مع استقالة وزير الدفاع أفيغدور ليبرمان، يتولى بينيامين نتنياهو الآن أهم ثلاث مناصب في الحكومة الإسرائيلية: رئيس الوزراء ووزير الخارجية ووزير الدفاع.

لكن بحسب الطريقة التي وصف فيه ليبرمان وفقا لتقارير طريقة الحكم في إسرائيل لزملائه في الساعات ال24 الماضية فإن معظم القرارات الحاسمة لطالما كانت وبشكل روتيني لنتنياهو ونتنياهو فقط، حيث ضمن رئيس الوزراء أغلبية تلقائية في ما يُفترض أن تكون أهم هيئة اتخاذ قرارات في البلاد، المجلس الوزاري الأمني المصغر (الكابينت) بأعضائه ال12.

بحسب تقرير اشتكى ليبرمان لزملاء لم تذكر أسمائهم أن “الأمر كله مراوغة”، وفقا لما ذكرته شبكة “حداشوت” الإخبارية ليلة الأربعاء. “نحن نجلس في الكابينت، أو نجري مشاورات أمنية، ويتم اتخاذ قرارات”. ولكن لا يوجد هناك نقاش حقيقي، ولا توجد طريقة من الممكن من خلالها أن تتم المصادقة على اقتراحات تختلف عن اقتراحات نتنياهو، كما أشار.

في جلسة الكابينت الأمني التي استمرت لسبع ساعات يوم الثلاثاء، “حدث شيء هائل”، كما قال ليبرمان بحسب التقرير: نفتالي بينيت، الذي يسعى إلى أن يكون خليفة ليبرمان في وزارة الدفاع، “أيد اقتراحي” – الذي كان كما يبدو يدعو إلى عدم قبول إسرائيل لاتفاق وقف إطلاق النار ومواصلة استهداف الجماعات الإرهابية في غزة. “ولكننا لم نطلب إجراء تصويت لأنه لم تكن هناك أغلبية لنا… كل العصابة، [الوزراء] كحلون وغالانت وإردان وكاتس، اصطفوا مع بيبي”.

في رد على هذه المزاعم، نُقل عن مساعدين لنتنياهو في البث نفسه تأكيدهم على أن تفضيل رئيس الوزراء وقف التصعيد في القتال الذي استمر 48 ساعة كان مقنعا لأنه طرح حججا “ملموسة للغاية” تدعم “الضرورة في تهدئة الأمور في هذه المرحلة”. في الوقت الذي تصرف فيه ليبرمان بشكل “غير مسؤول… مثل سياسي” في الاستقالة من منصبه الحساس للغاية، لوضع نفسه في وضعية أفضل قبل الإنتخابات القادمة، فإن نتنياهو وغالبية أعضاء الكابنيت، كما قال هؤلاء المساعدين الذين لم تُذكر أسمائهم، “اختاروا الحنكة السياسية”.

رئيس الوزراء بينيامين نتنياهو (من اليسار) ووزير الدفاع أفيغدور ليبرمان في الكنيست، 24 أكتوبر، 2017. (Yonatan Sindel/ Flash90)

بغض النظر عن الرواية التي تختارون تصديقها، فإن كلاهما تؤكدان على وضع نتنياهو الذي لا ينازعه أحد في دفة قيادة إسرائيل. واستطلاع رأي سريع أجرته شبكة حداشوت، أجري مباشرة بعد إعلان ليبرمان عن استقالته، أشار إلى الشيء نفسه.

يوم الأربعاء كان واحدا من أحلك أيام نتنياهو السياسية – رئيس الوزراء اليميني الذي تخلى عنه ليبرمان، وزير دفاعه الأكثر يمينية منه، يواجه انتقادات من بينيت، شريكه الأكثر يمينية والذي لا يزال في الإئتلاف، لعدم قيامه بقصف حماس لفترة أطول أو بشكل أقوى. حماس تبدي ابتهاجا بنصرها الظاهري ومئات الإسرائيليين في الجنوب يحتجون في الشوارع، في الوقت الذي هتف فيه بعضهم “بيبي، إلى البيت” وأعلنوا فقدانهم الثقة بشكل لا رجعه فيه به.

