خلال نقاش أجري مؤخرا حول تقرير الأمم المتحدة بشأن حرب غزة الأخيرة والذي صدر الإثنين، تفاجأ مسؤول إسرائيلي رفيع المستوى من سماع هذا الصحفي يصفه بـ”غدولستون 2″.

شعر المسؤول الإسرائيلي، وهو على دراية وثيقة بالأعمال الداخلية لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، أنه لا يمكن مقارنة التحقيق في حرب الصيف الفائت بما يسمى بـ”تقرير غولدستون” والذي تم إطلاقه من قبل مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة قبل 6 أعوام، بعد جولة مشابهة من العنف مع غزة.

قوبل تقرير غولدستون بإستنكارات إسرائيلية صارخة وغاضبة. ولكن الإثنين، عندما نشرت القاضية ماري مكغوان ديفيس نتائج التحقيق، كان رد فعل الحكومة الإسرائيلية على الرغم من عدم رضاها، أكثر هدوءا.

التقرير الجديد، كما يبدو، ليس بغولدستون آخر.

عندما تم نشر تقرير غولدستون عام 2009، كانت إسرائيل “مذعورة وخائبة الأمل”. حيث أشارت إلى أن التقرير “يتجاهل حق إسرائيل في الدفاع عن النفس، ويأتي بإدعاءات غير مثبتة حول نيتها ويشكك بقيم إسرائيل الديمقراطية وحكم القانون”. لكن ذروة التقرير كانت في إتهام غولدستون (الذي تراجع عنه بعد ذلك) بالقتل المتعمد للمدنيين من الجانب الإسرائيلي.

لكن جهود مكغوان المتعلقة بصراع 2014 – على الرغم من تعاطفها المضحك مع أنفاق حماس وإستنتاجها السخيف بأن التهديدات المسبقة لحماس بإطلاق صواريخ تشكل إنذارا – تعرض وجهة نظر أكثر دقة.

(مع ذلك) فإن المسؤولين الإسرائيليين لن يقولوا ذلك صراحة، ولكن على الرغم من هجمات القيادة السياسية الشرسة على مجلس حقوق الإنسان وتحيزه، فقط أبدى موظفو وزارة الخارجية الإسرائيلية في ردهم الأولي على الوثيقة المكونة من 180 صفحة حذرا أكثر من ذلك الذي كان في رد فعلهم على غولدستون.

لأن نتائج غولدستون كانت جائرة بشكل صارخ بحق إسرائيل، فلم يتطلب الأمر جهدا كبيرا لتكذيب التقرير، بحسب ما قال المسؤول الرفيع.

وقال المسؤول أن “ما كان ’رائعا’ بشأن تقرير غولدستون أنه كان من السهل جدا إنتقاده”، والقول بأنه “كارثة”.

وأضاف المسؤول، “من المفارقات أنه كلما كان التقرير أكثر توازنا كلما كان من الممكن أن يسبب ضررا أكبر – لأنه سيكون من الأصعب تكذيبه”، وكانت أقواله هذه قبل نشر تقرير مكغوان ديفيس.

كان من الممكن تخفيف بعض هذه الأضرار لو كانت إسرائيل، في أعقاب إستقالة رئيس اللجنة السابق ويليام شاباس – قد استوعبت أن كاتبة التقرير الجديدة لا تملك سجلا من الإنحياز ضد إسرائيل؛ وبالتالي، قد تكون القدس حققت بعد النجاح لو قامت بشرح الحقائق لها.

في تعليقها الأولي على تقرير مكغوان الإثنين، إمتنعت الوزارة عن الخروج بإدعاءات كبيرة ضد دقة التقرير، ولكنها أشارت إلى أن لجنة تقصي الحقائق “افتقدت للأدوات والخبرات اللازمة لإجراء فحص مهني وجدي لحالات النزاع المسلح”.

يعود ذلك، في جزء منه على الأقل، إلى رفض إسرائيل التعاون مع لجنة التحقيق. مع إنتشار عناوين تتهم إسرائيل بإرتكاب جرائم حرب حول العالم مرة أخرى، قد يكون لنقاش داخلي حول مدى فعالية سياسة عدم التعاون مع تحقيقات المجلس ما يبرره.

يدعي مسؤولون في الحكومة الإسرائيلية أن تفويض لجنة التحقيق بحد ذاته يبين بشكل واضح أن إسرائيل لن تحصل على محاكمة عادلة. وبالفعل، فإن قرار مجلس حقوق الإنسان الذي تم تشكيل بعثة تقصي الحقائق على أساسه، التي تمت المصادقة عليها في شهر يوليو، أدان “بأشد العبارات الإنتهاكات واسعة النطاق والمنهجية والصارخة لحقوق الإنسان الدولية والحريات الأساسية الناجمة عن العمليات العسكرية الإسرائيلية في غزة”.

تعاونت إسرائيل مع التحقيق الخاص بالأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون في عملية “الجرف الصامد”، ولكن المسؤولين في القدس شعروا أن أية مكاسب محتملة يمكن لإسرائيل تحقيقها من خلال تفسير وجهة نظرها للجنة التحقيق التابعة لمجلس حقوق الإنسان لن تكون كافية للتعويض عن الأضرار من إضفاء الشرعية على مجلس حقوق إنسان متحيز بشكل ميؤوس منه.

