واشنطن – أكد مسؤولون في البيت الأبيض مساء الثلاثاء أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب سيعلن خلال خطاب يوم الأربعاء عن اعترافه رسميا بالقدس عاصمة لإسرائيل، وسيطلب من وزارة الخارجية صياغة خطة لنقل السفارة الأمريكية من تل أبيب.

وسيرافق الإعتراف بالقدس، التي يتوقع الكثيرون أن يثير الغضب في العالم العربي ويلقي بظلاله على جهود السلام التي تقودها الولايات المتحدة، التزام من ترامب بدعم حل الدولتين في حال دعم إسرائيل والفلسطينيين للخطوة، كما قال مسؤولون، في محاولة من قبل الإدارة على الأرجح لتحقيق توازن في الإعلان الذي يُعتبر بأنه يشكل انحيازا لإسرائيل.

وقال أحد المسؤولين: “في 6 ديسمبر، سيعترف الرئيس ترامب بأن القدس عاصمة لإسرائيل”، مؤكدا سلسلة من التقارير عن قرار ترامب المقرر من البيت الأبيض، المتوقع أن يدلي به في الساعة الواحد بعد الظهر (8 مساء بتوقيت إسرائيل). المسؤولون تحدثوا شريطة عدم الكشف عن أسمائهم.

البيت الأبيض أشار مرارا وتكرارا إلى الإعتراف بالقدس عاصمة للدولة اليهودية وخطوة نقل السفارة، التي ستستغرق سنوات على الأرجح، بأنه “اعتراف بالواقع”، مشيرا إلى دور المدينة كمقعد للحكومة الإسرائيلية متجاهلا المطالبات الفلسطينية فيها.

وقال أحد المسؤولين: “إنه يرى في ذلك اعترافا بالواقع، سواء كان ذلك الواقع التاريخي أو الواقع الحديث”.

وقال آخر: “في حين أن الرئيس يعترف بأن وضع القدس هو قضية حساسة للغاية، فهو لا يعتقد أنه سيتم حلها من خلال تجاهل حقيقة أن القدس هي موطن السلطة التشريعية في إسرائيل، ومحكمتها العليا، ومقر إقامة رئيس الوزراء، وما إلى ذلك، إنها عاصمة إسرائيل”.

الإعلان سيشكل انجازا هاما للجهود الإسرائيلية للحصول على شرعية دولية لمطالباتها بشأن القدس. وتعتبر إسرائيل القدس عاصمتها الغير قابلة للتقسيم، لكن المجتمع الدولي امتنع عن الإعتراف بها على هذا النحو بانتظار مفاوضات الوضع النهائي مع الفلسطينيين، الذين يعتبرون الجزء الشرقي من المدينة عاصمة لدولتهم المنشودة.

مستشار البيت الابيض جاريد كوشنر يلتقي برئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس في رام الله، 24 اغسطس 2017 (courtesy, WAFA)

وقد ينظر إلى اعتراف ترامب بالقدس عاصمة لإسرائيل على أنه بمثابة تخلي أمريكا عن حيادها الطويل وانحياز لإسرائيل في الوقت الذي يبذل  فيه صهر الرئيس جاريد كوشنر جهودا للبدء بعملية سلام جديدة. ترامب تحدث أيضا عن رغبته في التوصل إلى “اتفاق القرن” الذي من شأنه وضع حد للصراع الإسرائيلي الفلسطيني.

وقال المسؤولون، ومستسشار خارجي للإدارة، إنهم يتوقعون بأن يقوم ترامب بالإدلاء ببيان عام حول مكانة القدس باعتبارها “عاصمة إسرائيل”. وأضافوا أنهم لا يتوقعون أن يقوم الرئيس باستخدام عبارة “العاصمة الغير قابلة للتقسيم”.

وأضاف المسؤولون أن ترامب “يدرك بأن الحدود المحددة للسيادة الإسرائيلية في القدس تخضع لمفاوضات الوضع النهائي لمثل هذا الاتفاق”.

وقالوا أيضا إن خطوته لا تغير من “الوضع الراهن لجبل الهيكل/الحرم الشريف”.

سفارة جديدة ستُبنى  في القدس

بعد يومين من تفويت الرئيس للموعد النهائي للتوقيع على أمر تأجيل لنقل السفارة، الذي ينص عليه قانون تم تمريره في عام 1995، سيوقع ترامب على أمر التأجيل، في الوقت الذي يعمل فيه مسؤولون على تطوير خطة حول كيفية ومكان وموعد نقل السفارة.

وقال أحد المسؤولين: “أصدر الرئيس تعليماته لوزارة الخارجية بتطوير خطة لنقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس مع الحد الأدنى من العبء الإضافي على دافعي الضرائب الأمريكيين”.

