هناك تصعيد مفاجئ في “موجة” الهجمات الفلسطينية. مر عام تقريبا على إنطلاق “إنتفاضة الذئب الوحيد” والشعور في الرأي العام الإسرائيلي – على الرغم من أنه أقل في صفوف المسؤولين في المؤسسة الأمنية – كان أنها في حكم المنتهية. ولكن عندها، يوما الجمعة السبت، بدأت موجة من الهجمات، بصورة غير محتملة، مع مواطن أردني قرر محاولة تنفيذ هجوم في البلدة القديمة في القدس.

تبع ذلك سلسلة من الهجمات في موقع معروف – الخليل. مرة أخرى، شهدنا فكرة أساسية ظهرت كثيرا في سياق هجمات الذئب الوحيد: العدوى. كإنتشار الفيروس بين الأصدقاء وأفراد العائلة، منفذ هجوم يلهم أصدقائه وأقاربه لتنفيذ هجوم. هم حتى ليسوا بحاجة إلى “فيسبوك” أو مواقع تواصل إجتماعي أخرى. عادة، رابط الدم هو الذي يدفع منفذي الهجمات للخروج و”الإنتقام” على مقتل أحد أقارب العائلة خلال محاولته تنفيذ هجوم.

هذه الظاهرة تراجعت في الأشهر الأخيرة ولكنها لم تختفي تماما. ما أضعفها هو إستخدام قوى الأمن الإسرائيلية والفلسطينية لأدوات أفضل في التعامل معها. الجيش الإسرائيلي وجهاز الأمن العام (الشاباك)، وكذلك الأمن الفلسطيني، قاموا بإعتقالات شبه أسبوعية لشبان وشابات خططوا لتنفيذ هجمات من هذا النوع. إن الحافز لتنفيذ هجمات ليس نفسه الذي كان قبل عام، على ضوء فشل الهجمات السابقة في إحداث أي تغيير حقيقي في الوضع الدبلوماسي. ولكنه لا يزال موجودا. ويمكن الإفتراض بأنه لن يختفي تماما في الفترة التي تُسمى ب”الوضع الراهن”.

التصعيد في أعمال العنف في نهاية الأسبوع تغذى في الأساس على ظاهرة العدوى. لا يوجد هناك ارتفاع ملحوظ في التحريض أو في مستوى العداء بين إسرائيل والفلسطينيين، وكذلك لا يوجد أي تدهور دراماتيكي في العلاقات بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل. على العكس من ذلك، على مدى الأسابيع القليلة الماضية، نحن نشهد نوع من “شهر العسل” الإقتصادي-الأمني في العلاقات بين الطرفين.

في وقت لاحق هذا الشهر، على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، ستطرح إسرائيل سلسلة من الخطوات الإقتصادية التي تعتزم إتخاذها بهدف تحسين الوضع الإقتصادي للسلطة الفلسطينية – في الأساس برنامح “الجزر والعصي” الذي طرحه وزير الدفاع أفيغدور ليبرمان، مع التشديد على “الجزر” أكثر من “العصي”.

يشمل ذلك إتفاقا بين أعضاء من الحكومتين الإسرائيلية والفلسطينية لبناء خط أنابيب غاز إلى غزة. ممثلون عن السلطة الفلسطينية وإسرائيل سيطلبون بشكل مشترك من الدول المانحة تمويل المشروع الإستثنائي، الذي قد يساهم في التخفيف من حدة أزمة الكهرباء في قطاع غزة، إذا لم يقم بحلها تماما.

إن إتفاق الغاز هو واحد من بين قائمة طويلة من الإتفاقيات والتفاهمات التي تم التوصل إليها بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية في الأسابيع القليلة الماضية. إتفاق آخر هو إعادة جدولة الدين الهائل الذي تدين به شركات الكهرباء الفلسطينية لشركة الكهرباء الإسرائيلية. هذا الإتفاق ليس بأقل من تحويل السلطة من إسرائيل إلى السلطة الفلسطينية. المال الذي تم جمعه حتى الآن على يد شركة الكهرباء الإسرائيلية مباشرة من شركات كهرباء فلسطينة مختلفة، سيتم جمعه من الآن فصاعدا من قبل سلطة الطاقة التابعة للسلطة الفلسطينية.

إتفاق آخر تم التوقيع عليه حول توزيع البريد؛ هناك إتفاق أيضا على وضع شبكة للجيل الثالث من الهواتف الخلوية، وسلسلة أخرى من المشاريع الإقتصادية التي تمت المصادقة عليها من قبل الحكومة الإسرائيلية ضمن خطة ليبرمان.

في غضون ذلك، تتم المحافظة على التنسيق الأمني الإسرائيلي-الفلسطيني طوال الوقت. هذا الأسبوع، دخلت جنديتان عن طريق الخطأ بمركبتهما إلى قلب مدينة طولكرم في الضفة الغربية. الحادثة إنتهت بسلام، حيث تم إنقاذ الجنديتين من حشد غاضب على يد شرطيين تابعين للسلطة الفلسطينية وتسليمهما إلى الإدارة المدنية اللإسرائيلية من دون تعرضهما لأي أذى. في حين أنه لا يمكن منع جميع الهجمات، كالهجمات الخمس الأخيرة المنفصلة (حتى كتابة هذه السطور) منذ صباح يوم الجمعة، فإن آليات الأمن الفلسطينية تواصل إحباط هجمات والقيام بإعتقال مشتبه بهم، وهناك تحويل متبادل ومستمر للمعلومات الإستخباراتية.

