لم تنته معركة البوابات الإلكترونية من قبل رؤساء الدول أو مدبري الهجمات. كان مسؤولو الأوقاف قد أعلنوا صباح يوم الخميس أن الوضع السابق في الحرم القدسي قد عاد، وأنه يمكن الصلاة فيه. بعد أن أعلنوا أنهم لن يدخلوا الحرم للصلاة طالما تواجدت البوابات الإلكترونية.

يوم الأربعاء، اجتمع ممثل الأوقاف مع رئيس شرطة القدس يورام هاليفي وقدم له قائمة مطالبهم المتمثلة بـ : إزالة بعض من السياج، وخمسة كاميرات، وبعض السقالات المعدنية التي من المخطط استعالها لتركيب كاميرات أكثر تطورا في المستقبل، وإعادة فتح مداخل الحرم الخمسة المغلقة. واحدا واحدا، تعاملت الشرطة مع كل من تلك المطالب، في حين ادعت أنها لم تتفاوض مع الأوقاف. في الواقع، فإن هذا صحيحا. لم تكن هناك مفاوضات. الشرطة ببساطة فعلت ما طلبه الأوقاف.

كما قال أحد المسؤولين في الأوقاف في مؤتمر صحفي عقده مع زملائه صباح يوم الخميس: “الوقف مسؤول بشكل مباشر وله الكلمة الأخيرة (عندما يتعلق الأمر بالحرم القدسي). يجب أن لا يتدخل الإحتلال”. وهذه هي النقطة الأساسية هنا، مهما كانت مثيرة للقلق: السيادة الإسرائيلية على الحرم القدسي لديها حدود واضحة، ومن الأذكى عدم محاولة تخطيها.

كان من الممكن حل هذه الأزمة في وقت سابق. في البداية، أصرت إسرائيل على ضرورة اتخاذ الاحتياطات الأمنية بما في ذلك البوابات الإلكترونية عند مداخل الحرم القدسي. وجاء ذلك في اعقاب الهجوم الذي وقع في 14 تموز/يوليو الماضي حيث قتل عنصري شرطة اسرائيليين خارج الحرم حيث استخدم المنفذون أسلحة تم تهريبها الى الحرم القدسي. لكن بسرعة كبيرة، أصبح واضحا أن تكلفة استمرار تشغيل البوابات الالكترونية كانت أكبر من تكلفة إزالتها، وبالتالي تم اتخاذ قرار في وقت متأخر من يوم الاثنين أنه من الأفضل الاستسلام في هذا الجانب.

يقود مسؤولو الوقف صلاة المسلمين خارج الحرم القدسي في البلدة القديمة في القدس في 16 يوليو / تموز، مع البوابات الاكترونية في الخلفية. (Yonatan Sindel/Flash90)

يقود مسؤولو الوقف صلاة المسلمين خارج الحرم القدسي في البلدة القديمة في القدس في 16 يوليو / تموز، مع البوابات الاكترونية في الخلفية. (Yonatan Sindel/Flash90)

لكن بعد ذلك استغلّ الجانب الفلسطيني الوضع. أولا كان الأوقاف، الذي أصر على أن إزالة البوابات الالكترونية غير كافية، وجاء بقائمة مطالب أدامت الأزمة لمدة ثلاثة أيام أخرى.

محمود عباس آخر

إن التحول الأكثر حدّة في هذه الأزمة من الجانب العربي يتعلق برئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس. في الواقع، فإن تحول سياسة عباس خلال الأيام القليلة الماضية هي واحدة من أهم التطورات منذ سنوات. مع كل الاحترام الواجب للرئيس التركي رجب طيب أردوغان ولجماعة حماس التي تحكم قطاع غزة، واللذات تبعا خطا يمكن التنبؤ به، موقف عباس هو الأكثر إثارة للدهشة والأخطر.

منذ أن تولى منصبه في يناير/كانون الثاني 2005، كان موقف عباس بشأن العنف واضحا: معارضه شديدة. ودعا شعبه مرارا وتكرارا الى عدم استخدام العنف، وعدم اعلان انتفاضة. حتى انه وصف التنسيق الامني للسلطة الفلسطينية مع اسرائيل بأنه “مقدس”. صحيح انه لم يعالج التحريض ضد اسرائيل وواصل دفع منفذي الهجمات في السجون الاسرائيلية. غير أنه لا يمكن تجاهل دوره وأجهزته الأمنية في الحرب ضد الإرهاب في الضفة الغربية. وقد أحبط موظفيه مئات الهجمات في السنوات الأخيرة. العديد من الإسرائيليين، بمن فيهم الجنود والمستوطنون، مدينون بحياتهم له.

