منذ بداية العام، برزت المنطقة المحيطة بمستوطنة يتسهار مرة أخرى كبؤرة للعنف ضد الفلسطينيين والمنظمات اليسارية والقوات الإسرائيلية.

يوم الأحد قال مسؤول أمن لتايمز أوف إسرائيل إن سكان يتسهار والمستوطنات المحيطة في منطقة السامرة بشمال الضفة الغربية، وبالأساس بؤرة “كومي أوري” الاستيطانية غير القانونية، ارتكبوا أكثر من 150 حادثة عنف منذ الأول من يناير.

وقع آخر هذه الهجمات خارج بؤرة كومي أوري مساء السبت، حيث قام حوالي 30 من سكان البؤرة الاستيطانية برشق الجنود بالحجارة واعطاب اطارات المركبات العسكرية. ويبدو أن أعمال الشغب كانت ردا على اعتقال اثنين من المستوطنين، أحدهما من سكان يتسهار يشتبه بأنه قام بتهديد قائد كتيبة الاستطلاع في لواء المشاة “غولاني” في الجيش الإسرائيلي. وزُعم أن الآخر حاول إضرام النار في حقل يمكله فلسطينيون.

وأثار الإعتداء على الجنود الإسرائيليين ليلة السبت إدانات واسعة من جميع الأطراف – من اليمين والمنظمات الممثلة للمستوطنين وصولا إلى منظمات غير حكومية ليبرالية – لكن كان من المتوقع اتخاذ إجراءات عقابية أو قانونية محدودة فقط ردا على ذلك.

حتى صباح يوم الأحد، لم ترد أنباء عن تنفيذ اعتقالات.

أصدرت الأوامر لكتبية تابعة لشرطة حرس الحدود بالانتشار بالقرب من مستوطنة يتسهار كرادع ضد المزيد من الأنشطة العنيفة التي يقوم بها سكان البؤر الاستيطانية في المنطقة، وفقا لما ذكرته قناة “كان” الإسرائيلية يوم الأحد، ولم تؤكد الشرطة هذا التقرير بعد.

مركبة عسكرية تم تخريبها خلال أعمال شغب قام بها مستوطنون بالقرب من مستوطنة يتسهار في الضفة الغربية، 20 أكتوبر 2019 (Courtesy)

لم تكن هذه هي المرة الأولى التي يتم فيها اعتبار مستوطنة يتسهار بؤرة لعنف المستوطنين الإسرائيليين، حيث يُنظر إلى هذه المستوطنة على هذا النحو منذ سنوات. لكن المسؤولين المحليين يصرون على أن سكان يتسهار ليسوا مصدر هذه الظاهرة، بل ما يُدعى “شبان التلال” الذين يتدفقون على التلال المحيطة وينشئون مواقع استيطانية غير قانونية عليها.

ويشمل هذا العنف إلقاء الحجارة على الفلسطينيين والقوات الإسرائيلية؛ إعطاب المركبات وإلحاق أضرار بالمنازل والمحلات التجارية في القرى الفلسطينية المحيطة؛ وحرق أو قطع أشجار الزيتون والحقول الزراعية التي يمتلكها فلسطينيون. يشار إلى هذه الهجمات عادة على أنها هجمات “تدفيع ثمن”، حيث يزعم مرتكبوها أنها رد على هجمات فلسطينية أو سياسات للحكومة يعتبرونها معادية لحركة الاستيطان.

امتنعت القوات الإسرائيلية عموما عن اعتقال ومحاكمة “شبان التلال”، إما لتجنب نقاش سياسي بشأن الإرهاب اليهودي أو عدم قدرة شعبة الشرطة الإسرائيلية بالضفة الغربية على التحقيق الفعال في هذه الجرائم. بدلا من ذلك، تمثلت الطريقة الأساسية لاحتواء أو مواجهة عنف المستوطنين في إصدار أوامر تقييدية من قائد المنطقة الوسطى في الجيش الإسرائيلي ضد نشطاء شبان التلال وإبعادهم عن المنطقة.

نظرا لأن هذه الأوامر تصدر من الجيش الإسرائيلي، الذي يعتبر قانونا صاحب السيادة في الضفة الغربية، فإن المتطلبات القانونية بالنسبة للجيش أقل بكثير من إجراء مماثل تتخذه محكمة مدنية إسرائيلية، مما يجعله أداة يكون استخدامها أسهل وأبسط بالنسبة لقوات الأمن مقارنة بالأدوات القانونية المتاحة لتطبيق القانون في إسرائيل.

في بعض الحالات، كما حدث هذا الأسبوع، تم نشر قوات إضافية من شرطة حرس الحدود في المنطقة لتعمل كرادع ضد عنف المستوطنين ولمنع أي اضطرابات بين الإسرائيليين والفلسطينيين قبل أن تتدهور إلى عنف أكثر خطورة.

ولم يتم طرح مبادرات أخرى طويلة الأجل أو بعيدة المدى للتصدي لعنف شبان التلال بحلول مساء الأحد.

