إعلان روسيا يوم الإثنين عن نيتها تحديث الدفاعات الجوية السورية مع منظومة “اس-300″ القوية في غضون أسابيع هو آخر مثال على الحضيض الذي وصلت إليه العلاقات الإسرائيلية مع موسكو منذ إسقاط طائرة التجسس الروسية قبالة السواحل السورية في الأسبوع الماضي.

بالإضافة إلى تزويد سوريا بمنظومة اس-300، قال وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو أيضا الإثنين إن روسيا ستقوم بـ”تشويش الملاحة عبر الأقمار الاصطناعية ورادارات الطائرات وأنظمة اتصالات الطائرات الحربية التي تهاجم أهدافا في الأراضي السورية”.

ولكن التهديد الأكبر لا يكمن في العقبة التكتيكية المحددة التي تضعها هذه المنظومة أمام سلاح الجو الإسرائيلي، بل في أن ذلك قد يؤدي إلى انهيار العلاقات مع روسيا.

منذ ستينيات وسبعينات القرن الماضي لم تضطر إسرائيل إلى التعامل مع موسكو عدائية تعمل بشكل ناشط ضد المصالح الإسرائيلية. على الرغم من أن روسيا تقوم اليوم بتزويد الأسلحة للعديد من أعداء إسرائيل – بما في ذلك بطاريات اس-300 لعدوة إسرائيل اللدودة إيران – إلا أن الإدراك العام في إسرائيل هو أن المسألة ليست شخصية، وإنما مجرد أعمال.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (من اليسار) ورئيس الوزراء بينيامين نتنياهو يشاركان في حدث بمناسبة ’اليوم الدولي لإحياء ذكرى ضحايا المحرقة’ وذكرى رفح الحصار النازي بالكامل عن مدينة ليننغراد في ’المتحف اليهودي ومركز التسامح’ في موسكو، 29 يناير، 2018. (AFP Photo/Vasily Maximov)

قد تؤدي الأزمة الحالية إلى تغيير هذا الوضع، بالاعتماد على كيفية تعامل إسرائيل وروسيا والولايات المتحدة معها.

على الرغم من أن تصرفات روسيا هي الأكثر عدائية بشكل علني تجاه إسرائيل منذ نهاية الحرب الباردة، إلا أنها لا تزال قابلة للتغيير، على الأقل إلى حد ما.

لأكثر من خمس سنوات، كانت روسيا تهدد ببيع منظومة اس-300 المضادة للطائرات لسوريا، لكنها تراجعت في كل مرة بناء على طلب من الحكومة الإسرائيلية، وأحيانا الحكومة الأمريكية.

منظومة اس-300 بعيدة المدى – التي يبلغ نطاقها 250 كيلومترا (150 ميلا)، بحسب روسيا – هي أكثر تطورا من منظومة الدفاع الجوي “اس-200” التي تعتمد سوريا عليها حاليا.

حتى الآن، قالت موسكو بأنها ستقوم ببيع أربع بطاريات اس-300 لسوريا، ولكنها على استعداد لتزويدها بالمزيد اذا اقتضت الحاجة. بحسب وسائل إعلام روسية، سيتم نشر المنظومة في الساحل الغربي لسوريا وفي جنوب غرب البلاد، بالقرب من الحدود الإسرائيلية والأردنية، وهما المنطقتان اللتان من المرجح أن يقوم سلاح الجو الإسرائيلي بتنفيذ غاراته الجوية منهما.

ولم تحدد روسيا حتى الآن ما هو النموذج من اس-300 الذي تعتزم بيعه لسوريا، حيث أن هناك العديد منها، ولكل واحد منها مدى القدرات الخاص به. حتى طراز الرادار الأقل جودة سيكون قادرا على رصد تحليق للطائرات في محيط شمال إسرائيل، وقد يشمل ذلك الرحلات المدنية القادمة والمغادرة من مطار بن غوريون الدولي، وهذا يعتمد على المكان الذي ستُوضع فيه المنظومة في سوريا.

التهديد الذي تشكله منظومة “اس-300” والحرب الإلكترونية

بالنسبة لإسرائيل، ستشكل اس-300 عقبة كبيرة ولكن ليس شيئا لا يمكن التغلب عليه في سوريا، حيث تقوم بشكل روتيني بقصف منشآت تابعة لإيران ومنظمة “حزب الله” ومستودعات أسلحة.

في حين أن اس-300، التي يطلق عليها حلف شمال الأطلسي اسم SA-10،  هي منظومة أكثر قوة من المنظومة المضادة للطائرات بعيدة المدى التي تستخدمها سوريا حاليا،”اس-200″ أو SA-5، فلقد كان أمام سلاح الجو الإسرائيلي عشرات السنين للاستعداد لها.

