مرت أربع سنوات منذ ذلك الحدث التاريخي الذي أطلق “الربيع العربي”. أربع سنوات وثمانية أيام. شاب تونسي عمره (26 عاما)، من بلدة سيدي بوزيد، فتح بسطة الخضار الخاصة به في صباح 17 ديسمبر 2010. قامت مفتشة محلية بمصادرة بضائعه، وبحسب أفراد عائلته، قامت بإهانته أمام المارين أيضا. قرر محمد بو عزيزي أن يحرق نفسه احتجاجا أمام مبنى البلدية، وتوفي من إصاباته بعد 17 يوما. هذا أدى إلى سلسلة مظاهرات ضد نظام زين العابدين بن علي، “الدكتاتور المتنور”، الذي حكم تونس مدة 24 عاما. من هذا وحتى “ثورة الياسمين” في تونس لم تكن الطريق طويلة. فر بن علي من تونس في 14 يناير، بعد 11 يوما بدأت الثورة المصرية، بعدها في ليبيا، اليمن وطبعا، الحرب في سوريا.

كما حدث في مصر، أول من تمكنوا الوقوف أمام الفوضى العامة، والإنتفاع من الأوضاع الجديدة في تونس كانوا الإسلاميين. حزب النهضة، الذي فاز بإنتخابات ديمقراطية عام 2011. وها قد مر حوالي ثلاثة أعوام، وقد خسر الإسلاميون الحكم. في بداية الأمر تنازلوا عنه بشكل إرادي لحكومة مستقلة، وبعدها خسروا في الإنتخابات الأخيرة أمام أشخاص الحكم السابق. أعلن في بداية الأسبوع أن الرئيس المنتخب هو الباجي السبسي، وزير الداخلية سابقا (في أيام حبيب بورقيبة، الدكتاتور السابق لبن علي، الذي حكم تونس 31 عاما) ورئيس البرلمان في أيام بن علي. من الجدير بالذكر أن وزير الداخلية في الدول العربية ليس مجدر المسؤول عن إصدار جوازات السفر، بل هو المسؤول عن الأمن الداخلي، ومن ضمن هذا المخابرات. أي انه كان في لب الحكم السابق. فاز السبسي بنسبة 55.7%، بينما منافسه، المنصف المرزوقي التابع للإسلاميين، حصل على 44.3% من الأصوات. فوز السبسي أدى إلى عدة مظاهرات في مدن في جنوب تونس، المعتبرة أكثر تديناً وفقرا ومنفصلة تقريبا بشكل تام عن العاصمة تونس، الحديثة والغربية.

تونس هي الدولة الثانية التي مرت بثورة خلال “الربيع العربي”، يليها حكم الإسلاميين التابعين للإخوان المسلمين، ومن بعدها إستبدالهم باتباع الحكم السابق. هذا ما حصل في مصر، بعد تلقي محمد مرسي، التابع للإخوان المسلمين للحكم، والثورة الثانية التي أعادة الجيش إلى مركز القوة في البلاد. رؤساء الأجهزة الأمنية والسياسية السابقة، الملقبين بإسم “الدولة العميقة”، يعودون إلى الحكم. هؤلاء هم خرّيجي المؤسسات التي عمقت سلطتها على مدار السنين في هذه الدول، وفقدوا بعض سلطتهم بعد سقوط الدكتاتور الأخير (بن علي أو مبارك)، والآن يعودون للإستيلاء على مناصب القوة. يمكننا توقع دعم السبسي من قبل أقوى رجلان في الشرق الأوسط السني المعتدل، الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي وعبدالله، ملك السعودية. وإضافة على ذلك، الحكم الجديد-قديم في تونس، مع شريكه في القاهرة، سوف يحاولون مساعدة حليفهم الجديد (قديم) الذي يظهر الان بليبيا، الدولة الواقعة بينهم.

ليبيا بعد عهد معمر القذافي لم تبقى تعمل كدولة. أراضيها تقسّمت إلى مناطق سلطة، بين قبائل مصراتة الكبيرة، وبين المجموعات الإسلامية المتطرفة، مثل أنصار الشريعة. في الأشهر الأخيرة انضم إلى المعركة أيضا خليفة حفتر، جنرال سابق بجيش معمر القذافي، المتواجد في المنفى منذ عقدين. نجح حفتر بالأسابيع الأخيرة بتطهير عدة مناطق من شرق ليبيا، من ضمنها منطقة بنغازي، من اتباع أنصار الشريعة، واليوم بدأ الإتجاه إلى غرب تونس، بالقرب من الحدود مع تونس وبمحيط العاصمة طرابلس، الواقع تحت حكم قبائل مصراتة في الوقت الحالي. هو يدعم مجلس النواب في طبرق، بينما قبائل مصراتة يدعمون الحكومة في طرابلس، المكونة من أعضاء ما كان يعتبر برلمان في الماضي، “المؤتمر الوطني العام”.

