التقرير في صحيفة “الأخبار” اللبنانية يوم السبت كان أقل دراماتيكية مما بدا عليه. “حماس نجهز لـ’صفقة أسرى’: مرحلتان… وتشمل البرغوثي والسعدات؟” (علامة السؤال كانت ضمن العنوان).

التقرير لم يحظ باهتمام كبير. مجرد تقرير آخر على الصفحة الرئيسية لموقع مقرب من منظمة حزب الله. كما أن موثوقية المحتوى أعطت كما يبدو للموقع سببا وجيها في عدم إبراز الخبر.

مع ذلك، وكما هو الحال دائما، كل قصاصة أنباء في وسائل الإعلام العربية عن الجنديين القتيلين والمواطنين الإسرائيليين الذين تحتجزهم حركة حماس تحظى على الفور بعناوين رئيسية في إسرائيل.

هذا على الرغم من أن جميع الأطراف المشاركة في النقاشات والإتصالات بين إسرائيل وحماس وافقت على شيء واحد: لا يوجد هناك اتفاق في الأفق.

ما الذي دفع إذا عددا كبيرا من الساسة الإسرائيليين إلى الخروج بتصريحات وإنتقادات و/أو تهاني متسرعة؟ ليس كثيرا.

تم نشر التقرير في صحيفة لبنانية تربطها علاقات بمنظمة حزب الله من قبل مراسل يقيم في بيروت ويُعتقد أنه مقرب من قيادة حماس في لبنان – وهي ليست قيادة صنع القرار في حماس التي تقيم في غزة وتحتجز في الواقع رفات الجنديين الإسرائيليين وثلاثة مواطنين إسرائيليين على قيد الحياة.

فلسطينيون يحملون أعلام تحمب صورة الأسير الفلسطيني مروان البرغوثي خلال تظاهرة في مدينة رام الله في الضفة الغربية دعما للأسرى المضربين عن الطعام، 24 أبريل، 2017. (AFP Photo/Abbas Momani)

فلسطينيون يحملون أعلام تحمب صورة الأسير الفلسطيني مروان البرغوثي خلال تظاهرة في مدينة رام الله في الضفة الغربية دعما للأسرى المضربين عن الطعام، 24 أبريل، 2017. (AFP Photo/Abbas Momani)

وما الذي قاله التقرير؟ “تؤكد مصادر في حركة ’حماس’، تحدثت إلى ’الأخبار’، أن الحركة أصبحت ’قاب قوسين أو أدنى’ من إتمام ’صفقة معلومات’ مع العدو الإسرائيلي، تقضي بالإفراج عن أسرى معتقلين في سجون الاحتلال، إضافة إلى أسرى محررين كان قد أُعيد اعتقالهم عقب إطلاق سراحهم”.

الحديث يدور في الجزء الأخير عن 58 أسيرا تم إطلاق سراحهم في إطار صفقة شاليط في عام 2011 وأعيد اعتقالهم في يوينو 2014 بعد ان تم اختطاف ثلاثة فتية إسرائيليين وقتلهم من قبل خلية تابعة لحماس في الضفة الغربية.

التقرير أشار إلى أن الصفقة الحالية ستكون مشابهة لتلك التي تم اتمامها في عام 2009 عندما قامت إسرائيل بالافراج عن 20 أسيرة فلسطينية مقابل مقطع فيديو يثبت أن غلعاد شاليط على قيد الحياة وبصحة جيدة.

التقرير لم يتوقف عند هذا الحد. وفقا لصحيفة “الأخبار”، فإن “صفقة الفيديو” تشمل مطلبا من حماس بإطلاق سراح نساء وقاصرين ونواب برلمان في السجون الإسرائيلية – جميعهم مقابل الحصول على معلومات عن مصير الجنديين الإسرائيليين اللذين خلصت إسرائيل إلى أنها قُتلا في أرض المعركة.

المرحلة الثانية من الاتفاق، بحسب الصحيفة اللبنانية، هي التي ستكون “الأكثر اشكالية” وتشمل تحويل المواطنين الإسرائيليين الأحياء إلى إسرائيل مقابل أسرى “مهمين” أمثال قيادي فتح مروان البرغوثي والأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، محمد سعدات. أخيرا، وفقا للتقرير، في حوزة حماس أسير إسرائيلي غامض ذات قيمة عاليه يمكّن الحركة من “تبييض سجون الاحتلال” الإسرائيلية من كل الأسرى الأمنيين.