يقوم عدد من حلفاء إسرائيل بتشغيل منظومة الدفاع الجوي هذه. بحسب تقارير تدرب سلاح الجو ضد بطاريات اس-300 كانت تابعة لقبرص مرة، لكنها أصبحت اليوم ملكا لليونان، خلال مناورات جوية مشتركة على مدى السنين.

في هذه الصورة من تاريخ 27 أغسطس، 2013، تظهر منظومة الدفاع الجوي الروسي “أنتي 2500″، أو “S-300 VM”، معروضة في افتتاح ’معرض ماكس الدولي للطيران’ في مطار جوكوفسكي، خارج العاصمة الروسية موسكو. (AP Photo/Ivan Sekretarev, file)

إسرائيل تتباهى أيضا بامتلاكها لأسطول طائرات “اف-35″، وهو النموذج الذي يكمن سبب وجوده في قدرته على التخفي. وقد استُخدمت هذه الطائرات من الجيل الخامس بشكل عملياتي، كما أعلن سلاح الجو الإسرائيلي في وقت سابق من هذا العام.

كما يشتهر سلاح الجو الإسرائيلي أيضا بقدراته في الحرب الإلكترونية. في الواقع، في حرب لبنان الأولى في عام 1982، استخدم سلاح الجو الإسرائيلي إشارات لتشويش الرادار ضد دفاعات جوية سورية زودها الإتحاد السوفييتي لدمشق، ونجح في تدمير 29 من أصل 30 بطارية سورية مضادة للطائرات.

بحسب تقارير استخدمت إسرائيل أيضا هذا النوع من التكنولوجيا في هجومها على المفاعل النووي السوري في دير الزور في عام 2007، وقامت بتشويش الدفاعات الجوية للجيش السوري خلال الغارة.

ولكن منظومة اس-300 الروسية لا تشكل تحديا عملياتيا فقط – بل تحديا جيوسياسيا أيضا.

على الرغم من أن وزير الدفاع الروسي شويغو قال في إعلانه إن طواقم سورية تدربت على تشغيل منظومة اس-300، لم يتضح بعد ما إذا كان موظفون عسكريون روس سيشرفون على تشغيل هذه البطاريات.

إذا كان الأمر كذلك، سيجعل ذلك من القرار الإسرائيلي في تدمير بطاريات اس-300 السورية أكثر تعقيدا، وسيتطلب استهدافا مباشرا ومتعمدا للقوات الروسية.

إن خطة روسيا في استخدام الحرب الإلكترونية ضد “المتهورين” الإسرائيليين – على حد تعبير شويغو – يشكل عقبة أخرى ونقطة للتفكير بالنسبة لسلاح الجو الإسرائيلي.

بحسب وسائل الإعلام الروسية، تشكل أنظمة الحرب الإلكترونية هذه “قبة إلكترونية لاسلكية” يصل نطاقها إلى مئات الكيلومترات في محيط غرب سوريا وساحل البحر الأبيض المتوسط، والتي لن تؤثر على الطائرات الإسرائيلية فحسب، بل على سفن البحريتين الأمريكية والفرنسية، بالإضافة إلى طائرات مدنية في المنطقة.

هنا أيضا، سيكون لدى الجيش الإسرائيلي على الأرجح عددا من الوسائل التكنولوجية والعملياتية للتغلب على هذا التحدي، لكن سيكون على القيادة العليا  وزن الفائدة من هذه الإجراءات مقابل قيمة الهدف.

في وقت سابق من العام، عندما هددت روسيا مرة أخرى بتسليح سوريا بمنظومة اس-300، قال مسؤلون إسرائيليون إن سلاح الجو الإسرائيلي مهيأ لاستهداف أي منظومة مضادة للطائرات تطلق النار على طائراته، بغض النظر عن الطرف الذي قام بتزويدها أو من يقوم بتشغيلها.

وقال وزير الدفاع أفيغدور ليبرمان حينذاك “يجب أن يكون هناك شيء واحد واضح: إذا اطلق احدهم النار على طائراتنا، سندمره. لا يهم إذا كان ذلك اس-300 أو اس-700”.

في حين أن سلاح الجو الإسرائيلي قد يكون قادرا على الالتفاف حول التشويش الروسي لأجهزة الرادار وسيكون من حقه تدمير بطارية اس-300 التي تزودها روسيا في حال إطلاقها للنار على طائراته، فإن في مثل هذه الأعمال مخاطرة في تنفير روسيا أكثر ودفع البلدين إلى حافة إنهيار العلاقات الدبلوماسية بينهما.