إن مشروع قانون بينيامين نتنياهو الذي يُدعى “الدولة اليهودية”، والذي من شأنه أن يكرس في القانون مكانة الدولة كـ”دولة يهودية”، بعيد عن أن يكون محسوما. فهو لم يمر حتى القراءة الأولى من بين ثلاث في الكنيست، ومن المرجح أن النسخة الحالية تخضع لكثير من التغييرات قبل أن تدخل كتب القانون، إذا حصل ذلك أصلا.

ومع ذلك، تجد الحكومة نفسها في موجة إنقادات محلية ودولية شديدة بسببه.

داخل إسرائيل، تشمل قائمة منتقدي مشروع القانون المستشار القضائي للحكومة يهودا فاينشتاين، ورئيس الدولة رؤوفين ريفلين، وزيرة الثقافة ليمور ليفنات، وزير الدفاع السابق موشيه آرنس، وزير العدل السابق دان مريدور (آخر أربعة منهم من قدامى الليكود)، وأحزاب معارضة يهودية وعربية، وبعض أعضاء الإئتلاف الحاكم، والكثير من الإسرائيليين الآخرين، من ضمنهم بكل تأكيد أصحاب توجهات محافظة.

وكأنه لم تكن لإسرائيل ما يكفي من الدعاية السيئة هذا العام، التشريع المقترح – والذي في صياغته الحالية، ينص على أن حق تقرير المصير القومي “يقتصر على للشعب اليهودي” – أثار الكثير من العناوين التي انتقدته في الإعلام العالمي والكثير من التنديد – على الرغم من أنها خفيفة حتى الآن – من مسؤولين أمريكيين وأوروبيين.

قال متحدث وزارة الخارجية الأمريكية جيف راتكي يوم الإثنين أن واشنطن تتوقع من إسرائيل “مواصلة إلتزامها بالمبادئ الديمقراطية“. وأشار إلى أن سياسة الولايات المتحدة التي لم تتغير هي أن “إسرائيل هي دولة يهودية وديمقراطية يحق فيها لجميع المواطنين حقوق متساوية”.

حتى لو تم تخفيف صياغته، “ينبغي هزم” مشروع القانون في أي حال من الأحوال، كما أكدت صحيفة “نيويورك تايمز” في كلمتها التحريرية تحت عنوان “إسرائيل تضيق ديمقراطيتها” والذي نُشر يوم الخميس. من “المؤسف” أن الحكومة الإسرائيلية صادقت على التشريع يوم الأحد، كمال قالت الصحيفة منتقدة: “في أحسن الأحوال، لن يكون للقانون تأثير مفيد؛ في أسوأ الأحوال، سيثير عداوة أقلية عربية في حالة غليان أصلا وسيعمل على تآكل مكانة إسرائيل بين الدول الديمقراطية”.

الصحيفة التي توصف بـ”السيدة الرمادية” ليست من بين المعجبين الكبار بالحكومة الإسرائيلية الحالية، ولكن صحف ودية أكثر عبرت عن موقف مماثل. على سبيل المثال، عنونت صحيفة “تايمز أوف لندن” المقال الذي تناول هذه المسالة ب”إسرائيل في صدد أن تجعل من العرب مواطنين من الدرجة الثانية”.

مقتبسا هذا العنوان في جلسة مشتعلة للكنيست مساء الأربعاء، اتهم زعيم المعارضة العمالي يتسحاق هرتسوغ نتنياهو بخلق موجة “غير مسبوقة” من الإنتقادات المناهضة لإسرائيل.

وعبر مسؤولون أوروبيون عن مواقف مماثلة. حيث قال مصدر دبلوماسي رفيع من الإتحاد الأوروبي لتايمز أوف إسرائيل يوم الأربعاء: “نحن على علم بالتشريع الموجود قيد البحث، ونحن على ثقة ونتوقع أن مشروع القانون سيعترف ويحترم بالكامل إلتزام إسرائيل الطويل بالمبادئ الديمقراطية الأساسية”.

وقال السفير الهولندي في إسرائيل كاسبر فيلدكامب، أن النقاش الإسرائيلي حول مشروع قانون “الدولة اليهودية” تتم متابعته في كل مكان في العالم الغربي. وقال لتايمز أوف إسرائيل: “نتوقع من إسرائيل أن ترقى إلى مستوى أفكارها وممارساتها الديمقراطية”.

يدرك نتنياهو الإنتقادت الدولية الموجهة إليه ولكن ذلك لن يردعه، كما وضح في خطابة في الكنيست. وقال مصدر مقرب إليه أنه “يتابع عن قرب الرأي العالمي”، وأضاف: “بهذا الشأن، فهو يعتقد أن هناك الكثير من المعلومات الخاطئة هنا”.

لقد قرأ رئيس الوزراء كلمة التحرير في “نيوريورك تايمز” صباح الثلاثاء قبل لقائه مع نظيره التشيكي بوهوسلاف سوبوتكا، وتعمد التطرق إلى بعض المفاهيم الخاطئة التي طرحها المقال، كمال قال المصدر.

