إلقاء نظرة على الصحافة العربية في الأيام الأخيرة تعطي الإنطباع بأن نظام بشار الأسد على وشك الإنهيار.

ولكن قبل بدء الإحتفالات بنهايته يجب التذكير بأن نظام الأسد كان في هذه الوضعية في الماضي.

سوريا التي كنا نعرفها في السابق آخذة في الإنهيار رويدا رويدا منذ 4 سنوات وشهرين بالتحديد. يكفي أن نذكر يوليو 2012، في الأيام التي تلت الإنفجار الذي وقع في هيئة الأركان العامة السورية في دمشق والذي قُتل خلاله عدد من كبار المسؤولين في النظام. تكهنات عدة لمحللين في ذلك الوقت (من بينهم كاتب هذه السطور) تحدثت عن أيام، أسابيع وأشهر كحد أقصى لسقوط الأسد.

منذ ذلك الوقت مضت ثلاث سنوات، وما زال الرئيس السوري صامدا ومتمسكا بما تبقى من حكمه: شريط ضيق وصغير بين دمشق واللاذقية.

في الأيام الأخيرة، تحدثت وسائل الإعلام العربية والغربية عن الإنجازات الأخيرة لتنظيم “الدولة الإسلامية” في سوريا والعراق. نجح التنظيم في إحتلال مدينة تدمر التاريخية التي تقع على تقاطع طرق هام، وفي العراق نجح في السيطرة على الرمادي. المرصد السوري لحقوق الإنسان، الذي يتخذ من لندن مقرا له، يقول أن “الدولة الإسلامية” مسيطر على حوالي 50% من مساحة سوريا.

المشكلة تكمن في أنه من الصعب تحديد سيطرته بشكل دقيق. يسيطر تنظيم “الدولة الإسلامية” تقريبا على كل المنطقة الحدودية بين سوريا والعراق وفي مدن مختلفة في شمال وشرق سوريا، ولكنه غير منتشر على المنطقة التي تقع بينهما بالكامل، وبالتالي فهذا الإدعاء غير دقيق، ولكن هذا لا يعني أنه غير صحيح.

فببساطة لا يحاول أي فصيل من الفصائل المتحاربة إحتلال المناطق الصحراوية بين المدن المختلفة في هذه المنطقة من سوريا.

إحتلال الرمادي وتدمر لا يمكن إعتباره “نقطة تحول” أيضا، أو خط لم يتم إجتيازه من قبل. وكذلك الأنباء الأخيرة من الأمس التي تحدثت عن سيطرة “الدولة الإسلامية” على مناطق عند الحدود مع تركيا.

فالتظيم الإسلامي عرف الكثير من النجاحات التي تلاها خسارات في معارك على مدن مختلفة في سوريا والعراق. مدينة باجي في العراق على سبيل المثال، التي عرفت الكثير من التغييرات في القوى المسيطرة عليها،

كذلك الأمر بالنسبة لحمص في سوريا. وربما تجدر الإشارة أيضا إلى أنه في الماضي ساد الإعتقاد بأنه إذا وقعت حلب بين أيدي المتمردين فسيسقط النظام. سقطت حلب بين أيدي المتمردين ولكن النظام لم يسقط.

مقاتلو جبهة النصرة في شوارع مدينة حلب السورية، 26 مايو 2015 (FADI AL-HALABI / AMC / AFP)

مقاتلو جبهة النصرة في شوارع مدينة حلب السورية، 26 مايو 2015 (FADI AL-HALABI / AMC / AFP)

بشكل مثير للإهتمام فإن أهم تقدم للمتمردين في سوريا في الأسابيع الأخيرة لم يحظى بالتغطية الإعلامية التي يستحقها، ويعود ذلك في جزء منه إلى أن الحديث لا يدور عن “الدولة الإسلامية”.

