قد تنتصر الفطرة السليمة في نهاية المطاف. بعد كل الأنباء عن الأزمات، كانت حقيقية أم لا، بدأت تتدفق أمس (الخميس) الأنباء عن تقدم حقيقي في المحادثات بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية والولايات المتحدة. أكدت واشنطن أنه تم تضييق الفجوات بين الجانبين ولكن لم يتم التوصل إلى اتفاق بعد. وبالفعل، من مصلحة كل المشاركين في المحادثات، من دون شواذ، الوصول إلى انفراج يسمح باستمرار المفاوضات السياسية حتى نهاية العام على الأقل. حكومة إسرائيل برئاسة بنيامين نتنياهو، والسلطة الفلسطينية والشخص الذي يقف على رأسها- محمود عباس وطبعا وزير الخارجية الأمريكي جون كيري، جميعهم يريدون هذا الاتفاق وجميعهم بحاجة إليه. من دونه، من المتوقع أن تقع إسرائيل تحت ضغط دولي كبير وتصعيد في الارهاب، وستدخل السلطة الفلسطينية في المجهول (مع خطر الانهيار)، وقد يتحول كيري إلى نكتة حزينة. ومع ذلك، على الأقل بحسب الجانب الفلسطيني الخبير في خيبات الأمل- الفروق لا تزال كبيرة.

على الأقل يبدو أن هناك تغيير معين في شخصية كيري. No more Mr. nice guy. الشخص الذي حاول لعب دور الحاضنة التي تفصل بين الأطفال المتنازعين لم يستطع التحمل أكثر من ذلك يوم الثلاثاء. إن الصورة التي وصف من خلالها في شهادته أمام الكونغرس الأسباب التي أدت إلى “انفجار” المحادثات، كانت دقيقة ووجه فيها اصبع الاتهام إلى إسرائيل. كيري حدد عمليًا أن “إسرائيل هي التي بدأت” الشجار الأخير. الحقائق واضحة فعلا: في 29 مارس كان من المفترض ان تقوم إسرائيل بإطلاق 30 أسيرا ضمن الدفعة الرابعة بما في ذلك عرب إسرائيليين، ولكن إطلاق الأسرى تأخر. ومضى يوم وتلاه يومان آخران وأدرك الفلسطينيون حينها أن إسرائيل تقوم بالمراوغة،ويعود ذلك بالأساس إلى مخاوف رئيس الحكومة من ردود الفعل في اليمين. وعندها دخل إلى الصورة لاعب آخر. وزير الإسكان، أوري أريئيل، الذي أخذ على نفسه مهمة تفجير المحادثات. يبدو أن الصفقة التي تتم صياغتها بشأن إطلاق 400 أسير فلسطيني، بالإضافة إلى تجميد جزئي للبناء في المستوطنات، بالإضافة إلى إطلاق الدفعة الرابعة (مقابل تمديد المفاوضات) لم تعجب أريئيل على أقل تقدير فقرر القيام بعملية “قتل مستهدف” للمفاوضات. وبذلك، في حين تتم صياغة صفقة أمريكية من شأنها أن تحل العقدة، أعلن أريئيل عن مناقصة جديدة لشقق سكنية في القدس الشرقية. أدرك أريئيل أنه لن يتجرأ أي شخص في “البيت اليهودي” على انتقاده وكذلك رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو. فرغم كل شيء يدور الحديث هنا عن عاصمتنا الأبدية الموحدة إلى الأبد. وقد يكون قدر طبعا أن إعلان المناقصة سيؤدي إلى أزمة في المحادثات أو ربما وقفها. وسائل الإعلام الإسرائيلية، لسبب أو لآخر، لم تلاحظ كل ذلك حيث سارعت بتبني رواية مكتب رئيس الحكومة وباتهام السلطة الفلسطينية من دون تردد بانفجار المحادثات.

هذا الأسبوع أيضًا، بعد أكثر من أسبوع من طلب رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس (أبو مازن) الانضمام إلى 15 منظمة ومعاهدة دولية، من الصعب التحديد ما إذا كانت هذه الأزمة حقيقية وما إذا كان الطرفان يتجهان نحو المواجهة أو أن هذه مجرد تمثيلية كبيرة لإسرائيل والفلسطينيين. تكمن المشكلة في أنه حتى لو كان هذا الانفجار مصطنعا، فقد يتحول بسهولة إلى حقيقي وخطير. ولكن حتى هذه اللحظة، تتواصل المحادثات وعلى عكس أجواء الأزمة في وسائل الإعلام، فإنها تتقدم بصورة إيجابية. بحسب مصادر فلسطينية رفيعة المستوى، فإن الخلاف بين الأطراف بشأن تمديد المحادثات يتعلق بتجميد المستوطنات: يطالب الفلسطينيون بتجميد كامل، بينما الإسرائيليون على استعداد لتجميد جزئي فقط. في غضون ذلك فإن الخطوات التي تقوم بها أطراف معينة على الأرض، تزيد من أجواء التوتر وعدم الثقة بين الجانبين.

