دخل وقف إطلاق النار بين حماس وإسرائيل حيز التنفيذ يوم الثلاثاء الماضي، وأطلق أسبوعاً من التكهنات المحمومة حول من إنتصر في الصراع الذي إستمر 50 يوماً. قد يكون من الصعب تحديد المنتصر، ولكن تحديد الخاسرين لن يكون بهذه الصعوبة. إلى جانب الضحايا على الجانبين، أحد الخاسرين الواضحين كان علاقة إسرائيل مع الولايات المتحدة.

في 27 يوليو، بعد ثلاثة أسابيع من إنطلاق الحرب، وبعد أن رفضت حماس المقترح المصري وقبل وفاة معظم الذين قُتلوا في هذه الحرب، إلتقى وزير الخارجية الأمريكي جون كيري نظيريه القطري والتركي في باريس في محاولة للخروج بصيغة تغري حماس لوقف إطلاق النار.

نتج عن محادثات باريس صيغة أولية، فعلياً جدول أعمال لقضايا تعني حماس وإسرائيل والتي سيتم تداولها في محادثات القاهرة برعاية مصرية. قامت الولايات المتحدة بإرسال هذه الوثيقة بسرعة لرئيس الوزراء بينيامين نتنياهو “للتعليق عليها والمساهمة فيها”.

صُدم المسؤولون الأمريكيون من الرد الإسرائيلي، بعد أن أثار محتوى المسودة غضبه، أرسل نتنياهو النص إلى الأعضاء الثمانية في المجلس الوزاري الأمني، حيث تم التصويت ضده بغالبية 8 مقابل 0. تم تسريب الأخبار عن محتوى الوثيقة وإستياء المجلس الوزاري المصغر الإسرائيلي بسرعة، وبدأ الإعلام الإسرائيلي بالتكهن ما إذا كانت الولايات المتحدة تتعمد تقويض الموقف الإسرائيلي.

إعتقدت الولايات المتحدة أن الوثيقة هي بمثابة تشاور سري، ولكن شعور نتنياهو بالفزع الشديد من محتواها – وكذلك أعضاء المجلس الوزاري المصغر المفضلين لدى أمريكا، وزيرة العدل تسيبي ليفني ووزير المالية يائير لابيد – دفع به إلى إتخاذ قرار بإستخدامه وإرسال رسالة إلى أمريكا وحماس. لن تكون هناك أية تحفيزات وأية عروض قبل توقف الإسلاميين عن إطلاق النار بإتجاه إسرائيل.

كانت الولايات المتحدة تعتقد أنها تضع كل رصيدها السياسي وتحالفاتها الإقليمية في خدمة وصفة إسرائيل المفضلة لإنهاء الصراع (المقترح المصري)، وصُدمت من الرد الإسرائيلي الغير دبلوماسي بالمرة على هذه الجهود.

إسرائيل أيضاً أصيبت بالصدمة وخرجت من الأزمة مع إنعدام ثقة عميق بالنوايا الأمريكية. ساهم الشك في أن كيري أساء فهم إستراتيجية إسرائيل، والخشية من أن المساعدة الأمريكية تم تحديدها (وربما مالت ضد إسرائيل في هذه الحالة) من قبل تحالفات إقليمية أخرى، وذكرى صدامات مماثلة في الماضي بزرع بذور عدم الثقة التي كان حلها عسيراً في الوقت الحقيقي.

كانت الحكومتان تحصدان ما قامتا بزرعه.

الثمن بالنسبة لإسرائيل
ظهر سوء الفهم والتوترات بين الولايات المتحدة وإسرائيل جلياً في صراع غزة، وأصبح ثمنها واضحاً كذلك.

حتى بعد أسبوع من إنهاء الأعمال العدائية، لا تزال إسرائيل وحماس تعملان على تحديد الصراع كإنجاز بالنسبة لهما. لتأكيد روايتها بشأن الخسارة المدمرة لحماس، تسعى إسرائيل لفرض أكثر الأدلة الدامغة التي يمكن حشدها والتي تظهر هذه الخسارة على حماس – مطالبة عربية ودولية موحدة بنزع سلاح المنظمة.

تعتقد إسرائيل أن هذا الهدف قابل للتحقيق، وإذا كان ذلك فقط لأن الكثير من اللاعبين يفضلونه. الرابح الأكبر من نزع سلاح غزة ستكون السلطة الفلسطينية، التي ستستعيد السيطرة على غزة والسياسة الفلسطينية بشكل عام، والسياسة الفلسطينية إتجاه إسرائيل.

ولكن أفضل أمل لإسرائيل في تشكيل إتفاق دولي بشأن نزع سلاح غزة لا يمكن تحقيقه في إتفاقات ثنائية مع هذه الدول، التي لا يزال البعض منها يعارض رسمياً وجود إسرائيل.