وقال مسؤول آخر: “لا توجد هناك في الوقت الراهن منشأة يمكنهم الانتقال إليها”، وأضاف “سيستغرق الأمر بعض الوقت للعثور على موقع، ومعالجة المخاوف الأمنية وتصميم المنشأة الجديدة وتمويل المنشأة الجديدة وبناءها، لذلك فإن هذه العملية ليست عملية فورية”. ومع ذلك، فإن ترامب لن “يحدد جدولا زمنيا” للخطوة، بحسب المسؤول.

وقال المسؤول أن “ألأمر سيستغرق بضع سنوات، وليس أشهر، ستستغرق المسألة وقتا”.

القنصلية الامريكية في حي تلبيوت (Raphael Ahren/Times of Israel)

ولم يحدد المسؤولون موقع المنشأة.

في السابق توقع محللون بأن تقوم الولايات المتحدة ببساطة بتغيير اسم مبنى القنصلية في حي أرنونا في المدينة المتاخم لخط وقف إطلاق النار قبل عام 1967.

للولايات المتحدة أيضا قطعة أرض في الجزء الغربي لخط وقف إطلاق النار في القدس بالقرب من حي أرمون هنتسيف في العاصمة تم استئجارها في عام 1989 بهدف إقامة سفارة. لكن قطعة الأرض، التي تُعرف باسم “ثكنات ألنبي”، تُعتبر مثيرة للجدل بسبب ملكية متنازع عليها.

وقال البيت الأبيض أن توقيع ترامب على أمر التأجيل يهدف إلى تجنب تجميد أموال لوزارة الخارجية بموجب القانون الذي مرره الكونغرس في حال لم يتم نقل السفارة.

بموجب القانون، إذا لم يتم التوقيع على أمر التأجيل، سيتم في بداية السنة المالية المقبلة حجب أموال لوزارة الخارجية معدة بالتحديد ل”شراء وصيانة مبان في الخارج” إلى حين افتتاح نقل سفارة الولايات المتحدة في القدس.

وقال أحد المسؤولين إن “الرئيس سيوقع على أمر التأجيل من أجل تجنب اقتطاع كبير نسبيا في ميزانية وزارة الخارجية كما يتطلب القانون”.

السفارة الأمريكية في تل أبيب، 20 يناير 2017 (AFP Photo/Jack Guez)

خلال حملته الانتخابية، تعهد ترامب مرارا وتكرارا بنقل السفارة الأمريكية. ومع ذلك، قام الرؤساء الأمريكيون بشكل روتيني ومن دون رسميات بتأجيل الخطوة منذ توقيع الرئيس بيل كلينتون على قانون في عام 1995 ينص على أن على الولايات المتحدة نقل وجودها الدبلوماسي إلى القدس ما لم يصدر القائد الأعلى أمر تأجيل لأسباب متعلقة بالأمن القومي.

في حديث مع الصحفيين، قال أحد المسؤولين في الإدارة إن الرئيس يعتقد إن عدم نقل السفارة لم يؤد إلى اتفاق بين الطرفين، مما يبرر نقلها.

وقال المسؤول إن “الرئيس ترامب لا يزال ملتزما بتحقيق سلام دائم بين الإسرائيليين والفلسطينيين وهو متفائل بشأن امكانية تحقيق السلام”، وأضاف أن “تأجيل الاعتراف بالقدس كعاصمة لإسرائيل لم يحقق شيئا لتحقيق السلام لأكثر من عقدين من الزمن”.

’الرئيس ملتزم بالسلام’

وقال مسؤول إن ترامب قد يدمح على الأرجح لغة تدعم حل الدولتين في خطابه الأربعاء، ما يشكل تغييرا في سياسة الإدارة التي تجنبت بشكل عام الصيغة المقبولة على بقية المجتمع الدولي.

وقال المسؤول إن “الرئيس ترامب على استعداد لدعم حل الدولتين للنزاع بين الإسرائيليين والفلسطينيين، إذا كان ذلك ما اتفق عليه الطرفان”.

رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، والرئيس الأمريكي دونالد ترامب، يتكلمان في مطار بن غوريون الدولي قبل رحيل الأخير من إسرائيل في 23 مايو 2017. (Koby Gideon/GPO)

ومن غير الواضح ما إذا كان الطرفان سيوافقان على ذلك. في خطاب تاريخي له في عام 2009 أعلن رئيس الوزراء بينيامين نتنياهو عن دعمه لحل الدولتين، لكنه تراجع عموما عن فكرة إقامة دولة فلسطينية منذ دخول ترامب البيت الأبيض.

إدخال حل الدولتين إلى الخطاب يهدف على الأرجح إلى التخفيف من وطأة إعلان القدس. مسؤول كبير في الإدارة أشار إلى أن الصيغة النهائية للخطاب لا تزال قيد الصياغة ونصح بعدم الخروج بردود أفعال  فورية.