ومع ذلك، أظهر استطلاع الرأي، الذي لم تكن نسبة هامش الخطأ متاحة فيه بداية، أن حزب نتنياهو، “الليكود”، الذي يملك 30 مقعدا في الكنيست الحالي، سيفقد مقعدا واحدا فقط ليصل إلى 29، وهو ما  يتركه على بعد 11 مقعدا من أقرب منافسية، حزب “يشد عتيد” برئاسة يائير لابيد مع 18 مقعدا، ولا يزال في أفضل وضع لتشكيل إئتلاف حكومي. ليبرمان، الذي لدى حزبه “إسرائيل بيتنا” خمس مقاعد في الوقت الحالي، سيرتفع باثنين فقط إلى سبعة، في ما يُفترض أن تكون أفضل أوقات وزير الدفاع المنتهية ولايته. حزب “البيت اليهودي” برئاسة بينيت يزيد من قوته، ولكن فقط من المقاعد الثمانية الحالية إلى 11.

مع رحيل ليبرمان، يواجه نتنياهو معضلة حادة: الإستسلام للشرط الذي وضعه بينيت وتعيينه وزيرا للدفاع، أو الدعوة إلى إجراء إنتخابات. هو يتمتع بمهارات وخبرة كبيرة كافية كسياسي تسمح له بالتعامل بحكمة مع معطيات استطلاع الرأي غير الموثوقة، أو الاحتجاجات التي يقوم بها مئات من الإسرائيليين الغاضبين. استطلاع الرأي وجد أن 74% من الإسرائيليين (مقابل 17%) غير راضين عن تعامله مع أزمة غزة الأخيرة. ولكنه سيدرك أن وضعه لا يزال قويا جدا، وأنه لا يوجد في الوقت الحالي أي سياسي يشكل تهديدا حقيقيا عليه.

ولكنه قد يكون أكثر قلقا من السؤال الثاني الذي سألة واضعو الاستطلاع، الذي كان يتعلق بكيفية تصويت الإسرائيليين في حال قرر رئيس هيئة الأركان السابق بيني غانتس دخول السياسة كرئيس لحزب جديد، كما هو متوقع على نطاق واسع. حزب غانتس الغير قائم حتى الآن فاز ب15 مقعدا، بحسب استطلاع الرأي، وسيتسبب بهبوط الليكود إلى 24 مقعدا – وهو ما يمثل انخفاضا مقلقا للغاية للحزب. لكن عادة ما يتمتع رؤساء الأركان السابقين بشعبية كبيرة قبل دخولهم السياسة، وبدرجة أقل بكثير في اللحظة التي يبدأون فيها بإلقاء خطابات.

ما يهم إسرائيل والإسرائيليين حقا، بعد أن أفسح يومان كانت البلاد فيهما على شفا حرب الطريق أما استقالات ومطالبات ومشاحنات سياسية الأربعاء، هو ما إذا كان لنتنياهو بالفعل أسباب مقنعة وملموسة جعلته يقرر عصر الثلاثاء أن هناك لإسرائيل ما تخسره أكثر مما ستكسبه من خلال استمرارها في القتال. في هذا السياق، تجدر الإشارة إلى أن المؤسسة الأمنية لم تكن متحمسة، بحسب ما أشارت إليه الكثير من التقارير، للدفع باتجاه عملية أوسع في غزة.

قوى الأمن وطواقم الإطفاء الإسرائيلي امام منزل يحترق بعد إصابته بصاروخ أطلق من قطاع غزة، في بلدة سديروت في جنوب إسرائيل، 12 نوفمبر، 2018. (Photo by Menahem KAHANA / AFP)

لقد أصبح الواقع اليومي صعبا وبشكل متزايد بالنسبة لجنوب إسرائيل، حيث أن حماس ليست جاهزة وقادرة فقط، بل على استعداد واضح أيضا لإطلاق وابل كثيف من الصواريخ وإجبار عدد هائل من الإسرائيليين على دخول الملاجئ في أي لحظة تختارها، وأن تُدخل بين هذه اللحظات نوبات صغيرة من إطلاق الصواريخ وأعمال شغب كبيرة على الحدود وهجمات حرق متعمد على البلدات والقرى والحقول في الجنوب.

إذا كان رئيس الوزراء ووزير الخارجية ووزير الدفاع لا يرى حقا طريقا لتغيير هذا الواقع القاتم، فلا يوجد لديه ما يخشاه سياسيا. قد لا يكون الإسرائيليون راضين عن نتنياهو في الوقت الحالي، ولكن لا يزال هو الرجل الذي يرونه قادرا على ايجاد حل لغزة. إلا أن تحديد طبيعة هذا الحل، بعد جولة اخرى مروعة وغير حاسمة من العنف مع الإرهابيين في غزة، لا يزال صعبا كما كان دائما.