على المنطقة وقد يلحق ضررا شديدا بالقوات العاملة في المنطقة”.

في مؤتمر صحفي يوم الأحد، رفض المتحدث باسم وزارة الدفاع الروسية، الميجر جنرال إيغور كوناشينكوف، نتائج التحقيق الإسرائيلي في الحادثة وقال إن تصرفات الطيارين “إما أنها افتقرت للمهنية أو أنها كانت إهمالا جنائيا، على أقل تقدير”.

وحمّلت موسكو بداية إسرائيل مسؤولية إسقاط طائرة الاستطلاع التابعة لها يوم الإثنين الماضي، ولكن خلال محادثة هاتفية يوم الثلاثاء مع رئيس الوزراء بينيامين نتنياهو، بدا أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين تراجع عن هذا التقييم، وقال إن “سلسلة من الظروف العرضية المأساوية” هي التي تسببت بفقدان الطائرة وطاقمها – وليس إسرائيل.

خلال المؤتمر الصحفي لكوناشينكوف بدا وكأن روسيا ستعود إلى تقييمها الأولي في تحميل القدس مسؤولية إسقاط الطائرة.

وقال، بحسب ترجمة للمؤتمر الصحفي نشرتها قناة “روسيا اليوم” المدعومة من الكرملين باللغة الانجليزية “نعتقد أن اللوم في مأساة طائرة إليوشين يقع بالكامل على سلاح الجو الإسرائيلي وأولئك الذين اتخذوا القرار لتنفيذ هذه الأفعال”.

وقال الناطق باسم وزارة الدفاع ان نشاطات اسرائيل خالفت اتفاق تفادي التصادم الذي وُقّع في عام 2015 بين البلدين، والذي يهدف لتجنب اشتباكات كهذه، مضيفا أن سلاح الجو الإسرائيلي نادرا ما يُبلغ موسكو بخطط هجومه.

وقال كوناشينكوف “خلال الإطار الزمني الذي غطته هذه الاتفاقيات، تلقى مركز القيادة الإسرائيلي 310 تنبيها بشأن مهمات روسية بالقرب من الأراضي الإسرائيلية. خلال الوقت نفسه، أصدرت إسرائيل 25 تنبيها فقط ولم تفعل لك إلا قبل الهجمات بقليل”. ولم يتسن تأكيد هذه المعطيات من قبل إسرائيل بعد.

وأضاف أن هذا “رد جاحد تماما على كل ما قامت به روسيا الإتحادية من أجل إسرائيل والشعب الإسرائيلي مؤخرا”، في إشارة كما يبدو إلى الدور الذي لعبته موسكو في اتفاق وقف إطلاق النار في جنوب غرب سوريا والذي هدف إلى إبعاد القوات الإيرانية عن الحدود الإسرائيلية.

وجاء إعلان الحكومة الروسية بعد يومين من عودة وفد إسرائيلي من موسكو بعد أن عرض نسخة الجيش الإسرائيلي للأحداث على القيادة العليا للجيش الروسي.

وفد عسكري إسرائيلي يلتقي بمسؤولين روس في موسكو في 20 سبتمبر 2018. (الجيش الإسرائيلي)

بعد عودة الوفد يوم الجمعة، قال مسؤول إسرائيلي كبير إن موسكو قبلت كما يبدو بنتائج التحقيق الإسرائيلي.

وقال الضابط حينذاك، متحدثا شريطة عدم الكشف عن اسمه “انطباعنا هو أن النقاشات كانت مهنية وأنه تم قبول المعلومات”.

إلا أن إعلان وزارة الدفاع الروسية يوم الأحد يدل كما يبدو على أن موسكو اختارت في الواقع الوقوف إلى جانب حليفتها المقربة، سوريا، وهي خطوة يقول محللون إسرائيليون أنها قد تحد بشكل كبير من قدرة الجيش الإسرائيلي على القيام بعمليات ضد إيران ووكلائها في سوريا.

وقالت موسكو إن إسرائيل “ضللت” الجيش الروسي حول موقع الهجوم ولم تمنحه الوقت الكافي لنقل طائرة التجسس “إيل-20” إلى موقع آمن.

