مضى 16 عاما منذ إندلاع الإنتفاضة الثانية، التي قضت من نواح كثيرة على آمال السلام وخلقت أزمة ثقة كبيرة بين الشعبين الإسرائيلي والفلسطيني.

مر عام منذ اندلاع “إنتفاضة القدس” (كما تسميها حماس) أو “إنتفاضة الذئب الوحيد”، كما يسميها آخرون.

من الصعب إيجاد أوجه شبه كثيرة بين عشرات الهجمات الإنتحارية وهجمات إطلاق النار والمظاهرات العنيفة خلال الإنتفاضة الثانية وتلك الأخيرة التي تراجعت حدتها منذ إندلاعها، وتميزت بهجمات طعن نفذها في الأساس شبان وشابات فلسطينيين عملوا من تلقاء أنفسهم من دون تنظيم.

حتى أن إستخدام نفس المصطلح للفترتين قد يكون خاطئا.

في حين أن الإنتفاضة الثانية خلقت تغييرا دراماتيكيا على الأرض في العلاقات بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل، وكذلك في نشر الجيش الإسرائيلي في الضفة الغربية، فإن لهجمات الطعن والدهس في العام المنصرم لم يكن هناك تأثيرا جوهريا على العلاقات الإسرائيلية-الفلسطينية.

الثقة – في أدنى مستوياتها في الوقت الحالي – تدهورت أكثر بكل تأكيد، ومعها فرص السلام. ولكن إذا كانت هناك تغييرات حقيقية خلقتها إنتفاضة الذئب الوحيد فهي حدثت داخل السياسة الفلسطينينة وليس على مستوى العلاقات مع إسرائيل.

أحيا الفلسطينيون، وبالأخص مناصرو حماس، الذكرى الأولى لإندلاع موجة العنف في 1 أكتوبر، 2015، في هجوم قام خلاله مسلحون تابعون لحركة حماس بقتل الزوجين هينكين في عملية إطلاق نار بالقرب من مستوطنة إيتمار. منذ هذا الهجوم، قُتل 35 إسرائيليا وأربعة مواطنين أجانب على يد منفذي هجمات فلسطينيين.

ولكن الهجوم الذي وقع بعد يومين من ذلك، في البلدة القديمة في القدس، هو الذي يمثل بصورة أفضل الإنتفاضة الحالية.

في 3 أكتوبر، قام الشاب محمد حلبي بقتل إسرائيليين هما أهرون بنيت ونحاميا لافي، في ما بدأ كهجوم طعن. بعد ذلك قام حلبي بأخذ السلاح من أحد المصابين وفتح النار، حتى قام أفراد شرطة تواجدوا في المكان بإطلاق النار عليه وقتله ليصبح أول “شهيد” لما تُسمى بـ”إنتفاضة القدس”، وفي نواح كثيرة بطلا بالنسبة للرأي العام الفلسطيني.

بعد شهر من ذلك، في تظاهرة أمام جامعة “القدس” في أبو ديس، رأيت المئات من الشبان الفلسطينيين يرتدون بفخر قميصا يحمل صورة حلبي.

في الأسبوع الماضي، نشرت حماس معطيات تصف موجة العنف: قُتل 249 فلسطينيا بنيران إسرائيلية، 160 منهم خلال هجمات أو محاولات هجمات و89 خلال تظاهرات.

من بين الـ -160، هناك 111 قُتلوا خلال هجمات طعن، 24 في هجمات دهس، و14 في هجمات إطلاق نار، 10 في هجمات طعن وإطلاق نار ومنفذ هجوم واحد قُتل في عملية إنتحارية.

عدد القتلى الأكبر كان في عاصمة الإنتفاضة الغير رسمية، الخليل – 76. القدس حلت في المركز الثاني بـ -40 قتيلا، تلتها رام الله مع 35، وجنين مع 21، ونابلس مع 16، وبيت لحم مع 15، وطولكرم مع 5، وسلفيت مع 4، ومن ثم قلنديا مع اثنين وقتيل واحد من أريحا.

إذا أضفنا المئات من الشبان الفلسطينيين الذين تم إعتقالهم في العام الماضي وهم في طريقهم لتنفيذ هجمات كما زُعم، أو أولئك الذين تم إعتقالهم قبل مغادرتهم منازلهم من قبل أجهزة الأمن الإسرائيلية والفلسطينية، فهذه الأرقام سترتفع.

