الأحداث في الأيام القليلة الماضية تظهر إتجاها يبعث على القلق العميق: ثلاثة فلسطينيين أو أكثر، معظمهم من القدس الشرقية، يقومون يوميا بمهاجمة إسرائيليين – مع الإدراك بأنهم سيُقتلون على الأرجح خلال محاولتهم. هذا نوع من الهجمات الإنتحارية. إنه أقل فتكا من تفجير الحافلات أو المطاعم أو الأسواق خلال الإنتفاضة الثانية، ولكن الدافع هو رغبة منفذي الهجمات بأن يصبحوا شهداء. التصعيد في هذه الهجمات هو مقلق أكثر نظرا لأن معظم هذه الهجمات ليس من تنظيم مجموعة معينة أو طرف معروف، ولكن يتم تنفيذها على يد أفراد.

لم يحدث ذلك بهذه النسبة خلال الإنتفاضة الثانية. في ذروتها، في ربيع 2002، الهجوم الإستراتيجي للإرهاب كان الخروج بتفجيرات إنتحارية مروعة كل بضعة أيام. ولكن اليوم، دخلنا إلى واقع شبه سريالي لهجوم تلو الآخر كل يوم، وهي هجمات يقوم شبان فلسطينيون بتنفيذ معظمها (معظمهم ولكن ليس جميعهم من الذكور) من دون تورط سابق في أنشطة إرهابية أو الرغبة في القتل والموت “من أجل القدس” و”من أجل الأقصى”.

هل يقترب اليوم الذي سيحاول به أحد الفصائل الفلسطينية بالمبادرة إلى عملية إنتحارية على نمط الإنتفاضة الثانية داخل إسرائيل؟ حتى الآن، على الأقل، لا توجد هناك معلومات إستخباراتية تشير إلى ذلك. ولكن ذلك لا يعني أن خطط كهذه غير موجود.

حماس لا تريد إعلان الحرب الكاملة ضد إسرائيل، وتدمير علاقاتها مع السلطة الفلسطينية تماما. بالتالي، فلا يبدو أنها ستبادر إلى هذا النوع من الهجمات. الأمر نفسه يمكن أن يُقال حول قوات التنظيم التابعة لحركة فتح والمسلحة بشكل جيد. ولكن قد يكون هناك داخل حركة الجهاد الإسلامي، بتشجيع إيراني، أولئك الذين قد يكونون على إستعداد لذلك- حتى لو كان ذلك “للفت الأنظار” وإظهار “شلل” الفصائل الفلسطينية الأخرى.

حتى من دون هذا النوع من التفجيرات، تزرع الهجمات اليومية المستمرة الخوف والقلق العميق بين الإسرائيليين. هذا النوع من الهجمات غير مسبوق. أقرب سابقة إليه كانت حوادث الطعن عام 1990، على نطاق أصغر بكثير، والتي حفزها أيضا القلق من تهديدات مزعومة على مسجد الأقصى.

ينبع جزء من مخاوف الإسرائيليين من عدم اليقين: ما الذي نواجهه بالضبط، وكيف سيتطور؟ هذه الموجة ليست بإنتفاضة شعبية (حتى الآن). على صفحات التويتر الفلسطينية، يصفها البعض بـ”إنتفاضة القدس”- بما يشبه “إنتفاضة الأقصى” قبل 15 عاما. ولكن هذا مجرد تصنيف لأشخاص معنيين بصياغة الآراء. هل نحن حقا بصدد الدخول ل”إنتفاضة ثالثة”؟ ما زال من الصعب قول ذلك بكل تأكيد. لكن من الواضح أن شيئا ما قد تغير، والأمور لن تعود على الأرجح إلى ما كانت عليه من قبل. الوضع الراهن الذي ساد منذ عام 2007، والمتجذر في التنسيق الوثيق بين الهرمية الأمنية الإسرائيلية وتلك التابعة للسلطة الفلسطينينة، يقترب من نهايته.

لقاء غير مريح

التشقق، وربما الصدع، في العلاقات الأمنية بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية ليس رسميا، وقد يكون غير قابل للإصلاح. لم يعلن أي مسؤول من الجانب الفلسطيني أن التنسيق توقف. على العكس، رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس يحافظ عليه ظاهريا. إلتقى القادة الأمنيون الفلسطينيون بنظرائهم الإسرائيليين هذا الأسبوع، على الرغم من الإشكاليات والحساسيات التي تحملها لقاءات من هذا النوع في أوقات كهذه.

