قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالتخلي عن شركاء بلاده الأكراد في سوريا ليس مستغربا، فعلى مدار أكثر من عام ونصف قالها بصوت عال وأعلن بوضوح عن نيته القيام بذلك.

ربما فوجئ البعض بالطريقة غير المنسقة والمفاجئة التي أعطى فيها ترامب للزعيم التركي رجب طيب أردوغان الضوء الأخضر بحكم الأمر الواقع لشن هجوم ضد “قوات سوريا الديمقراطية” ذات الغالبية الكردية في شمال غرب سوريا – وهي حملة أسفرت في حوالي أسبوع فقط عن مقتل العشرات من الأشخاص، معظمهم من الجانب الكردي، ونزوح أكثر من 150,000 شخص.

لكن لا يزال من الممكن النظر الى الخطوة نفسها، على الرغم من كونها اعتباطية وغير منظمة، باعتبارها جزء من سياسة البيت الأبيض الخارجية التي سعت إلى الانفصال عن الشرق الأوسط، بما في ذلك الحلفاء الأكراد الذين قاتلوا إلى جانب القوات الأمريكية ضد تنظيم “داعش” الإرهابي لسنوات.

الخطوة الأخيرة التي اتخذها ترامب كانت حجر زاوية في محور مستمر يبعد الولايات المتحدة عن عن المنطقة، وهو تحول بدأ قبل الإدارة الحالية وسيظهر تأثيره جيدا في المرحلة التالية، بغض النظر عمن يشغل المكتب البيضاوي.

بالنسبة إلى إسرائيل، فإن هذا قد يعني فقدان حليف رئيسي في المنطقة وفي الحرب على إيران ووكلائها. تملأ هذا الفراغ الذي خلفته أمريكا روسيا، التي تبدي تعاطفا أقل مع إسرائيل، مما يضع إسرائيل على قاعدة استراتيجية أضعف.

جندي أمريكي يجلس في مركبة عسكرية خلال تظاهرة لأكراد سوريا ضد التهديدات التركية بالقرب من قاعدة لقوات التحالف التي تقودها الولايات المتحدة على أطراف مدينة رأس العين في محافظة الحسكة السورية بالقرب من الحدود التركية، 6 أكتوبر، 2019. (AFP)

من المتوقع أيضا أن تكون الطريقة المتسرعة التي يجري بها هذا الانسحاب الأمريكي بمثابة هدية كبيرة لتنظيم داعش، حيث يسمح ذلك لعناصره المعتقلين في السجون التي تديرها قوات سوريا الديمقراطية بالفرار في خضم الفوضى وإعادة التجمع في مكان آخر، حتى تتمكن من مواصلة قتالها و الاستمرار في العمل كقوة لزعزعة الاستقرار في المنطقة لسنوات قادمة.

لفترة طويلة قادمة

ترامب لم يترك مجالا للشك بشأن نيته سحب القوات الأمريكية من سوريا قبل مكالمته الهاتفية مع أردوغان الأسبوع الماضي، والتي قال فيها إن الجنود الأمريكيين لن يتدخلوا في هجوم الجيش التركي على شريك أمريكا السابق، قوات سوريا الديمقراطية، في شمال سوريا.

منذ مارس 2018، أعلن ترامب نيته سحب جميع القوات الأمريكية من البلاد التي مزقتها الحرب الأهلية.

خلال خطاب ألقاه في أوهايو هذا الشهر قال ترامب: “سنخرج من سوريا قريبا جدا. لندع الآخرين يتولون الأمر الآن. قريبا جدا. قريبا جدا. سنخرج”.

وكرر مسؤولو دفاع أمريكيون هذا الاحساس في شهر أبريل 2018 وأعلن عنه كسياسة بعد ستة أشهر.

في ديسمبر 2018، كتب الرئيس الأمريكي في تغريدة، “لقد هزمنا داعش في سوريا، وهو السبب الوحيد لوجودنا هناك خلال رئاسة ترامب”.

في حين أن العديد من المحللين في شؤون الشرق الأوسط لا يتفقون مع مزاعم الرئيس الأمريكي فيما يتعلق بهزيمة داعش – على الرغم من أن التنظيم فقد أراض كانت تحت سيطرته، إلا أنه احتفظت بالعديد من مقاتليه وبالقدرة على شن هجمات، وبالتالي لا يزال يمثل تهديدا كبيرا – فإن رغبة ترامب في سحب القوات ثابتة، حتى لو كان قد تراجع في ديسمبر ووافق على ترك بعض القوات لفترة قصيرة.

هذا الانسحاب هو جزء من وعد أكبر تعهد به ترامب في الحملة الرئاسية لعام 2016 لإنهاء ما وصفه بـ”حروب (أمريكا التي) لا نهاية لها” – وهو مصطلح يُستخدم غالبا لحروب أمريكا في أفغانستان والعراق.

ويمكن ملاحظة المعارضة لاستخدام القوة العسكرية في الشرق الأوسط في الرد الأمريكي المحدود أن عدم وجود رد على الهجمات الإيرانية المفترضة على حلفاء الولايات المتحدة في الخليج الفارسي (الخليج العربي)، لا سيما على منشأة أرامكو السعودية في الشهر الماضي.

عائلات سورية تفر من منطقة القتال بين القوات التي تقودها تركية ومقاتلين أكراد من قوات سوريا الديمقراطية في مدينة راس العين ومحيطها على الحدود مع تركيا، 15 أكتوبر، 2019. (Delil SOULEIMAN/AFP)

هذا الانسحاب الأمريكي من سوريا والشرق الأوسط بشكل عام يجرد إسرائيل من حليف رئيسي كان يمكن على الأقل أن يكبح إيران. في السنوات الأخيرة، عملت إيران على ترسيخ وجودها العسكري في سوريا، حيث أقامت قواعد وميليشيات موالية لها في البلاد، والتي يمكن استخدامها لتهديد الدولة اليهودية.