وقال نتنياهو خلال مؤتمر صحفي مشترك مع سوبوتكا: “إسرائيل هي دولة ديمقراطية، كما كانت وكما ستبقى دائما. لا أعرف دولة ديمقراطية أكثر منها، أو ديمقراطية أكثر حيوية من إسرائيل في العالم، وبالتأكيد ليس في منطقتنا. ما يجري اليوم هو تحد لوجود إسرائيل كالدولة القومية للشعب اليهودي، ولذلك فإننا سنكرس في القانون هذا الحق القومي للشعب اليهودي إلى جانب ضمان الحقوق الفردية لكل مواطنيها”.

خلال جلسة الكنيست العاصفة يوم الأربعاء، دافع نتنياهو مرة أخرى عن إقتراحه، وأشار من بين أمور أخرى، إلى إعلان بلفور 1917 ورغبته المعلنة بمنع دولة ثنائية القومية من خلال إنشاء دولتين قوميتين منفصلتين – واحدة للفلسطينيين، وواحد لليهود. ولكن تقر مصادر إسرائيلية أن غياب محادثات السلام مع الفلطسنيين يزيد من الإنتقادات على التشريع المقترح – والذي قال رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس يوم الأربعاء أنه يزيد من تقويض آفاق التقدم.

يمكن الشك بأنه من شأن تصريحات كهذه التقليل من الإنتقاد الدولي إذا نجح مشروع القانون في التقدم في الكنيست. يبدو أن نتنياهو مستعد أن يخوض مواجهة مباشرة وجها لوجه مع المعارضة من الخارج – والمعارضة داخل حكومته، حيث أن حزبي “يش عتيد” و”هتنوعاه” وضحا تحفظهم من مشروع القانون – وحتى لو كان ذلك بالمخاطرة بخوض إنتخابات مبكرة بسببه. ولكن هل يهمه ذلك حقا لدرجة سيكون فيها مستعدا للمخاطرة بسمعة إسرائيل كديمقراطية؟

يقول يوعاز هندل، الذي ترأس المديرية الدبلوماسية العامة في مكتب رئيس الوزراء من عام 2011 حتى عام 2012، “أنا على اقتناع بأنه يهتم بالتصور العام لإسرائيل”. ويواصل هندل قائلا أن نتنياهو لا يرغب بالإساءة إلى سمعة إسرائيل، ولكن يجب النظر إلى النقاش الحالي حول النسخ المتعددة من مشروع القانون في سياق السياسات الإنتخابية، مع التكهنات الحالية أن نتنياهو قد يختار أو يضظر خوص الإنتخابات في 2015.

هندل يعتقد أن مشروع القانون سيمر، بشكل أو بآخر: عاجلا أم آجلا، سيوافق مناصرو ومعارضو التشريع – على رأسهم وزيرة العدل تسيبي ليفني ووزير المالية يائير لابيد – على نسخة حل وسط، التي ستبدو أقل حدة من الصياغة الحالية. ويتوقع أن نتنياهو، الذي تعهد بتمرير القانون مهما كان الثمن، “سينزل عن الشجرة” في نهاية المطاف بشروط معينة.

ويقول هندل، الذي يرأس حاليا “معهد الإستراتيجية الصهيوينة”، أنه “حالما يتم العثور على تسوية ويتفق نتنياهو وليفني على نسخة ستحمي ديمقراطية إسرائيل، سيكون من الأسهل السيطرة على الأضرار”. ولكن الإنتقادات الدولية والطعم السيء في أفواه المراقبين الدوليين سيستمران لفترة من الوقت،كما يقول. “ولكن الضرر قد وقع”.

لقد تلقت الكثير من السفارات الغربية في إسرائيل الكثير من الإستفسارات من دولها حول خطوة إسرائيل التي تبدو ظاهريا تمييزية. يتساءل العالم عن ضرورة مشروع قانون كهذا، ولماذا يتم طرحه في وقت حساس كهذا، وما هي التداعيات الممكنة لخطوة كهذه على مستقبل عملية السلام الإسرائيلية-الفلسطينية، وفقا لما ذكره دبلوماسي غربي يعمل في تل أبيب لتايمز أوف إسرائيل يوم الأربعاء. “مشروع القانون هذا يتم ربطه بسرعة مع الأسئلة حول حل الدولتين أو دولة ثنائية القومية”.

وبالفعل، يقول الدبلوماسيون في وزارة الخارجية في القدس، الموكلون بمهمة تفسير السياسات الإسرائيلية وحماية سمعة إسرائيل في الخارج، بأن الجدل حول قانون “الدولة اليهودية” لم يسهل من مهمتهم هذه. مع ذلك، فهم يقولون أن النقاش مشروع، وسيكون من السابق لأوانه إدانة إسرائيل حول تشريع مقترح مستقبله غير مضمون ولا يزال هناك نقاش على نصه.

في هذه الأثناء، رد مسؤول في الوزارة على إستفسارات حول مشروع القانون بأن “إسرائيل والعالم يشاركان قيما مشتركا وليس لدينا أية نية في التنازل أو التخلي عن هذه القيم”.

ستحدد طبيعة النص النهائي مدى تقبل المجتمع الدولي لهذه الحجة. مهما كانت الصيغة النهائية، إذا صادقت الكنيست على مشروع القانون هذا، فمن دون شك أن إسرائيل ستحصل على عناوين وكلمات تحرير في بعض الدوائر ستوجه إليها إنتنقادات أشد من تلك التي وُجهت إليها هذا الأسبوع.