تسربت الأنباء عن الإجتماع، وسارعت السلطة الفلسطينية إلى نفي حدوث لقاء من هذا النوع، وزعمت أنها رفضت الدعوة الإسرائيلية للإجتماع. في الواقع، بحسب مصدر إسرائيلي، فإن المسؤولين من السلطة الفلسطينية – من ضمنهم نضال أبو دخان، قائد قوات الأمن الوطني التابعة للسلطة الفلسطينية، ورئيس المخابرات الفلسطينية ماجد فرج ورئيس الأمن الوقائي زياد هب الريح – ناقشوا السبل لتهدئة الأوضاع مع نظرائهم الإسرائيليين. المسؤولون من السلطة الفلسطينية لم يعلنوا بشكل قاطع إنهاء التنسيق، أو أي خطط لمثل هذا التمزق.

في الواقع، في وقت سابق من هذا الأسبوع، قام مسؤولون أمنيون من السلطة الفلسطينية بتوفير الخروج الآمن لجنود إسرائيليين دخلوا أراضي السلطة الفلسطينية عن طريق الخطأ، وقاموا بتنفيذ سلسلة من الإعتقالات لأكثر من 20 شخصا من نشطاء حماس.

ولكن القيادة الأمنية للسلطة الفلسطينية، مع ذلك، أعربت عن شعورها بعدم الإرتياح للإسرائيليين. السؤال الذين شغل بالهم هو، ما الذي سيحدث بعد ذلك؟ أي أنهم إذا ساعدوا على تهدئة الأوضاع، وإحباط التصعيد في الهجمات، ما الذي ستقدمه الحكومة الإسرائيلية للسلطة الفلسطينية؟ فرج، الذي يُعتبر من أكثر المقربين لعباس، كان أحد المسؤولين الذين عبروا عن هذا التساؤل بكل وضوح، بحسب المصدر.

الإقتراحات الإسرائيلية بسحب قوات من مناطق معينة، والسماح للسلطة الفلسطينية بنشر قوات لها هناك، قوبلت بتردد. على سبيل المثال، كان هناك حديث عن وضع قوات السلطة الفلسطينية عند المدخل الشمالي لمدينة رام الله، مقابل المقر الرئيسي للجيش الإسرائيلي في “يهودا والسامرة”. أشار الإسرائيليون أن هذه إهانة للسلطة الفلسطينية بأن يقوم شبان فلسطينيون، من بينهم أنصار لحركة حماس، بتنظيم إحتجاجات على مقربة من عاصمة السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية. ولكن المسؤولين الفلسطينيين لم يرغبوا بالعمل بحزم لإخماد حريق يشعرون بأن من أشعله هو رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ووزرائه حول الأقصى.

كان هناك أيضا حديث عن تشجيع دور أردني أكبر بشأن الموقع المتنازع عليه، وخاصة للملك عبد الله لإعادة التأكيد على دول مباشر في الإشراف على الأماكن المقدسة الإسلامية. من شأن خطوة كهذه، كما كان الإعتقاد، أن تشكل خطوة أخرى نحو التهدئة، لتتبع قرار نتنياهو بمنع أعضاء الكنيست والوزراء، اليهود والمسلمين على حد سواء، من زيارة الموقع.

لكن في الحقيقة، هناك سبب آخر لتردد المسؤولين الأمنيين الفلسطينيين وهو أن معظم التظاهرات التي أُجريت في مدن الضفة الغربية في الأيام والأسابيع الأخيرة كانت من تنظيم نشطاء فتح، ليس مسؤولين كبار من فتح بتوجيه من عباس، ولكن شخصيات من فتح والتنظيم البعض منها مقربة من القيادة وبعضها الآخر يعمل بشكل مباشر في بيروقراطية فتح. لا مصلحة لأجهزة الأمن الفلسطينية في الدخول بمواجهة مع هؤلاء الأشخاص. وغياب قوات السلطة الفلسطينية كان في الواقع واضحا هذا الأسبوع خلال المواجهات في بيت لحم وطولكرم ورام الله.

قد يفسر ذلك أيضا الإزدياد الكبير في عدد المشاركين في الإحتجاجات والمواجهات. الآن، يحتشد المئات – أكثر بـ10 مرات مما كان عليه الوضع قبل حوالي أسبوعين أو ثلاثة.

تريد فتح لعب دور في المواجهة مع إسرائيل، ويعود جزء من ذلك لعدم رغبتها في خسارة المزيد من شعبيتها في الشارع الفلسطيني لصالح حماس. كل ذلك يعيق التنسيق الأمني بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية بشكل لا يدعو للدهشة. وهذا لن يتغير.

