بغالبية عظمى، مررت الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم الأربعاء مشروع قرار يدين إسرائيل لاستخدامها قوة “مفرطة وغير متناسبة وعشوائية” خلال المواجهات الأخيرة عند حدود غزة ودعت إلى “آلية حماية دولية” للمدنيين الفلسطينيين.

وشهدت الجلسة الدراماتيكية محاولة من قبل الولايات المتحدة لإضافة فقرة تدين حماس، التي تم رفضها لأسباب إجرائية على الرغم من دعم معظم الدول الأعضاء لها. بعد ذلك تم تمرير مشروع القانون، الذي قدمته الجزائر وتركيا، بغالبية 120 صوتا واعتراض 8 أصوات وامتناع 45 دولة عن التصويت.

الدول الثمانية التي صوتت ضد القرار كانت الولايات المتحدة وإسرائيل وأستراليا وجزر المارشال وميكرونيزيا وناراو وتوغو وجزر سليمان.

رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، في بيان أصدره قبل إجراء التصويت، أدان مشروع القرار المعنوّن بـ”حماية السكان المدنيين الفلسطينيين”.

وقال إن “تركيز الأمم المتحدة المستمر على إسرائيل لا يجلب العار على المنظمة فحسب، بل يلفت الانتباه أيضا عن قضايا ملحة أخرى تتطلب اهتمام المجتمع الدولي”.

السفيرة الأمريكية لدى الأمم المتحدة نيكي هايلي تتحدث مع نظيرها الإسرائيلي داني دنون قبيل عملية تصويت في الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، 13 يونيو، 2018. (AFP PHOTO / Don EMMERT)

سفيرة الولايات المتحدة إلى الأمم المتحدة، قالت إن مشروع القرار منحاز ضد إسرائيل، واقترحت تعديلا يضيف إدانة صريحة لمنظمة حماس وإطلاقها للصواريخ وتشجيعها للعنف على حدود غزة، وحفر الأنفاق للتسلل إلى داخل إسرائيل.

لكن الجزائر دعت إلى “اقتراح بعدم اتخاذ إجراء”، والذي كان من شأنه أن يمنع التصويت على التعديل. بحسب قواعد الجمعية العامة للأمم المتحدة، تم طرح الاقتراح للتصويت عليه من جميع الدول الأعضاء. بشكل مفاجئ، اعترضت 78 دولة على خطوة الجزائر مقابل تأييد 59 دولة لها.

وتم تمرير التعديلات التي اقرحتها هيلي بغالبية طفيفة، 62 صوتا مقابل اعتراض 58 وامتناع 42 دولة عن التصويت.

لكن رئيس الجمعية العامة ميروسلاف لايتشاك، من سلوفاكيا، قرر أن هناك حاجة إلى أغلبية الثلثين لإدخال التعديلات على مشروع القرار.

وطعنت هايلي في قراره، مما أدى إلى تعليق الجلسة لبضع دقائق.

السفيرة الأمريكية لدى الأمم المتحدة نيكي هايلي تتحدث أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة قبيل عملية تصويت في الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، 13 يونيو، 2018. (AFP PHOTO / Don EMMERT)

وعندما عاودت الجمعية العامة عقد جلستها، طرح لايتشاك التماس هايلي للتصويت عليه. 62 دولة صوتت لصالح التعديلات مقابل اعتراض 72 صوتا وامتناع 26 دولة عن التصويت، مما يعني طرح المسودة الأصلية للتصويت عليها من دون التعديلات الأمريكية.

وأدانت هايلي التصويت النهائي واصفة إياه ب”حكم مفلس أخلاقيا”.

لكنها قالت إن “الممارسة الشائعة في غض الطرف عن تحيز الأمم المتحدة المعادي للإسرائيلي آخذ بالتغير”.

وقالت هايلي: “اليوم، صوتت أكثر من 62 دولة لصالح الجهود التي قادتها الولايات المتحدة لمعالجة مسؤولية حماس عن الظروف الكارثية في غزة.  البلدان على الجانب الصحيح كانت أكثر من تلك التي على الجانب الخطأ. من خلال أصواتها، اعترفت هذه الدول بأن السلام يمكن تحقيقه فقط عند الاعتراف بالواقع، بما في ذلك مصالح إسرائيل الأمنية المشروعة، والحاجة إلى وضع حد لإرهاب حماس”.

وأشاد سفير إسرائيل لدى الأمم المتحدة، داني دنون،  بجهودها.

وغرد “على الرغم من استخدام مناورات إجرائية لمنعه، إلا أننا فخورون بأنه من خلال العمل مع الأمريكيين وأصدقائنا من حول العالم، صوتت أغلبية من البلدان في الأمم المتحدة للمرة الأولى لإدانة إرهابيي حماس”.