وقال كوناشينكوف إن “[ضابطا إسرائيل] قال إن اسرائيل سوف تهاجم خلال بضع دقائق منشآت صناعية في شمال سوريا. بعد دقيقة واحدة، في الساعة 21:40، اطلقت اربعة طائرات اف-16 اسرائيلية قنابل موجهة [من طراز] GBU-39، مستهدفة منشآت صناعية في اللاذقية”.

وقال “وبالتالي لم تبلغ إسرائيل القوات الروسية بعمليتها مسبقا، وإنما قام [الجيش الإسرائيلي] بتقديم التحذير بالتزامن، مع بداية الهجوم”.

ويتناقض هذا التصريح بشكل مباشر مع مزاعم ضابط إسرائيلي كبير، الذي قال للصحافيين يوم الجمعة “لقد أعطينا بكل تأكيد وقتا تحذيريا أطول من دقيقة واحدة؛ لقد تصرفنا تماشيا مع إجراءات العمل المعمول بها مع الجيش الروسي، هذه المرة كما فعلنا في السابق”.

واتهم كوناشينكوف إسرائيل بتزويد روسيا بمعلومات خاطئة حول موقع الهجوم.

وقال إن ““مدينة اللاذقية تقع في محافظة غربية في البلاد، وليس في شمال الجمهورية العربية السورية. إن المعلومات المضللة التي وفرها الضابط الإسرائيلي حول الهجوم الجوي لم تسمح لطائرة إيل-20 الروسية بالانتقال في الوقت المناسب الى منطقة آمنة”

في حين أن مدينة اللاذقية تقع في الساحل الغربي للبلاد، إلا أنها قريبة من الحدود الشمالية لسوريا مع تركيا.

يوم الخميس، قام وفد إسرائيلي بقيادة قائد سلاح الجو الميجر جنرال عميكام نوركين بزيارة إلى موسكو لإطلاع المسؤولين الروس على التحقيق الأولي الذي أجرته إسرائيل حول الحادث.

أثناء لقاءاتهم في موسكو، أخبر وفد نوركين نظراءهم الروس بأن الجيش السوري أطلق أكثر من 20 صاروخا مضادا للطائرات ردا على الهجوم الإسرائيلي – وهو عدد كبير نسبيا لسيناريو من هذا القبيل. بالإضافة إلى ذلك، قال الضابط العسكري الكبير إن غالبية صواريخ الأرض-جو التي أطلقها السوريون – بما في ذلك الصاروخ الذي أصاب طائرة التجسس الروسية – تم إطلاقها بعد أن غادرت الطائرات الإسرائيلية المنطقة.

قائد سلاح الجو الإسرائيلي اللواء عاميكام نوركين يلتقي بمسؤولين روس في موسكو، 20 سبتمبر 2018 (Israel Defense Forces)

ومع ذلك، لا يبدو أن أيا من هذه الحجج نجحت في اقناع الجيش الروسي في التراجع عن موقفه الأولي بأن إسرائيل هي المسؤولة عن اسقاط الطائرة.

وقال كوناشينكوف إن الطائرات الإسرائيلية بقيت قبالة السواحل السورية بعد الهجوم، في حين علقت طائرة “إيل-20” في الوسط، ما جعل منها هدفا أكبر بكثير للصواريخ السورية المضادة للطائرات.

وأعدت وزارة الدفاع الروسية عرضا ثلاثي الأبعاد للحادث، الذي أظهر كما زعمت تحركات كل الطائرات المشاركة.

وتقوم إسرائيل بتنفيذ عمليات ضد أهداف تابعة لإيران في سوريا بشكل روتيني. إذا رفضت موسكو التعاون مع القدس، قد تصبح هذه الجهود أكثر صعوبة وتعقيدا لسلاح الجو الإسرائيلي.

وزير الدفاع أفيغدور ليبرمان قال يوم الأحد خلال مقابلة أجرتها معه الإذاعة الإسرائيلية إنه على الرغم من الغضب الروسي بسبب الحادث، فإن إسرائيل ستواصل العمل في سوريا من أجل محاربة أنشطة إيران في هذا البلد.

وقال ليبرمان “نحن نتصرف بحكمة ومسؤولية. لم يتغير أي شيء ولن يتغير أي شيء. هذه هي سياستنا”.