إسطنبول (أ ف ب) – وقف البابا فرنسيس يوم الأحد إلى جانب رجل دين مسلم بارز في لحظة تأمل ذات رمزية كبيرة في مسجد عثماني، خلال رحلته إلى إسطنبول في زيارته الأولى إلى العاصمة السابقة للعالم المسيحي البيزنطي.

في اليوم الثاني من زيارته إلى دولة تسكنها أغلبية مسلمة ولكنه بشكل رسمي علمانية، تجول البابا في مواقع تاريخية في المدينة التي كانت تُعرف يوما بإسم القسطنطينية والتي إحتلها الجيش العثماني عام 1453.

وتُعتبر زيارة البابا إمتحانا مهما لقدرة فرنسيس على بناء جسور بين الديانتين وسط هيجان مجاهدي “الدولة الإسلامية” (داعش) في العراق وسوريا والمخاوف حول إضطهاد الأقليات المسيحية في الشرق الأوسط.

وكان محور جولة صباح السبت القيام بزيارة مرتقبة إلى مسجد السلطان أحمد – الذي يُعرف أيضا بإسم المسجد الأزرق وهو واحد من روائع فن العمار العثماني.

وتوقف البابا لدقيقتين وبعد ذلك شبك يديه متأملا، وهي لفتة مشابهة لتلك التي قام بها سلفه، بنديكتوس السادس عشر، الذي قام بزيارة المسجد في الزيارة البابوية الأخيرة لتركيا في 2006.

وأغلق الحبر الأعظم عينيه، وشبك يده أمام صدره تحت الصليب الذي يضعه حول عنقه وحنى رأسه، واقفا إلى جانب مفتي إسطنبول رحمي ياران الذي قام بأداء صلاة الدعاء الإسلامية.

مثل فرنسيس، قام بنديكتوس بالوقوف باتجاه مكة في خطوة رأى فيها الكثيرون أنها بادرة مصالحة بين الإسلام والمسيحيين.

ووصف مسؤول في الفاتيكان لفتة فرنسيس بأنها “تبجيل صامت”، مستخدما مصطلحا لاحترام ديني، موضحا أنه لم يقم بالصلاة.

وأضاف المتحدث باسم الفاتيكان فيديريكو لومباردي، “كانت هذه لحظة جميلة للحوار بين الأديان. حصل الشيء نفسه قبل ثمانية أعوان مع بنديكتوس”.

بعد محادثات مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في أنقرة الجمعة، دعا البابا إلى حوار بين الأديان لإنهاء التطرف الديني الذي يعاني منه الشرق الأوسط.

حراسة مشددة؛ جماهير قليلة

وقام فرنسيس أيضا بجولة في آيا صوفيا، الكنيسة البيزنطية الكبيرة التي تم تحويلها إلى مسجد بعد احتلال القسطنطينية ولكن بعد ذلك أصبحت متحفا علمانيا مفتوحا للجميع في تركيا الحديثة.

بعد ذلك ترأس قائد العالم المسيحي الكاثوليكي قداسا احتفاليا في كاثدرائية الروح القدس الكاثوليكية في أسطنبول والتي يعود تاريخها إلى القرن ال-19.

وسط حراسة مشددة، غاب عن البرنامج التواصل مع الجماهير الذي ميز زيارات سابقة للبابا فرنسيس صاحب الشخصية الكاريزماتية.

وسط الحشود المعتادة من وسائل الإعلام، لوح عدد صغير من المؤمنين والمهنئين للبابا من وراء حواجز الشرطة أثناء عبور موكبه من خلال المركز التاريخي لإسطنبول.

وقال سليم، 70 عاما، وهو تركي مسلم، “أنا لست مسيحيا ولكنني أتيت إلى هنا من باب الفضول والإحترام”.

ووقف ثلاثة قناصين من الشرطة على كل واحدة من المأذنتين الأماميتين لآيا صوفيا عند قيام البابا بجولته.

ملتزما بتعهداته بأن يكون البابا الذي يتجنب البذخ، استقل البابا سيارة صغيرة من طراز رينو سيمبول، بدلا من مركبة محصنة من الرصاص عرضها عليه القصر الرئاسي.

تضييق الإنقسام

في المساء أجرى البابا قداسا في كنيسة القديس جورج والتقى في لقاء خاص مع البطريرك برثلماوس الأول، “الأول بين متساوين” من بين المؤمنين الأرثوذكس اللذين يُقدر عددهم ب-300 مليون شخص.

ويسعى فرنسيس وبرثلماوس – اللذين يتمتعان بعلاقات صداقة – إلى تضييق الخلافات بين الكنيستين التي يعود تاريخا إلى الإنقسام الكبير في عام 1054.

وقالت ماريا كيليكليغولو، إحدى أعضاء الطائفة الأرثوذكسية البلغارية الصغيرة في تركيا، “أعتقد أن البابا أتى هنا من أجل بناء جسر بين الكاثوليك والأرثوذكس”

الطائفة المسيحية في تركيا هي صغير جدا – حوالي 80,000 في دولة تضم 75 مليون مسلم – ولكنها أيضا مختلطة جدا وتضم أرمن وأرثوذكس وشوام كاثوليك وسريان أرثوذكس وكلدان.

من بين هؤلاء فقط الشوام الكاثوليك والكلدان يعتبرون البابا رئيسا لهم.

ولا تزال الزيارات البابوية إلى تركيا أمرا نادرا – فرنسيس هو البابا الرابع فقط الذي يقوم بزيارة البلاد بعد بنديكتوس في 2006، ويوحنا بولس الثاني في 1979، وبولس السادس في 1967.