ولا يمكن استخدام حق النقض ضد مشاريع قرارات الجمعية العامة. على عكس قرارات مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، فإن قرارات الجمعية العامة غير ملزمة قانونيا للدول الأعضاء. في 1 يونيو، صوتت 10 دول لصالح نص مماثل تقريبا في مجلس الأمن، قدمته الكويت، لكنها فشلت بتمريره بسبب استخدام الولايات المتحدة لحق النقض.

ويتضمن القرار الذي تم تمريره إدانة عامة للإرهاب والتحريض و”يستنكر إطلاق الصواريخ من قطاع غزة ضد المناطق المدنية الإسرائيلية”، لكنه لا يشير إلى حركة حماس الحاكمة لقطاع غزة والمسؤولة عن كثير من العنف المنطلق من القطاع الساحلي والموجه لإسرائيل.

السفير الإسرائيلي لدى الأمم المتحدة داني دنون يلقي كلمة أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، 13 يونيو، 2018. (screen shot UN)

متحدثا قبل التصويت، ندد دانون بمشروع القرار واصفا إياه ب”المنحاز بشدة”، بحجة أنه يهاجم إسرائيل لكنه يفشل بذكر حماس حتى ولو لمرة واحدة.

وقال دنون إن كل من يدعم مشروع القرار “يتواطأ من مع منظمة إرهابية” ويعمل على “تمكين حماس”، وأضاف “أنتم ذخيرة أسلحة حماس. أنتم الرؤوس الحربية لصواريخها”.

وتابع قائلا: “إن جلسة اليوم هي حول الحق في الدفاع عن شعبنا. إنها محاولة المجتمع الدولي في أخذ حقنا الأساسي في الدفاع عن النفس منا. إن مشروع القرار المطروح أمامكم اليوم لا يحمي الفلسطينيين الأبرياء، ولا يحمي الإسرائيليين الأبرياء. وهو لا يدين، ولا حتى يذكر حماس، المنظمة الإرهابية المعترف بها دوليا والمسؤولة مباشرة عن العنف في منطقتنا”.

متحدثة أيضا قبل التصويت، انتقدت هايلي مشروع القرار معتبرة إياه “إحادي الجانب تماما”، وقالت إنه لا يفعل شيئا لدفع السلام أو تحسين حياة الفلسطينيين.

بدلا من ذلك، كما قالت: “يغذي [مشروع القرار] رواية لأهل غزة اليائسين بأن قادتهم غير مسؤولين عن محنتهم. إنه يثير الكراهية. إنه يضحي بالنزاهة والدقة والتوفيق والمصالحة لصالح الدفع بأجندة سياسية ضيقة”.

وأضافت هايلي: “لا يوجد هناك لاعبون مثاليون على طرفي الصراع. ولكن لا ينفع أحدا الإدعاء بأن جميع اللوم يقع على طرف واحد”.

ومع ذلك، فإن مشروع القرار يعتبر حماس “غير خاضعة للمساءلة على الإطلاق عن معظم الاضطرابات الأخيرة”  و”يحمّل إسرائيل كل اللوم”.

ولذلك، كما قالت، تعرض الولايات المتحدة تعديلا لتوفير “خطوة صغيرة في اتجاه التوازن”.

التعديل نص على إدانة حماس “لإطلاقها الصواريخ بشكل متكرر إلى داخل إسرائيل وللتحريض على العنف على طول السياج الحدودي، وبالتالي تعريض المدنيين للخطر”.

كما يطالب التعديل حماس ب”وقف جميع الأنشطة العنيفة والأفعال الاستفزازية، ويدين كذلك تحويل الموارد في غزة لبناء بنى تحتية عسكرية، بما في ذلك أنفاق للتسلل إلى داخل إسرائيل ومعدات لإطلاق صواريخ على مناطق مدنية”.

إن مثل هذه الموارد، كما جاء في التعديل الذي اقترحته هايلي، “كان من الممكن أن تعالج الاحتياجات الماسة للسكان المدنيين”، كما أعرب النص عن “القلق الشديد إزاء تدمير معبر كرم أبو سالم من قبل أطراف في غزة، والذي أعاق بشدة توصيل الغذاء والوقود لشعب غزة”.

وقالت هايلي في وقت سابق الأربعاء إن “هذا التعديل بسيط يعكس الحد الأدنى من حقيقة ما يجري في غزة”، وأضافت “هذا أقل ما يمكن لمنظمة دولية أو دولة تحترم نفسها أن تقوم به من أجل قضية السلام”.

في بيانه الصادر قبل عملية التصويت، أشاد نتنياهو بهايلي على خطابها، الذي اتهمت خلاله أيضا الأمم المتحدة بالانشغال غير المبرر بإسرائيل.