في حالات شهدت اندلاع عنف من قبل المستوطنين في الماضي، كثفت القوات الإسرائيلية بشكل مؤقت من إجراءات تطبيق القانون أو عززت من قواتها في المناطق الإشكالية في محاولة لتهدئة التوترات، لكنها سرعان ما قامت بتقليص هذه الإجراءات بمجرد عودة الهدوء.

تصعيد في مستوى العنف

شهد الأسبوع الماضي تصعيدا ملحوظا في مستوى العنف بشمال الضفة الغربية في محيط مستوطنة يتسهار.

يوم الأربعاء الماضي، هاجمت مجموعة من المستوطنين الملثمين المسلحين بقضبان حديدية التي أتت من منطقة يتسهار ناشطا إسرائيليا يبلغ من العمر 80 عاما، يُدعى موشيه يهوداي، وهو حاخام من التيار الإصلاحي، ومجموعة من المتطوعين الأجانب بمعظمهم ساعدت مزراعين فلسطينيين في موسم قطف الزيتون السنوي في قريتي بورين وحوارة بشمالي الضفة الغربية.

الناشط في منظمة ’حاخامات من أجل حقوق الإنسان’، موشيه يهوداي، الذي تعرض بحسب المنظمة غير الحكومية لاعتداء من قبل مستوطنين ملثمين في شمال الضفة الغربية، 16 أكتوبر، 2019. (Rabbis for Human Rights)

وأصيب يهوداي، وهو ناشط في منظمة “حاخامات من أجل حقوق الإنسان”، جراء تعرضه للضرب في الذراع والرأس، وتم نقله إلى مركز “مئير” الطبي في كفار سابا مع كسر في اليد. المتطوعون الأربعة الآخرون الذي أصيبوا كانوا من الولايات المتحدة وبريطانيا ودول أوروبية أخرى، بحسب عامل ميداني في منظمة “يش دين” اليسارية الإسرائيلية.

في بيان صادر عن مستوطنة يتسهار ألقت المستوطنة باللوم على “استفزازات تسبب بها نشطاء اليسار المتطرف” الذي اقتربوا من المستوطنة، وهو ما شكل بحسب البيان “خطر أمنيا”.

وجاء حادث السبت على خلفية اعتقالات أثارت غضب سكان يتسهار والبؤر الاستيطانية المحيطة: عملية الاعتقال الأولى كانت يوم الأربعاء عندما ألقت قوات الأمن القبض على مراهق يشتبه بضلوعه في نشوب حريق في حقل يمتلكه فلسطينيون بالقرب من منزله. وادعى محامي القاصر أن الضابط من لواء غولاني الذي ألقى القبض على الفتى استخدم قوة غير ضرورية في القبض على موكله، الذي تم إطلاق سراحه بعد يومين ووضعه رهن الحبس المنزلي.

في المساء نفسه، قُبض على مراهق ثان في منطقة يتسهار بعد أن قال الجيش إنه هدد قائد لواء المشاة “غولاني”، اللفتنانت كولونيل أيوب كيوف.

وقال الجيش في بيان بشأن الاعتقال الثاني، “يوم الجمعة تجمع العديد من السكان وأغلقوا الطريق أمام مركبة عسكرية عند مدخل المستوطنة في يتسهار”، وأضاف البيان، “فتح أحد المستوطنين باب السيارة وهدد ركابها. في ظهر هذه المرحلة، ظهر قائد الوحدة، الذي كان في المركبة، وغادر المستوطنون المنطقة”.

وقال الجيش إنه تمت معالجة الحادث بالتعاون مع الشرطة الإسرائيلية والقيادة المحلية للمستوطنين، مما أدى إلى اعتقال الشاب.

صورة توضيحية: جنود إسرائيليون يقفون امام مستوطنين إسرائيليين ملثمين يقومون بإلقاء الحجارة على متظاهرين فلسطينيين، خلال مظاهرة ضد البناء في بؤرة استياطنية إسرائيلية بالقرب من قرية ترمسعيّا الفلسطينية ومستوطنة شيلو، شمال رام الله في الضفة الغربية ، 17 أكتوبر 2019 (JAAFAR ASHTIYEH / AFP)

تاريخ من العنف

ولطالما اعتبرت مستوطنة يتسهار بؤرة للعنف القومي اليهودي، حيث أشار مسؤول دفاعي إلى أن المستوطنة التي يقيم فيها حوالي 1500 شخص كانت “ملجأ لشبان التلال” في العام الماضي.

وقال المسؤول، الذي تحدث مع تايمز أوف إسرائيل شريطة عدم الكشف عن اسمه، إنه بالإضافة إلى المستوطنين المارقين من يتسهار، شارك طلاب من المعهد الديني “عود يوسف حاي” في المستوطنة هم أيضا في تنفيذ جرائم كراهية على مر السنين.