الجنديان الإسرائيليان أورون شاؤول (من اليسار) وهدار غولدين (من اليمين). (Flash90)

الجنديان الإسرائيليان أورون شاؤول (من اليسار) وهدار غولدين (من اليمين). (Flash90)

تبدو هذه التفاصيل مثل رغبات قلبية لقادة حماس، أو ربما بالون تجارب يهدف إلى التأثير على الرأي العام الإسرائيلي والفلسطيني في الوقت الذي يجد فيه قادة حماس في غزة أنفسهم أمام ضائقة شديدة آخذة بالازدياد.

نظرة فاحصة للمزاعم الواردة في تقرير “الأخبار” تشير إلى أنه من غير المرجح أن تقوم إسرائيل بالتوقيع على اتفاق كهذا.

على عكس عام 2009، تدرك إسرائيل تماما وضع الإسرائيليين الثلاثة الذين دخلوا غزة، ووضع الجنديين اللذين قُتلا هناك. لم تعد هناك معلومات ذات أهمية تستحق بموافقة الإسرائيليين على “صفقة فيديو” على نموذج صفقة شاليط.

إن الإسرائيليين الثلاثة المحتجزين في غزة يعانون من أمراض نفسية، هم ليسوا بجنود قامت حكومة إسرائيل بإرسالهم.

في الواقع، حتى تقرير “الأخبار” بنفسه يشير بشكل عابر إلى أن إسرائيل لم توافق بعد على قائمة المطالب الطويلة. الصحيفة تشير إلى أن إسرائيل وافقت في الماضي على إطلاق سراح الأسرى الذين أعادت اعتقالهم بعد الإفراج عنهم في إطار صفقة شاليط (باستثناء أولئك الذين حاولوا تنفيذ جرائم جديدة، فالرقم إذا هو 53 من أصل 58)، ولكن فقط في إطار اتفاق شامل، وليس كشرط مسبق للمحادثات.

من المهم الإقرار بأن هناك اتصالات عادية غير مباشرة جارية بين إسرائيل وحماس حول صفقة أسرى. في بعض الأحيان، تحقق هذه المحادثات خطوة صغيرة إلى الأمام. المخابرات المصرية مشاركة في هذه المفاوضات، وكذلك أطراف دولية أخرى. حتى الأوروبيين حاولوا التوسط بين الجانبين.

ولكن في كل جولة، تتعثر المفاوضات بسبب مناورات حماس الإفتتاحية، شرطها المسبق: تطالب حماس بإطلاق سراح الأسرى الـ -58 الذين تم إعتقالهم حتى قبل بدء أي مفاوضات. ولا يبدو أن هناك في الطرف الأسرائيلي من هو على استعداد لتقديم تنازل كبير كهذا مقابل لا شيء.

لذلك، في الوقت الذي يمكن فيه إحراز تقدم حول الأطراف، كما قال مسؤول في حماس لتايمز أوف إسرائيل السبت، “لم نتزحزح سنتيتمرا واحدا عن موقفنا، وفي إسرائيل لا يبدو أن هناك أي ضغط لاستكمال الصفقة”.

لماذا إذا يقوم مسؤول في حماس في لبنان بتسريب تقرير كهذا لوسيلة اعلام عربية؟ أحد الدوافع الواضحة هو تعزيز موقف حماس غير المستقر ومعنويات الفلسطينيين المتعثرة في خضم الأزمة في غزة، وربما حتى إيقاظ الرأي العام الإسرائيلي أملا بأن يقوم بممارسة الضغط على الحكومة الإسرائيلية للتوصل الى اتفاق.

المحنة المتزايدة في غزة – إمدادات الكهرباء وصلت إلى أدنى مستوياتها السبت، مع 93 ميغاوات فقط من الـ -450 التي يحتاجها 1.8 مليون نسمة في غزة – ألحقت ضررا كبيرا بمكانة حماس. فهي تظهر بعبارات لا لبس فيها مشاكل الميزانية ,الضغط الهائل الذي تتعرض له الحركة من الدول العربية السنية مثل مصر والإمارات للتخلي عن قطر، ممولها الرئيسي – مع الضغط المضاد من قبل قطر لدعمها. يوم الجمعة فقط، قام المبعوث القطري محمد العمادي بزيارة القطاع.

كل هذه العوامل تضع الحركة في وضع صعب للغاية، وهو نوع من الأزمات التي يمكن تخفيفها قليلا من خلال تقارير – حتى ولو كانت تقارير غير قابلة للتصديق – عن صفقة في الأفق.