في الأسبوع الماضي، إقترحت وزيرة العدل تسيبي ليفني أن تسعى إسرائيل إلى إستصدار قرار في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة يطالب بنزع سلاح حماس. تمرير قرار كهذا سيوضح للعالم – وللغزيين – الشروط التي ستسمح بموجبها إسرائيل ومصر بإعادة بناء غزة، ويظهر أن المجتمع الدولي يؤيد هذا الموقف. (ولا حاجة للقول أن نزع السلاح هو الطريق الوحيدة الممكنة لإعادة غزة إلى أيدي السلطة الفلسطينية، ومن دونها سيكون تحقيق سلام شامل بين إسرائيل والفلسطينين مجرد تصور بعيد).

ولكن الدبلوماسيين الإسرائيليين سارعوا بالتحذير من أن قرار كهذا لن يكون بلا ثمن، عملية الصياغة في الأمم المتحدة – الذي يشرف على معظمها أعداء إسرائيل، وما تبقى منه تشرف عليه أطراف أكثر ودية ولكن مع ذلك تقوم بتوجيه إنتقادات شديدة لإسرائيل – ستشهد لغة وإضافة تأكيدات إلى القرار تتعارض مع مصالح إسرائيل وروايتها للصراع.

بكلمات أخرى، قد ترتد الخطوة على إسرائيل. في الواقع، من شبه المؤكد أن ترتد عليها – من دون أمريكا.

من خلال حق النقض والتحالفات، ستجد الولايات المتحدة سهولة أكبر من التي ستجدها إسرائيل في رعاية قرار نزع سلاح من خلال مجلس الأمن بإمكان إسرائيل تحمله ولا يمكن حماس من التظاهر، كما فعلت في كثير من المناسبات في الأسابيع الأخيرة، بأنه “انتصار” آخر.

ولكن حقيقة أن المسؤولين الإسرائيليين والأمريكيين واجهوا العديد من المتاعب في إدارة سياسة دبلوماسية مشتركة في لحظة حرجة كهذه بالنسبة لإسرائيل توضح مطبات أزمة إنعدام الثقة الشبه دائمة بين القدس وواشنطن. إن ذلك يبيين أن الحكومتين لا تتواصلان بشكل جيد في أعلى المستويات، وأن ذلك يؤدي إلى تشكيك كل طرف بدوافع الطرف الآخر والتساؤل حول الإعتمادية المتبادلة والقدرة على التنبؤ لديهما، وهذا يحد من قدرتهما على التعاون في مصالح مشتركة.

في هذه الحالة، قد تتسبب هذه الصعوبة الواضحة التي تواجهها الإدارتين في العمل معاً بنزع أفضل فرصة من إسرائيل في إعادة صياغة الرواية الدولية حول الصراع بطريقة تضع فيه مسؤولية أي فشل في المستقبل في إعادة بناء غزة على الأعداء من حماس بشكل مباشر. التوتر والانهيار في العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل، بكلمات أخرى، قد تمنع من إسرائيل تحقيق ما قد يكون انجازها الأعظم والوحيد في الحرب الاخيرة، بما أن نوع الحرب الغير نظامية والنفسية التي خاضتها حماس لا يتم الفوز به من خلال صفوف الدبابات، ولكن من خلال اختزال عنيد لا يعرف الرحمة لاحتمالات الطرف الآخر ليس فقط في الساحة العسكرية، ولكن في الساحة الدبلوماسية والنفسية أيضا.

الثمن بالنسبة لأمريكا

بالطبع أن الولايات المتحدة تعاني بشكل أقل من إنهيار الثقة، للسبب البسيط أن أمريكا نفسها، ومصالحها، أكبر بكثير. ولكن أمريكا أيضا ستخسر من فشل المسؤولين الإسرائيليين والأمريكيين تنسيق سياسة في وقت الحرب بنجاح – وأكثر من ذلك، ربما لإدارة أوباما أكثر من سابقاتها.

الكاتب الأمريكي اليساري بيتر بينارت وصف الرئيس الأمريكي باراك أوباما بأنه “معتدل شرس”

ويكتب بينارت في “ذي أتلانتيك” يوم الإثنين، “عندما يتعلق الأمر بالشرق الأوسط فأوباما ليس بحمائمي وليس من الصقور. إنه معتدل شرس. قام جورج دبيلو بوش بتعريف ’الحرب على الإرهاب’ بشكل واسع بطريقة أنفق بها بإسم مكافحة الإرهاب كميات كبيرة من الدم والأموال في قتال مع أشخاص لا يملكون القدرة أو الرغبة في مهاجمة الولايات المتحدة… على النقيض من ذلك، إستراتيجية أوباما – سواء أحببتها أم لا – محددة بشكل واضح. بالإمكان أن يموت مئات الآلاف في سوريا؛ بإمكان طالبان تهديد وزعزعة إستقرار أفغانستان؛ بإمكان إيران الإقتراب أكثر من الحصول على قنبلة. لا يهم. مع إستثناءات نادرة، يستل أوباما سيفه أمام أشخاص يعتقد هو أنهم قد يفكرون بقتل أمريكيين”.