لكن هذا الأسبوع شيئا ما تغير. اعلانه بأنه سيوقف التنسيق الأمني مع اسرائيل ليس اعلانا فارغا، رغم ادعاءات البعض بالعكس. لقد توقف التنسيق الأمني، مع بعض الاستثناءات.

قرر عباس اعلان حرب. لم يستخدم هذه العبارة، ولكن كان من الواضح أنه لو ظل الحرم القدسي مغلقا ونظم تنظيم فتح مظاهرات جماهيرية في أنحاء الضفة الغربية كما كان مقررا يوم الجمعة، بموافقة عباس، فإن ذلك سيؤدي إلى إراقة الدماء واحتمال تصاعد العنف.

عباس (82 عاما)، والذي كان قد سلط الضوء حتى الآن على التزامه بالسعي إلى السلام في كل فرصة، غير مواقفه. وقد فعل ذلك بعد أن قررت إسرائيل إزالة البوابات الالكترونية.

لماذا في هذا الوقت بالذات؟

على ما يبدو، يشعر عباس بخيبة أمل كبيرة – من إسرائيل والأردن ومصر وكل لاعب آخر، بما في ذلك الولايات المتحدة – وتم دفعه إلى اليأس. وجاءت اكثر صفعة لاذعة تلقاها من الاردنيين الذين سمحوا لحارس الامني زيف وبقية موظفي السفارة الاسرائيلية بعد الحادث المميت هناك بالعودة الى اسرائيل, والذين توصلوا الى تفاهم مع اسرائيل حول ازالة الكاميرات والبوابات الالكترونية، دون إبلاغه. تم كشف السلطة الفلسطينية بعدم اهميتها وهامشيتها الكاملتين. كان هناك شعور بأن الحرم القدسي يختفي من سيطرتها ويندرج تحت التعامل الحصري مع الأردنيين.

إضافة إلى مشاكله، كان يواجه عباس أيضا قوى فلسطينية داخلية التي تقوضه باستمرار، وهي حماس ورئيسه السابق للأمن ومنافسه المرير محمد دحلان.

فى غزة فى وقت مبكر من يوم الخميس عقد اجتماع للبرلمان الفلسطينى مع ممثلين عن حماس ومن معسكر دحلان فى فتح, ولكن بدون مؤيدين لعباس من حركة فتح. تكلم دحلان في الجلسة بالفيديو. يواصل دحلان جهوده للتوصل إلى اتفاق مع حماس، بدعم من مصر والإمارات العربية المتحدة وغيرها، كل ذلك مع غياب كامل عباس لعباس من الصورة.

نتيجة لكل هذه الأمور. جاء قرار عباس باختيار المواجهة مع إسرائيل من أجل إنقاذ موقفه السياسي. لذلك قال رئيس السلطة الفلسطينية يوم الاربعاء لنائبه فى فتح محمود العلول، وجبل المحيسن المسؤول عن التنظيم فى اللجنة المركزية لفتح, ان يقودا أعمال التنظيم يوم الجمعة. أي شخص يعرف تاريخ التنظيم يعرف ما الذي ينطوي عليه ذلك – المظاهرات الجماهيرية، العنف، واحتمال كبير لاستخدام الاسلحة. الانتفاضة، مثلما حدث في أيلول/سبتمبر عام 2000.

ثم جاء إعلان الوقف صباح الخميس ، وهم صناع القرار في هذه الأزمة، أن الصلوات سوف تستأنف في الحرم القدسي، تاركين عباس مهمشا مرة أخرى. ماذا يمكن أن يطالب الآن؟ بماذا سيطالب شعبه بعد أن تمت تلبية جميع مطالب المصلين؟ إذا لم تكن هناك أحداث غير متوقعة في اللحظة الأخيرة، فإن على السلطة الفلسطينية أيضا أن تعود إلى الوضع السابق وتستأنف تنسيقها الأمني ​​مع إسرائيل.

لكن عندما تندلع الأزمة القادمة، ينبغي للمرء أن يتوقع شخصية مشاكسة أكثر من عباس والذي لن يتردد في إرسال الجماهير إلى الشوارع. كان مستعدا للقيام بذلك مهذه رة. من المفترض أن يكون مستعدا للقيام بذلك مرة أخرى.

نتنياهو بحاجة إلى العرب

أما بالنسبة للجانب الإسرائيلي، فإن التطورات التي حدثت في الأيام القليلة الماضية سلطت الضوء على إشكالية عمل رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في أوقات التوتر والأزمات. سوف يرغب نتنياهو بنسيان الأسبوعين الماضيين.