على سبيل المثال، الأمريكيون، صحيح أن كيري صدق في وصفه، ولكن يبدو أنه نسي شعار إذاعة “غلغلاتس” المعروف، “عند إدارة المفاوضات لا تكن صادقًا، كن ذكيًأ.” تصريح كهذا، والذي يلقي باللائمة على الجانب الإسرائيلي، وفي وقت كهذا، لن يكون مفيدا لجهود استئناف المحادثات، ولكن على العكس. في الوقت الذي يتم فيه الحديث عن أجواء إيجابية في المحادثات، حتى أن تلميحًا كهذا من شأنه أن يزيد من تصلب مواقف الجانب الفلسطيني. وزارة الخارجية الأمريكية فهمت ذلك أيضًا وقامت بإرسال المتحدثة باسمها إلى الصحافيين لتوضيح أن كيري ألقى باللوم على كل الأطراف وليس فقط على إسرائيل. ولكن كان ذلك قليلا جدا ومتأخرا جدا. وماذا عن الفلسطينيين؟ بالطبع لا يمكن تجاهل مسؤوليتهم عن الوضع الصعب للمفاوضات. قد يكون التوجه المعلن بشكل كبير من جانب عباس للانضمام إلى منظمات دولية، قد عاد عليه بالفائدة في الرأي العام الفلسطيني ولكنه أضرت بشكل كبير في احتمالات تمديد المفاوضات. ومع ذلك، حاولت السلطة على الأقل وقف انهيار المحادثات ومن اجتماع جامعة الدول العربية خرج بيان معتدل جدًا، حيث جاء فيه تأييد لاستمرار المفاوضات بحسب الجدول الزمني الذي تم تحديده.

ومن الصعب مقاومة عدم التحدث عن عجائب الحكمة الإسرائيلية. في بداية الاسبوع ركز مكتب رئيس الحكومة على العقوبات التي سيتم فرضها على السلطة ردا على خطوة أبو مازن. كانت هناك قيود ستفرض على شركة المحمول “وطنية” في نشر الهوائيات في غزة وإدخال تكنولوجيا الجيل الثالث للضفة الغربية. تم التشديد أيضًا على العلاقة العائلية لأبناء عباس مع هذه الشركات. كأن أحدهم يحاول أن بجبر أبو مازن على عدم النزول عن الشجرة التي تسلقها، لأنه إذا قام بفعل ذلك سيتم اتهامه في الرأي العام الفلسطيني بأنه قام بذلك بدوافع شخصية. في الوقت نفسه أرسل بلاغ إلى مكتب وزير الشؤون المدنية في السلطة، حسين الشيخ، جاء فيه عن تخفيض مستوى التنسيق واللقاءات بين إسرائيل والسلطة. من الآن فصاعدًا لن تكون هناك لقاءات بين مسؤولين فلسطينيين وبين وزراء ومدراء شركات إسرائيليين وكل التنسيق ستتم إدارته من خلال مكتب منسق عمليات الحكومة في الأراضي الفلسطينية، العميد يوآف (بولي) مردخاي. مع مرورو الايام، عندما أدركوا في مكتب نتنياهو أن الخطوة “الدرامتيكية”، لم ينظر إليها على أنها تشكل تهديدًا أو أنها ذات معنى، تسربت قائمة بعقوبات إضافية تم إعدادها مسبقًا في حال قامت السلطة الفلسطينية بالتوجه إلى الأمم المتحدة مرة أخرى.
السخف هنا يكمن في أن هذه التهديديات لن تجبر السلطة الفلسطينية على التراجع. بل على العكس، سيحاول الجانب الفلسطيني أن يثبت لجمهوره بأنه لا يرضخ للضغوطات الإسرائيلية. هذا هو الحال أيضًا بالنسبة للتوجه إلى المنظمات والمعاهدات ال-15. بالرغم من المطالبة التي لا هوادة فيها لوزير الخارجية أفيغدور ليبرمان برجوع السلطة عن قرارها، قبل موافقة إسرائيل على تمديد المفاوضات، قال لي مسؤول في السلطة الفلسطينية في رد واضع وبلغة عبرية جيدة جدًا: “انسوا ذلك، هذا لن يحدث. لقد دخلنا يوم السبت.” ويبدو أنه بالغ أيضًا وقد تتراجع السلطة عن عدد من طلبات العضوية على الأقل.