وقال: “تقّدر إسرائيل دعم إدارة ترامب الثابت لإسرائيل في الأمم المتحدة وبيان السفيرة هايلي القوي اليوم الذي كشف النفاق في انحياز الأمم المتحدة ضد إسرائيل”.

الفلسطينيون يسحبون كابلا مربوطا بسياج شائك في محاولة لإسقاط جزء من السياج مع إسرائيل، خلال مواجهات على الحدود شرقي خان يونس في جنوب قطاع غزة، 8 يونيو، 2018. (AFP Photo/Said Khatib)

منذ 30 مارس، شارك آلاف الفلسطينيين أسبوعيا في مظاهرات على السياج الحدودي شهدت في معظم الأحيان مواجهات عنيفة وهجمات مسلحة مباشرة على الجنود الإسرائيليين من الطرف الآخر من الحدود.

وقال مسؤولو حماس إن الغرض من هذه الاحتجاجات الحدودية هو اختراق السياج الحدودي ودخول الأراضي الإسرائيلي. في رد على الاحتجاجات، استخدم الجيش الإسرائيلي الغاز المسيل للدموع والذخيرة الحية ضد المحتجين. وقُتل أكثر من 120 فلسطينيا حتى هذا الأسبوع وأصيب آلاف آخرون بحسب وزارة الصحة التابعة لحركة حماس. واعترفت الفصائل الفلسطينية بأن العشرات من القتلى هم عناصر فيها.

خلال النقاش الذي سبق عملية التصويت، تحدث المبعوث الفلسطيني لدى الأمم المتحدة، رياض المنصور عن سقوط “129 مدنيا فلسطينيا، من بينهم 16 طفلا” ضحايا ل”الاعتداءات الفتاكة” الإسرائيلية على المتظاهرين السلميين.

وشهد الشهر الماضي أيضا تصعيدا حادا في العنف في محيط غزة، حيث قامت الفصائل الفلسطينية في القطاع بإطلاق نحو 200 قذيفة هاون وصاروخ باتجاه جنوب إسرائيل. ردا على الهجمات، قصفت الطائرات الإسرائيلية أكثر من 65 هدفا في القطاع الساحلي.

مشروع القرار يوم الأربعاء أعرب عن “القلق العميق من التصعيد في العنف والتوترات وتدهور الوضع في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بما في ذلك في القدس الشرقية” منذ 30 مارس. وأعرب النص أيضا عن “القلق العميق من الخسائر في أرواح المدنيين وعدد الضحايا الكبير في صفوف المدنيين الفلسطينيين، لا سيما في قطاع غزة، بما في ذلك الإصابات في صفوف الأطفال، التي تسببت بها القوات الإسرائيلية”.

نص مشروع القرار تضمن أيضا إدامة “لجميع أعمال العنف ضد المدنيين، بما في ذلك أعمال الإرهاب، وكذلك جميع أعمال الاستفزاز والتحريض والتدمير”.

في إشارة إلى ما تُسمى ب”مسيرة العودة”، أكد القرار من جديد على “الحق بالتجمع والاحتجاج السلمي، وحرية التعبير والتنظيم”.

واستنكرت الجمعية العامة “استخدام أي قوة مفرطة وغير متكافئة وعشوائية من قبل القوات الإسرائيلية ضد المدنيين الفلسطينيين في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بما في ذلك في القدس الشرقية، ولا سيما في قطاع غزة، بما في ذلك استخدام الذخيرة الحية ضد المتظاهرين المدنيين الفلسطينيين، بما في ذلك الأطفال، وكذلك الطواقم الطبية والصحافيين، وتعرب عن القلق العميق إزاء فقدان أرواح الأبرياء”.

فلسطينيون يركضون بالقرب من السياج الشائك مع إسرائيل خلال اشتباكات في أعقاب مظاهرة على طول الشريط الحدودي مع قطاع غزة شرق مدينة غزة في 8 يونيو / حزيران 2018. (AFP PHOTO / MAHMUD HAMS)

كما تستنكر الجمعية العامة في القرار A/ES-10/L.23 “أي أعمال من الممكن ان تؤدي إلى إثارة العنف وتعريض حياة المدنيين للخطر، وتدعو جميع الأطراف إلى ضمان بقاء الاحتجاجات سلمية”، وتدين إطلاق الصواريخ من غزة ضد المدنيين الإسرائيليين، لكن النص لا يشير إلى الطرف الذي يقف وراء هذه الهجمات.

ويدعو مشروع القرار الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيور غوتيريش إلى كتابة تقرير يتضمن اقتراحات حول “سبل ووسائل لضمان سلامة وحماية ورفاه المدنيين الفلسطينيين تحت الإحتلال الإسرائيلي”.

ساهم في هذا التقرير جوداه آري غروس.