من الصعب الحديث عن الصدف في هذه المرحلة. الإخوان المسلمين تلقوا هزيمة سياسية تلو الأخرى. الجمهور العربي الذي يرى الجنون في المنطقة في أعقاب ظهور داعش (المولود من نفس الرحم الفكري الذي أنجب الإخوان المسلمين)، قرر، على الأقل في تونس ومصر، الإبتعاد عن كل ما يذكر بالإسلام المتطرف (قد يكون أقل تطرفا من داعش، ولكنه لا زال متطرف). يمكن القول أن الإخوان المسلمين في مصر وفي تونس يدفعون الآن ثمن نجاح داعش.

ولكن هذه التطورات لا تدل على انتهاء عهد الإخوان المسلمين. ولكن بدون شك، هذه من أسوأ الفترات التي تمر في السنوات الأخيرة على من اعتبرهم الرئيس الأمريكي باراك اوباما مؤخرا الأمل لشرق أوسط أفضل، بالأخص نظرا لقرار قطر التجاوب مع السعودية ومصر. استسلمت الداعمة الأساسية للإخوان المسلمين (بإستثناء تركيا) أمام ضغوطات الرياض والقاهرة، وقررت التخلي عن التوجه العدائي اتجاه السيسي. هذا لم يحدث خلال يوم وليلة طبعا، وليس بشكل إرادي. استرجاع سفراء بعض أهم دول الخليج (الكويت، الإمارات والسعودية) من الدوحة كان له تأثير، وقررت قطر مصالحة أقوى رجل على النيل.

كيف سيؤثر هذا على الشرق الأوسط؟ لا زال من الصعب تحديد ذلك. القيادة المصرية لا زالت تتوخى الحذر بالنسبة لهذه الخطوة. “لنرى خطوات فعلية، وبعدها نعرف إن كانت نواياهم صادقة”، قالوا بالنسبة للقرار القطري. إحدى الدلائل الواضحة ستكون توجه قناة الجزيرة للحكم في مصر. حملت الجزيرة حتى الآن راية الإخوان المسلمين ضد الحكم الجديد-قديم. من المتوقع من القناة اظهار توجهات معتدلة أكثر بالنسبة للسيسي وأتباعه. إضافة على ذلك، قد تجد تركيا تحت حكم اردغان نفسها منعزلة أكثر من الماضي. الأخيرة التي تلوح براية “الإسلام السياسي”، من صناعة الإخوان المسلمين. ضعف هذه الحركة لا تدل بالضرورة على تطورات إيجابية للعالم الغربي وإسرائيل. أولا، حماس في غزة، التابعة لفكر الإخوان المسلمين، سوف تبحث عن الدعم في أماكن أخرى، مثل إيران، ورؤساء الحرك قد بدأوا الحديث عن ذلك بشكل علني. ثانيا، داعمي الإسلام المتطرف قد ينقلون دعمهم إلى جهات متطرفة أكثر – مثل داعش واخواتها. ومع ذلك، الجبهة العربية السنية المعتدلة والغربية التي تتقوى أكثر فأكثر قد تساهم جدا بالتصدي لداعش.

شيء آخر بالنسبة لداعش. صدر في هذا الأسبوع بالبرنامج التلفزيوني “عوفدا” فيلم ايتاي انجل، الذي انضم إلى المقاتلين الأكراد الذين يحاربون أتباع داعش في سوريا والعراق. نجح انجل (وليس بواسطة مقال تحليلي لا يوجد له صلة بالواقع المكتوب من قبل تل أبيب) رسم صورة رائعة للواقع، لمحة نادرة “إلى ما بعد جبال الظلام”. للمرة الأولى تمكنا مشاهدة كيف تبدو الحرب مع داعش عن كثب. بدلا عن فيديوهات مرعبة أخرى من اليوتيوب التي تظهر قص رؤوس، فجأة نرى اتباع داعش يتراجعون أمام مجموعة مقاتلين ومقاتلات أكراد. العدو، أي داعش، المرئي من منظور الأكراد، غير مرعب كثيرا، صورته عكسية تقريبا عن الطريقة التي يصوره بها الإعلام الغربي: بربري، جبان، يقاتل على قطعة لحم بقر ويتعاطى المخدرات. الأكراد، وبالأخص الكرديات، في فيلم انجل لا يكترثون للأفعال الوحشية التي يقوم بها اتباع داعش، ويبدون على إصرار لمحاربتهم. وبواسطة وسائل قتال قليلة جدا، هم حتى ينجحون بهذا. الفيلم يظهر أيضا السهولة الغير محمولة التي فيها يتمكن مئات أو حتى آلاف المتجندين لداعش الدخول إلى سوريا، مع تجاهل، أو بالأحرى تعاون، حليفة واشنطن، تركيا – آخر بقايا لحكم بأسلوب الإخوان المسلمين. إذا لربما علينا أن نأمل ان أحد ما في البيت الأبيض يستيقظ من وهم “الإخوان”، ويستثمر الطاقات والموارد لمساندة الأكراد في حربهم العادلة.