حيث نجحت مجوعة من قوات المعارضة، ومن بينهم “جبهة النصرة”، بالسيطرة على أجزاء كبيرة من محافظة إدلب وبالتالي نجحوا في خلق معقل يشكل تهديدا على منطقة اللاذقية الهامة للنظام العلوي.

كيف نجح نظام بشار رغم كل ذلك بالصمود بعض كل هذه الهزائم؟ هنالك عدة تفسيرات. أولا، من حيث القدرة على السيطرة والحكم، وصل تنظيم “الدولة الإسلامية” إلى الحد الأقصى من قدرته.

فالتنظيم يجد صعوبة في الإنتشار والتقدم في مناطق هامة ولذلك يتقدم في مناطق بأغلبية سنية واضحة في العراق وفي سوريا من دون التهديد على النظام المركزي.

ليس في الوقت الراهن على الأقل. لا يوجد هناك تقدم عسكري مكثف لتنظيم “الدولة الإسلامية” بإتجاه بغداد أو دمشق. لماذا؟

مرة أخرى، لأنه من ناحية عسكرية يدرك التنظيم أنه غير مستعد في الوقت الحالي. من الأسهل بالنسبة له التركيز على هدف مثل تدمر يمنحه تغطية إعلامية واسعة ولكن مع عدد قليل من الخسائر.

ثانيا، وربما كان هذا هو السبب الرئيسي – تقوم إيران وحلفائها بكل ما هو ممكن لمنع سقط الأسد. فصمود النظام السوري يُعتبر بالنسبة لهم ذخرا إستراتيجيا تماما كما هو بالنسبة للأسد. وعلى الرغم من الأنباء في الإعلام المؤيد للسعودية في الأيام الأخيرة، لا توجد حتى الآن مؤشرات واضحة على أن روسيا تدير ظهرها للأسد. فالبنسبة لها أيضا يُعتبر الرئيس السوري ذخرا إقليميا هاما.

سكان في مدينة الرمادي، الذين فروا من منازلهم في 16مايو، 2015 مع تضييق مقاتلي تنظيم ’الدولة الإسلامية’ الحصار على آخر معاقل الحكومة في عاصمة محافظة الأنبار، في انتظار عبور جسر بزيبز على الحدود الجنوبية الغربية لبغداد مع محافظة الأنبار. جهاديو ’الدولة الإسلامية’ سيطروا على كل الطرق التي تربط المحافظة بالعاصمة العراقية. (AFP/ SABAH ARAR)

سكان في مدينة الرمادي، الذين فروا من منازلهم في 16مايو، 2015 مع تضييق مقاتلي تنظيم ’الدولة الإسلامية’ الحصار على آخر معاقل الحكومة في عاصمة محافظة الأنبار، في انتظار عبور جسر بزيبز على الحدود الجنوبية الغربية لبغداد مع محافظة الأنبار. جهاديو ’الدولة الإسلامية’ سيطروا على كل الطرق التي تربط المحافظة بالعاصمة العراقية. (AFP/ SABAH ARAR)

إلى أين تسير الأمور إذا؟ ليس واضحا، كما يبدو إلى المزيد مما رأيناه حتى الآن. المزيد من سفك الدماء وعمليات الإعدام ومعارك مع عدد لا يُحصى من الضحايا.

ستواصل سوريا انهيارها البطيء، مثل جارتها من الجنوب، العراق. هل سيستمر ذلك لعامين أو عشرين عام، وربما شهرين، من الصعب معرفة ذلك. وحتى بعد سقوط الأسد سيستمر شلال الدم.

في الوقت الراهن من الواضع أن للقوتين الإقليميتين في الشرق الأوسط، إيران والسعودية، وللقوى العظمى، الولايات المتحدة وروسيا، لا توجد مصلحة في رؤية إنهيار دول المنطقة الواحدة تلو الأخرى.

لكن هذا السيناريو الكئيب يحدث سواء رغبوا بذلك أم لا.