الأمور وصلت الى الحضيض عندما وضع “مصدر للشرطة” نتنياهو في مكانه، خلال حديث الى الصحافيين صباح يوم الخميس. كان نتنياهو قد سرب معلومات يوم الاربعاء أنه أصدر تعليمات الى وزير الأمن العام جلعاد اردان أن يضمن فحص جميع المصلين يدويا قبل دخول الحرم القدسي. كان رد مصدر الشرطة هو أن هذه التعليمات غير قابلة للتنفيذ. أو، بكلمات أخرى: أنسى ذلك، فإن الأمر لن يحدث.

يبدو أن الشرطة أقرت بأن رئيس الوزراء كان يحاول تحديد سياسة الحرم القدسي على اساس الاستطلاعات – اظهر استطلاع القناة الثانية ليلة الثلاثاء ان الاسرائيليين يشعرون بعدم الرضا عن ازالة البوابات الالكترونية ومعالجة رئيس الوزراء للازمة – وليس بناءا على الاعتبارات الأمنية.

لقد قام نتنياهو بتزوير وتجاهل تحذيرات قادة الشين بيت والجيش الإسرائيلي وحتى زملائه في مجلس الوزراء مثل وزير البناء يواف غالانت، وهو جنرال سابق الذي شكك قبل أسبوع من جدوى استخدام بوابات الكترونية عند قدوم عشرات الآلاف للصلاة.

اختار نتنياهو أن يستجيب لمستخدمي تويتر اليمينيين الذين طالبوا بعدم تقويض السيادة اليهودية في الحرم القدسي والمحافظة على احترام إسرائيل لنفسها. في نهاية المطاف، اعترف نتنياهو بحدود السلطة، ولكن بعد أن تسبب أيضا في إلحاق أضرار بسياسة إسرائيل الخارجية مع تعامله المؤسف مع حادث السفارة الأردنية. الاستقبال الحار الذي بثه الاعلام والذي قدمه امس الثلاثاء الى الحارس الامني زيف – الذي هاجمه شاب اردني, فأطلق النار دفاعا عن النفس وقتل مهاجمه واردني بريء آخر – كان يشبه البصق في وجه الاردنيين. وبصراحة، قام نتنياهو بتصميم الترحيب بمساعدة مكتبه للعلاقات العامة، ولكن على حساب الضرر الذي لحق بإسرائيل. ذكرت وسائل الاعلام الاردنية صباح الخميس ان دبلوماسيي السفارة الاسرائيلية لن يسمح لهم بالعودة الى عمان حتى يتم توجيه الإتهام الى زيف.

من الواضح أن مكتب رئيس الوزراء يتمتع بفائض من المستشارين والخبراء في الشؤون الأمريكية، ومسائل الليكود، والاقتصاد والسياسة الإسرائيلية. لكن يبدو أن هناك نقصا في عدد الناطقين باللغة العربية الذين كان بإمكانهم أن يهمسوا في أذن نتنياهو، قبل ظهور الصورة مع زيف ان يتوقف عن نشرها. سيسبب هذا ضررا خطيرا لعلاقاتنا مع الأردن.

نتنياهو ليس الزعيم الإسرائيلي الوحيد الذي لم يدير الأزمة بشكل جيد. لقد اختفى وزير الدفاع افيغدور ليبرمان ببساطة طوال فترة الازمة. ليبرمان الذي يكون عادة ثرثارا، كان صامتا، وسمح لكل شخص أن يرتكب الحماقات خلال الأزمة. لو كان لدى إسرائيل وزير دفاع مع المزيد من الخبرة العسكرية والأمنية والتفاهم والاهتمام، لكان هذا الصوت عاليا وربما ساعد نتنياهو على تجنب بعض الأخطاء، والتعرج، والضرر. قد يدرك إردان والشرطة الآن بشكل أفضل أن قادة الشين بيت وضباط الجيش الإسرائيلي اللذان تمت السخرية منهم لديهم خبرة في الأمن.

لسوء الحظ، لا يمكن للمرء أن يجادل مع استنتاج زعيم البيت اليهودي نفتالي بينيت وأصدقائه من اليمين: قدرة الردع الإسرائيلية قد تضررت بالفعل في هذه الأزمة. فالفلسطينيون – الجمهور وصانعو القرار – يشعرون بضعف الجانب الإسرائيلي، ولا سيما من رئيس وزرائها. للأسف، ومع ذلك، أصبح استسلام الحكومة ضرورة نظرا للتهديد الذي يسود في الأفق من سفك الدماء. في بعض الأحيان يجب أن نعرف متى ننسحب.