مسؤول إسرائيلي كبير قال أنه “بالنظر لطبيعة الهيئة والتفويض الذي منحته للجنة التحقيق، شعرنا بأن قيمة إعطائها شرعية ستكون [أسوا بالنسبة لنا] مما [ بإمكاننا كسبه من] الأمل في تحسين التقرير”.

علاوة على ذلك، رأى الكثيرون في الحكومة أن نسخة إسرائيل لما حدث متاحة للجمهور وبقدر كبير من التفصيل على موقع وزارة الخارجية، لذلك إذا أراد من يرغب ب”تقصي الحقائق” الأخذ بها بعين الإعتبار بجدية فبإمكانه القيام بذلك بسهولة من دون تفاعل إسرائيل مباشرة مع اللجنة.

هذا الخط من الحجج كان مقنعا طالما أن شاباس كان يقف على رأس اللجنة. فبغضه لإسرائيل وقيادتها الحالية كان واضحا وموثقا. ولكن فور إستقالته من المنصب في خضم إتهامه بالتحيز وبعد أن حلت مكغوان محله، لربما كان من الجيد إعادة تقييم الموقف الإسرائيلي.

من الواضح أن المسؤولين الإسرائيليين كانوا يأملون بأن المعلومات التي تم عرضها ستكون كافية لإقناعها بأن إسرائيل عملت بموجب القانون الدولي. وتمنوا أيضا منها أن تتعلم من خطأ غولدستون وتعترف بأن عدم قدرتها على تقصي كل الحقائق سيمنعها من الحكم على الأحداث التي أُصيب فيها فلسطينيون ولكن ظروفها غير واضحة.

تبين أن هذه الرغبات أو الإفتراضات لم تكن في محلها. طوال التقرير تصف مكغوان حالات عدة كهذه، وتتساءل لماذا لم تتخذ إسرائيل ما تعتبره هي الإحتياطات القانونية اللازمة لمنع وقوعها.

تقريرها يشير إلى أن اللجنة درست عددا من الحالات حيث “هناك معلومات قليلة أو لا تتوفر معلومات حول سبب إعتبار مبان سكنية، والتي هي لأول وهلة أجسام مدنية حصينة من الهجوم، أهدافا عكسرية مشروعة”.

ويواصل التقرير أنه في كل هجوم على مبنى سكني، “تقع المسؤولية على إسرائيل” لتفسير سبب إعتباره هدفا مشروعا. ويرى التقرير أنه إذا استهدف قصف منزلا من دون أهداف عسكرية بشكل متعمد “من شأن ذلك أن يرقى إلى إنتهاك مبدأ التمييز” وبالتالي يشكل جريمة حرب.

في “معظم الحالات” التي تمت فيها مهاجمة مبان سكنية، كان بالإمكان التوقع أن “معظم أفراد العائلة سيكونون في المنزل”، بحسب التقرير. لذلك، “أي قائد يفكر بشكل منطقي يجب أن يكون مدركا بأن هجوما كهذ سيسفر على الأرجح عن عدد كبير من الضحايا بين المدنيين”. ولكن بما أن إسرائيل فشلت في تفسير لماذا كانت كل حالة مفيدة عسكريا، كما جاء في التقرير، “هناك مؤشرات قوية إلى أن هذه الهجمات قد تكون غير متكافئة، ولذلك ترتقي إلى جريمة حرب”.

من الصعب رفض فكرة أن تعاون إسرائيلي رسمي كان من الممكن أن يؤثر إيجابا على هذه الإستنتاجات.

على نحو مناف للعقل، يرفض التقرير قبول التأكيد على أن الصواريخ التي تم إطلاقها من غزة بإتجاه إسرائيل كانت تستهدف المدنيين، مقتبسا الرفض الإسرائيلي بتحديد موقع سقوطها بالضبط. في حين أن مكغوان ديفيس تكتب أنها تتفهم بأن إسرائيل لا يمكنها الكشف عن معلومات كهذه لأسباب أمنية، لكنها تقول أنه في غياب هذه المعلومات فإن اللجنة غير قاردة على “تحديد إلى أي مدى [كانت] هذه الهجمات تستهدف المدنيين في إسرائيل”. مرة أخرى، هل كان من الممكن أن يشكل تعاون رسمي إسرائيلي فرقا هنا؟

على المستوى العاطفي ليس من الصعب فهم رفض إسرائيل التعاون مع لجنة تقصي الحقائق التي رأت بأن تقريريها مكتوب مسبقا ومنحاز.

ولكن بالنظر إلى النتائج الفعلية – تقرير للأمم المتحدة يضع حماس وإسرائيل على نفس المستوى الأخلاقي – قد يكون الوقت قد حان لتعلم دروس 2009. قد تتراجع مكغوان ديفيس عن بعض تأكيداتها بعد بضع سنوات من الآن. ولكن الضرر سيكون قد وقع عندها.