خلاصة القول: قوات الأمن التابعة للسلطة الفلسطينية لم تعد قادرة، ولم تعد راغبة أيضا، بالقيام بما كانت تقوم به قبل أسابيع قليلة.

من الأمثلة على ذلك: قبل ثلاثة أيام، قام مسلحون من رام الله بفتح النار على قاعدة تابعة للجيش الإسرائيلي في بيت إيل. المسلحون كانوا من التنظيم التابع لحركة فتح. قوات الأمن التابعة للسلطة الفلسطينية طلبت منهم الإمتناع عن ذلك، ولكن من غير المرجح أن تكون هناك آذان صاغية لهذه الأوامر لوقت طويل.

تفكير عباس

قد يكون للوضع الحالي ما يُنظر إليه كفوائد بالنسبة لعباس. فهو لم يقم بقطع العلاقات مع إسرائيل بشكل كامل، وهو غير مسؤل بشكل مباشر عن تدهور الوضع. ولكن التصعيد يتسبب بالكثير من القلق في إسرائيل، وقد يكون عباس يعتقد أن نتنياهو قد يلجأ إلى توسيع إئتلافه الحكومي وإدخال يسار-الوسط إلى حكومة وحدة وطنية، وربما حتى تجميد البناء في المستوطنات.

في هذا السياق، فإن إصرار عباس على رفض إدانة الهجمات الأخيرة يدل على شيء. في الماضي، قام بإدانة جميع الهجمات وسفك الدماء. هذه المرة، إلتزم الصمت، وزملاؤه في فتح يشيدون ويمدحون الهجمات.

الصدع بين إسرائيل وعباس، كما ظهر في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في الأسبوع الماضي، تبعه وبشكل متوقع إرسال عباس المخطط له لوفد إلى غزة لمناقشة حكومة توافق مع حماس، إلا أن حماس رفضت إستقبال مبعوثي عباس.

مرة أخرى، ليس من المستحيل أن تهدأ موجة الهجمات الأخيرة لبعض الوقت. ولكن القضايا الأساسية ستبقى. الفحم سيستمر بالإشتعال ما لم تكن هناك أو حتى تكون هناك عملية دبلوماسية جوهرية – حتى في حال مناقشة قضية الأقصى بالتحديد بشكل فعال وهو أمر مستبعد جدا.

بالنسبة للوقت الحالي، فإن دائرة العنف مستمرة بالدوران: هجمات فلسطينية، تأتي ببعض الحالات بهجمات “إنتقام” يهودية، والمزيد من الهجمات الفلسطينية، وتظاهرات فلسطينية أكبر، مع إصرار متزايد من فتح على لعب درو. قوات الأمن التابعة للسلطة الفلسطينية آخذة بالتقلص. الجيش الإسرائيلي يضطر للتدخل بصورة مباشرة أكثر – كما حصل في عملية القوات السرية هذا الأسبوع بالقرب من بيت إيل. والتدهور مستمر.

في الأسبوع الماضي، بعد الهجوم الدامي بالقرب من إيتمار الذي راح ضحيته نعمة وإيتام هينكين بعد إطلاق النار عليهما على مرأى من أعين أطفالهما، تم الإبلاغ عن حوالي 40 حادث هجوم يهودي على فلسطينيين. هذا يشكل نذيرا لما يمكن أن يحدث خلال موسم قطيف الزيتون، الذي بدأ مؤخرا. في كل أسبوع تشكل صلاة الجمعة حدثا من المحتمل أن يزيد من المشاركة الفلسطينية في المظاهرات والعنف في القدس والضفة الغربية.

في حلقة مليئة بالتناقضات يبدو الخروج منه صعبا، كل هجوم فلسطيني يزيد الضغط على الحكومة لإلغاء تصاريح العمل لآلاف الفلسطينيين من الضفة الغربية في إسرائيل ولفرض إغلاق على الأراضي الفلسطينية – كما دعا رئيس “المعسكر الصهيوني”، من بين كل الناس، يوم الخميس. من شأن خطوة كهذه أن تكون كارثية، وقد تعني على الأرجح أنه بدلا من مشاركة 3,000 فلسطيني في الإحتجاجات ضد الجيش الإسرائيلي، سنكون شاهدين على مشاركة 30,000 أو أكثر.

وعند هذه النقطة، فإن أية محاولة لوقف الإنتفاضة الشعبية ستصبح شبه مستحيلة.