مع ذلك، كانت هذه إنتفاضة لم يشارك فيها الجزء الأكبر من الجمهور الفلسطيني. الحشود لم تخرج إلى الشوارع، وبقي معظم الفلسطينيين في منازلهم.

حتى في أكثر الأيام إضطرابا من أكتوبر ونوفمبر 2015، شاركت آلاف قليلة فقط في احتجاجات في الضفة الغربية، جزء صغير جدا من ال2.4 مليون فلسطيني الذين يعيشون في المنطقة.

وعلى عكس الإنتفاضة الثانية، فإن العلاقة بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية لم تتغير بشكل كبير. التنسيق الأمني لا يزال مستمرا وتحسن في بعض الحالات، وبإستثناء حالات نادرة جدا، عناصر أجهزة الأمن التابعة للسلطة الفلسطينية لم تنفذ أي هجمات. النسيج الحساس للتعاون الإقتصادي بقي سليما، وفي الواقع مع اتفاقيات الكهرباء والبريد والهواتف الخلوية وخط أنابيب الغاز إلى غزة، شهد تحسنا.

بالتالي فإن محاولات حماس في تأجيج نيران العنف فشلت فشلا ذريعا. ولكن الحركة حققت انتصارا كبيرا في السياسة الفلسطينية الداخلية من خلال جعل رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس وحركته “فتح” يبدوان أقل شعبية في الضفة الغربية.

بحسب كل إستطلاع رأي تم إجراؤه في الأشهر الأخيرة، يرغب سكان الضفة الغربية بإستقالة عباس من منصبه ورؤية حدوث تغيير في القيادة. إذا تم إجراء إنتخابات في الضفة الغربية بين فتح وحماس، ستفوز الأخيرة (في حين أن النتائج في غزة ستكون عكسية). مكانة عباس في الرأي العام الفلسطيني في أدنى مستوياتها، وفي طرق كثيرة يستعد المسؤولون في فتح لليوم ما بعد عباس.

مشاركة عباس يوم الجمعة في جنازة الرئيس الإسرائيلي السابق شمعون بيريس بالتأكيد لن تساعد على تحسين مكانته. فقد تم توجيه إنتقادات غير مسبوقة إليه على مشاركته، من ضمنها دعوة بالموت من قبل محمود الزهار، أحد قادة حماس في غزة، وهو تعبير إستثنائي حتى في سياق العداء بين حماس وفتح.

حتى الرجل المسؤول عن العلاقات العامة في السلطة الفلسطينية، أسامة منصور أبو عرب، الذي يعرف جيدا الجانب الإسرائيلي وصلات السلطة الفلسطينية به، كتب في تدوينة له على فيسبوك بيانا ندد فيه بوصول عباس إلى المقبرة في جبل هرتسل، قبل أن يتم إعتقاله من قبل أجهزة الأمن في السلطة الفلسطينية.

يوم السبت تحدث عباس من بين لحم وتعهد بأن السلطة الفلسطينية ستحاول الحصول على عضوية كاملة في الأمم المتحدة. بدا عليه التعب والإنهاك، وبالنسبة للرأي العام، كان هذا الوعد مجرد كلام.

في غضون ذلك تنتظر حركة حماس، وكذلك الأمر بالنسبة لخصوم عباس في فتح، وعلى رأسهم محمد دحلان، للوقت المناسب للإنقضاض.

في الأسبوع الماضي أجل دحلان حدثا في القاهرة لمناصريه. الحكومة المصرية منحت دعمها للحدث، وكان ذلك بمثابة بصقة في وجه عباس. في رد على ذلك، منعت السلطة الفلسطينية زوجة دحلان، جليلة، من دخول قطاع غزة، وقام عباس بإقالة أربعة أعضاء من المقربين لدحلان في فتح.

بالنسبة لدحلان وآخرين في فتح وحماس، فإن هذه التفاصيل الصغيرة لن تغير الكثير. بالنسبة لهم، عصر عباس ولى وانتهى بشكل غير رسمي، حتى لو لم تكن النهاية رسمية بعد. السؤال الذي لا يزال ينتظر إجابة هو من سيكون الملك الجديد.