مع ذلك، كنا شاهدين في اليومين الماضيين على كيف يمكن قطع سلسلة من التطورات الإيجابية في أي لحظة من قبل هجوم فلسطيني. وسيكون هناك على الأرجح المزيد من التصعيد في التوتر قبيل الأعياد اليهودية في الشهر المقبل. الأجواء أبعد ما تكون عن الهدوء، على الرغم من هذه الإتفاقيات الإقتصادية. إلى جانب هجمات “الذئاب الوحيدة”، تحاول حركة “حماس” بكل الوسائل الممكنة تنفيذ هجمات في الضفة الغربية من أجل زعزعة الإستقرار هناك.

علاوة على ذلك، من المحتمل أن يتم صب زيت يهودي على النار من خلال سعي سياسيين من اليمين لإستغلال فترة الأعياد من خلال زيارات دعائية إلى الحرم القدسي. وفي الأشهر التي تلي الأعياد، ستواجه أسرائيل حقول ألغام، على شكل إخلاء مستوطنين في الضفة الغربية.

إخلاء بؤرة عامونا الإستيطانبة يجب أن يتم قبل نهاية عام 2016، وقد يرافقه محاولات من متطرفين يهود للمس بالفلسطينيين. في فبراير 2017، من المتوقع أن يتم إخلاء تسعة منازل من عوفرا، وبحلول أبريل 2018 يواجه حي “نتيف هأفوت” في مستوطنة إلعازار أمرا بالإخلاء. أقل ما يمكن قوله هو أن عمليات الإخلاء هذه ستخلق أجواء من عدم الإستقرار.

التضارب داخل الحكومة

سؤال آخر يحتاج إلى الدراسة هو ما إذا كان الإخلاء المستقبلي لهذه المنازل اليهودية غير القانونية قد يؤثر الآن على سياسة الحكومة ويمنعها من إتخاذ خطوات تصالحية إضافية تجاه السلطة الفلسطينية، في الأخص فيما يتعلق بتغييرات مخططة في المنطقة (C) في الضفة الغربية، الـ -60% من الأراضي التي تخضع للسيادة الأمنية والمدنية الإسرائيلية.

مؤخرا فقط تمت المصادقة على مستشفى في بيت ساحور، وكذلك على بناء ملاعب كرة قدم وتوسيع طريق الوصول من معبر “ألنبي” إلى أريحا (بتمويل من اليابانيين).

لكن بعض الوزاء ومسؤولين آخرين يقولون إن حزب “البيت اليهودي” وومثليه في الحكومة، الوزيرين أييليت شاكيد ونفتالي بينيت، يمنعان ويؤخران مشاريع فلسطينية مقررة للمنطقة (C). يقول هؤلاء الوزراء والمسؤولين بأن بينيت وشاكيد مذعوران من احتمال قيام الفلسطينيين بالبناء في المنطقة (C) في الوقت نفسه الذي تعتزم إسرائيل فيه إخلال منازل يهودية (على الرغم من أنها غير قانونية) هناك.

كما يُزعم أنه تم خنق بعض المشاريع على يد الثنائي بينيت-شاكيد. من بين هذه المشاريع منشأة لمعالجة مياه الصرف الصحي تهدف إلى معالجة مشكلة الصرف الصحي في القدس الشرقية (في منطقة قدرون)، وتوسيع المنطقة الصناعية ترقوميا، وإعطاء تراخيص بأثر رجعي لمنازل فلسطينية تم بناؤها في المنطقة (C) من دون الحصول على تصاريح. تم عرض هذه المشاريع على الحكومة في أعقاب عمل مكثف قام به منسق أنشطة الحكومة في الأراضي العميد يوآف مردخاي وموظفيه.

رفض بينيت وشاكيد التعليق على هذه المزاعم.

يبدو أن ممثلي منسق أنشطة الحكومة في الأراضي تحولوا مؤخرا إلى أعداء الشعب رقم 1 بالنسبة لأعضاء الكنيست من (البيت اليهودي) الذين لا تهمهم المقاعد في الحكومة، من بين هؤلاء وزير الزراعة أوري أريئيل وعضوا الكنيست موتي يوغيف وبتسلئيل سموتريتش. هؤلاء السياسيون منشغلون ببناء مكانتهم داخل الحزب وإحدى الطرق للقيام بذلك، كما يبدو، هي الإنقضاض على مردخاي وضباط آخرين في الجيش الإسرائيلي.

إذا كان الأمر كذلك، فإن سياسيين من داخل حزب (لبيت اليهودي) يأثرون على علاقة إسرائيل بالفلسطينيين، ويعملون على تقويض المشاريع الإقتصادية التي تهدف على المدى الطويل إلى المساعدة في إخماد نيران العنف الفلسطيني. للمفارقة، قد يساعد إنخفاض العنف الفلسطيني في تمكين إستمرار السيطرة الإسرائيلية على الأراضي في الضفة الغربية – وهو جزء مركزي في برنامج “البيت اليهودي” الإنتخابي.