وقال المسؤول إن “الرئيس سيؤكد مجددا التزامه بالسلام. في حين أنه يدرك كيف قد يكون رد فعل بعض الأطراف، فنحن ما زلنا نعمل على خطتنا التي لم تجهز بعد. لدينا الوقت للقيام بذلك بالشكل الصحيح ورؤية كيف سيشعر الناس بعد استيعاب هذه الأخبار خلال الفترة القادمة من الزمن”.

محتجون فلسطينيون يحرقون صورة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب في ساحة المهد في بيت لحم، 5 ديسمبر، 2017. (AFP Photo/Musa Al Shaer)

ومع ذلك، قوبلت التقارير عن نية ترامب بالإعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة خلال الأيام القليلة الماضية بإدانات وتحذيرات واسعة من قادة حول العالم الذين حذروا من أن الخطوة قد تثير احتجاجات عنيفة وتشكل ضربة قوية لجهود السلام.

في محادثتين هاتفيتين أجراهما مع رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس وملك الأردن عبد الله الثاني، نقل ترامب للزعيمين كما يبدو رسائل متطابقة بشأن نيته في نقل السفارة.

وحذر كلا القائدين ترامب من أن نقل السفارة قد يهدد جهود السلام في الشرق الأوسط والأمن والإستقرار في المنطrة والعالم، بحسب بيانات صدرت عن مكتبيهما. ولم تشر البيانات إلى خطة ترامب للاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل.

وقال ملك السعودية سلمان لترامب يوم الثلاثاء، بحسب بيان سعودي صدر بعد محادثة هاتفية بينهما إن أي إعلان أمريكي حول وضع القدس قبل اتفاق سلام “سيضر بعملية مفاوضات السلام ويؤدي إلى تصعيد التوتر في المنطقة”. وقال الملك أيضا أن الإعلان عن القدس عاصمة لإسرائيل “سيشكل استفزازا صارخا لجميع المسلمين من حول العالم”.

وتحدث ترامب أيضا مع نتنياهو والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي.

ولم يصدر الزعيم الإسرائيلي بيانا لكن البيت الأبيض قال إن في جميع المحادثات الهاتفية الخمسة، “شدد [ترامب] على أهمية التعاون الثنائي مع كل شريك للدفع بجهود السلام عبر المنطقة” و”ناقش أيضا القرارات المحتملة فيما يتعلق بالقدس”.

مجرد فكرة قيام ترامب بالنظر في تغيير الوضع الراهن دفعت الولايات المتحدة إلى إصدار تحذير أمني يوم الثلاثاء. حيث أمرت القنصلية الأمريكية في القدس موظفيها وعائلاتهم بتجنب زيارة البلدة القديمة في القدس والضفة الغربية، وحضت المواطنين الأمريكيين بشكل عام على تجنب الأماكن التي يوجد فيها وجود قوي للشرطة أو الجيش. واستعدت قوى الأمن الإسرائيلية أيضا لاحتمال اندلاع أعمال عنف، بحسب مصادر، بعد أن دعت فصائل فلسطينية إلى “يوم غضب” احتجاجا على الإعلان.

شرطة حرس الحدود الإسرائيلية تقوم بدورية عند الحائط الغربي، 5 ديسمبر، 2017. (AFP /THOMAS COEX)

ملك المغرب محمد السادس، كتب بصفته رئيس لجنة القدس التابعة لمنظمة التعاون الإسلامي رسالة وجهها إلى ترامب أعرب فيها عن” قلقه الشخص العميق” و”القلق الكبير الذي تشعر به الشعوب والبلدان العربية والإسلامية” بشأن هذه الخطوة.

وجاء في الرسالة إن “الخطوة الحالية من المرجح أن تؤثر سلبا على احتمالات التوصل إلى حل عادل وشامل للصراع الإسرائيلي-الفلسطيني”.

وحض الملك ترامب على تجمنب اتخاذ أي خطوة من شأنها “تأجيج المشاعر والإحباط وخيبة الأمل، التي تشكل أساس التطرف والإرهاب”.

وانتقد اللوبي اليهودي اليساري “جيه ستريت”  الخطوة التي يعتزم ترامب الإعلان عنها معتبرا إياها “خطوة غير مفيدة من دون فوائد ملموسة، ومع مخاطر حقيقية فقط”.

المتحدثة بإسم البيت الأبيض سارة هاكبي ساندرز قالت الثلاثاء إنه من غير المرجح أن يغير ترامب رأيه.

وقالت: “يمكنني القول أن الرئيس متمسك جدا بموقفه في هذه المرحلة”.

ساهمت في هذا التقرير وكالة أسوشيتد برس ووكالة فرانس برس.