ولقد حاربت إسرائيل هذه الجهود الإيرانية بشن غارات جوية على أهداف مرتبطة بإيران في سوريا وكذلك في العراق. في حين شنت القدس هذه الحملة إلى حد كبير من تلقاء نفسها، فإن الخروج الأمريكي الكامل من سوريا – ومعها الجهاز التشغيلي والاستخباراتي الذي يمكن أن يستخدمه الأمريكيون لمساعدة إسرائيل – يجعل هذه المهمة أكثر صعوبة.

في الوقت الحالي، وفقا لتقارير في وسائل إعلام أمريكية، ستحتفظ الولايات المتحدة بوحدة صغيرة في منطقة التنف على الحدود السورية العراقية، وهو ما يُنظر إليه على أنه حاسم في منع طهران من إنشاء ما يسمى بـ”ممر بري” من إيران عبر العراق و سوريا إلى لبنان والبحر الأبيض المتوسط.

قاعدة للجيش الأ/ريكي في التنف بجنوب سوريا، 22 أكتوبر، 2018. (AP/Lolita Baldor)

ومع ذلك، كحامية وحيدة في سوريا، من غير الواضح مدى فعالية تلك القوات الأمريكية في مواجهة جهود إيران.

روسيا تملأ الفراغ

رفض الولايات المتحدة التعامل مع سوريا والحرب الأهلية الدامية الدائرة فيها لم يبدأ مع دونالد ترامب، بل مع سلفه باراك أوباما. في عام 2013، تخلى أوباما عن وعده بالرد على أي استخدام للأسلحة الكيميائية من قبل الديكتاتور السوري بشار الأسد، وأسند المسؤولية للكونغرس الأمريكي في الموافقة على عمل عسكري في سوريا مع العلم جيدا أن هذا لن يحدث.

وفقا للعديد من المحللين ومسؤولي الدفاع، فإن قرار أوباما بعدم الرد على انتهاك “الخط الأحمر” الذي وضعه بنفسه مهد الطريق أمام روسيا للدخول في النزاع وفي أن تصبح القوة العظمى المهيمنة في الحرب الأهلية، ليضمن بذلك انتصار الأسد.

يمكن رؤية هذا الاتجاه الممتد على مدار سنوات والذي تقوم من خلاله روسيا بملئ الفراغ الذي تركته الولايات المتحدة وراءها حرفيا هذا الأسبوع في مدينة منبج، حيث احتفظت القوات الأمريكية بعدد من المواقع منذ 2017.

انسحبت القوات الأمريكية من المنطقة بسرعة هذا الأسبوع بعد إعلان ترامب، ودخلها الجنود الروس بعد ذلك بوقت قصير، وأحضروا معهم صحافيين روس الذين قاموا بتصوير المواقع التي تم التخلي عنها على عجل.

وأظهر شريط فيديو نشره على الانترنت موقع “انا نيوز” الإخباري المؤيد للكرملين المخلفات التي خلفها الانسحاب الأمريكي المفاجئ: علب من رقائق “برينغلز” ونسخ بالية من روايات ناجحة ومشروبات الغازية.

استيلاء روسيا على النفوذ الأمريكي في الشرق الأوسط لم يكن مفيدا بالنسبة لإسرائيل، حيث أن موسكو تفتقد القدرة والميول للتصدي للتهديدات التي تواجهها الدولة اليهودية، وتحديدا من إيران والجماعات الموالية لها.

من غير المرجح أن يتغير هذا الاتجاه في المستقبل القريب، حتى لو دخل شخص آخر إلى البيت الأبيض في عام 2020. مع عدم وجود بنية تحتية أو شراكات نشطة في سوريا، ستخوض أمريكا معركة شاقة لوضع موطئ قدم استراتيجي لها في هذا البلد، وهي خطوة سيكون تسويقها محليا صعبا للغاية.

لذا فمن المرجح أن تستمر إسرائيل في محاربة إيران في سوريا لوحدها، ولكن الآن مع دعم أقل.

قد يكون رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أشار إلى إمكانية إبرام معاهدة للدفاع المشترك مع الولايات المتحدة قبل انتخابات الشهر الماضي، لكنه وضع الأمور في نصابها الصحيح في الأسبوع الماضي من حيث توقعات إسرائيل بشأن الحصول على مساعدة عسكرية مباشرة.

وقال نتنياهو خلال مراسم تذكارية لحرب “يوم الغفران”: “كما في عام 1973، نقدّر اليوم أيضا دعم الولايات المتحدة المهم للغاية… وفي الوقت نفسه، نتذكر دائما وننفذ القاعدة الأساسية التي توجهنا: إسرائيل ستحمي نفسها بنفسها ضد أي تهديد”.

متحدثا لتايمز أوف إسرائيل في وقت سابق من هذا الأسبوع، أوضح مستشار الأمن القومي السابق لنتنياهو، يعقوب عميدرور، أنه في حين أن بإمكان إسرائيل تحمل العبء دون وجود أمريكي في سوريا، إلا أن هذا الانسحاب لا يزال يشكل ضربة لحملات القدس ضد إيران وأهداف سياساتها في المنطقة بشكل عام.

وقال عميدرور: “ليس لأننا لا نستطيع أن ندافع عن أنفسنا، ولكن لأننا ندرك أن على الشرق الأوسط من الآن فصاعدا أن [يتدبر أموره] دون تأثير، أو بتأثير أقل، من الأميركيين”.