في يوليو الماضي، اشتبكت مجموعة مستوطنين من كوبي أوري مع قوات الأمن الإسرائيلية خلال تنفيذ الأخيرة عملية تفتيش روتينية في بؤرة استيطانية متاخمة، مما أسفر عن إصابة عنصر من شرطة حرس الحدود وموظف في وزارة الدفاع خلال العملية.

شرطية من شرطة حرس الحدود بعد تعرضها لإصابة في الرأس جراء إلقاء حجارة من قبل مستوطنين إسرائيليين من بؤرة استيطانية متاخمة لمستوطنة يتسهار بشمال الضفة الغربية، 17 يوليو، 2018. (Israel Police)

ولم تكن هناك لوائح اتهام أو إدانات ضد المتورطين في الهجوم.

وشهد ربيع عام 2014 أيضا اندلاع أعمال عنف كبيرة كان مصدرها في منطقة يتسهار.

في إبريل من ذلك العام، قام حشد ضم عشرات المستوطنين بتدمير معسكر للجيش الإسرائيلي ردا على هدم خمسة مبان غير قانونية في يتسهار.

خلال المواجهة، هدد المستوطنون الجنود، جميعهم جنود احتياط، وطلبوا منهم الوقوف جانبا لتجنب تعرضهم للأذى. وقال مسؤول عسكري في ذلك الوقت إنهم بدأوا في تدمير ممتلكات الجيش في المستوطنة.

وأصيب ثمانية أشخاص، بينهم ستة من عناصر شرطة حرس الحدود، وتم تدمير جميع المعدات العسكرية في الموقع، بما في ذلك الخيام ومعدات التدفئة ومرحاض وخزان مياه.

ولم تكن هناك لوائح اتهام أو إدانات ضد المتورطين في الهجوم.

في حالات نادرة، أثارت أحداث العنف هذه إدانة علنية ضد يتسهار والبؤر المحيطة بها من قبل أعضاء في مؤسسة الدفاع الإسرائيلية.

في نوفمبر الماضي، قالت مسؤولة كبيرة في الإدارة المدنية، وهي هيئة تابعة لوزارة الدفاع التي تحكم الشؤون اليومية في المنطقة C الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية في الضفة الغربية، إنه ينبغي على الجيش ألا يستمر في التعامل مع المستوطنة المتطرفة كما لو أنها مجتمع سكاني عادي.

قائدة المنطقة الوسطى الميجر جنرال نداف بادان يقوم بجولة في شمال الضفة الغربية، 20 أكتوبر، 2019. (Israel Defense Forces)

في رسالتها، التي نشرتها هيئة البث العام الإسرائيلية “كان”، انتقدت الضابطة الكبيرة في الإدارة المدنية، عيديت زارغريان، قائد المنطقة الوسطى لما اعتبرته استعداده لتلبية طلبات يتسهار بالكامل، على الرغم من أحداث العنف الصادرة عن سكان المنطقة.

وكتبت زارغريان، “لا يمكننا الاستمرار في معاملة يتسهار بمعايير مزدوجة: تعزيز القضايا المدنية، وفحص الطلبات الفريدة من السكان، وإيجاد حلول مبتكرة لمشاكلهم إلى جانب الانتهاك المستمر لسيادة القانون من قبل السكان”.

وقد دافعت مجموعات يمينية وسياسيون في اليمين بقوة عن يتسهار، مؤكدين على أن المتورطين في أعمال العنف لا يمثلون المستوطنة ككل.

وقال رئيس حزب اليمين “البيت اليهودي”، رافي بيرتس، “يخدم سكان يتسهار كجنود احتياط ويقومون بأعمال تطوعية وهم صهاينة صالحون. إنه لأمر محزن أن هناك مثيري شغب يلطخون اسم المستوطنة ويضرون بحركة الاستيطان بأكملها”.

وأشار العديد من المدافعين عن المستوطنة، بمن فيهم وزيرة العدل السابقة أييليت شاكيد، إلى أن يتسهار تحتل عادة المركز الاول في عدد التبرعات بالكلى على صعيد البلاد.

وكتبت على تويتر، “علينا التمييز بين [مثيري الشغب] وسكان يتسهار، أصحاب الرقم الأعلى على مستوى الدولة في عدد المتبرعين بالكلى”.

واستخدم المشرعون من اليمين نبرة مشابهة لتلك التي استخدمها بادان، الذي انتقد هو أيضا أحداث العنف الأخيرة، لكنه أكد على أنها تم تنفيذها من قبل “مجموعة صغيرة” من منتهكي القانون الذين لا يمثلون مستوطنة يتسهار.

المتحدث السابق باسم الجيش الإسرائيلي، بيتر ليرنر، وصف بيان بادان “بالضعيف”، وقال على تويتر إن إصرار قائد المنطقة الوسطى على النظر إلى “مجموعة قليلة” من الشبان لا تمثل يتسهار على أنها أساس المشكلة، على عكس مستوطنة يتسهار، التي لم تتخذ إجراءات ضدهم لسنوات، هو ما سمح لأعمال العنف بالاستمرار.