هذه القراءة لسياسة أوباما، من قبل مراقب يدعم عادة سياسته، توضح أن أمريكا تحت قيادة أوباما لم تعد تعتمد بشكل كبير كما كانت في السابق على قوتها العسكرية للتأثير على الشؤون العالمية. بدلاً من ذلك، يعتمد البيت الأبيض على النفوذ الدبلوماسي والإقتصادي الذي تتمتع به الولايات المتحدة لكونها قوة كبيرة وغنية.

يقترح التشديد على الدبلوماسية أن على الدبلوماسيين الأمريكيين تحمل عبء أكبر الآن. تحت قيادة بوش، مهمتهم الأساسية كانت أن يشرحوا بطريقة مقنعة الأهداف والمبادئ التي تقف وراء إستخدام الإدارة للقوة الصلبة. الآن البنية السياسية للعالم الذي تقوده أمريكا يمسك بها دبلوماسيون لا يستطيعون الإعتماد على قوة إقناع النيران الأمريكية لإيصال رسالتهم. قوة النيران لا تزال موجودة طبعاً، ولكن العالم الذي يجلس على الطاولة مقابل الدبلوماسيين الأمريكيين يدرك أكثر وأكثر أنها لن تستخدم هذه القوة.

ولذلك على الدبلوماسيين الأمريكيين أن يحاولوا سد الفجوة التي تركها إنخفاض شهية بلادهم في اللجوء إلى القوة الصلبة من خلال المواهب الهائلة والإستخبارات (في المفهومين). في الوقت الذي تقل فيه قوة الفرض الأمريكية، تزداد أهمية مصالح الدولة وإحتياجاتها السياسية، ولذلك على ممثلي أمريكا أن يصبحوا أفضل في التأكد منها وتفسيرها.

يجب أن يظهر جزء من إعادة التشديد الأمريكي الذي يسير بخطى بطيئة ولكن بشكل واضح على الدبلوماسية للعالم المتشكك أنه في أوقات تراجع الإلتزامات العسكرية فإن الصداقة الأمريكية الدبلوماسية والإقتصادية لا تزال تشكل رصيدا قيماً لإنه يمكن الإعتماد عليها.

ولكن لا يساعد أن يجد حليف كإسرائيل، التي يتم تعريفها دائما وبوضوح بأنها واحدة من “أعز أصدقاء” أمريكا، نفسه دائماً في مواجهة مع القوة العظمى، وغالبا ما يدعي أن القوة العظمى أدارت بظهرها له. يتساءل الكثيرون في المنطقة بشكل علني إذا كان ذلك يدل على عدم رغبة أمريكية أكبر أو عدم قدرة على دعم أصدقائها وحلفائها.

يضع المنتقدون عادة رواية سياسة الخارجية الأمريكية في إطار من المصطلحات العاطفية الواسعة – “أمريكا ساذجة”، “أمريكا تفك الإرتباط”، “أمريكا عاجزة”. ولكن هناك حدود لفائدة لغة كهذه. في نهاية المطاف، جزء كبير من تأثير أمريكا وقدرتها على متابعة مصالحها في العالم يعتمد على إدارتها اليومية الفعالة والمدركة لعلاقاتها الدبلوماسية. في غزة والعراق وأوكرانيا أكثر الإنتقادات اللاذعة ليست حول رضوخ الجيش الأمريكي (أو بالأحرى قائده الأعلى) للترويع، بل أن الدبلوماسيين الأمريكيين يتفاجئون مرة تلو الأخرى من الأحداث. إذا قررت أمريكا التي كانت تدير العالم مرة من خلال جيشها نقل هذا العبء إلى دبلوماسييها، فعلى الأخيرين القيام بعمل أفضل، وأن يُنظر إليهم كذلك بأنهم يقومون بعمل أفضل.

تعتمد كثير من الأمور الآن على نزع سلاح غزة: شفاء الغزيين وسعادتهم المستقبلية وأمان الإسرائيليين والتصور عند الشرق أوسطيين أن التطرف الإسلامي في تراجع حقيقي في المنطقة. أخيراً، ليس من المفاجئ أن القضية وحدت إسرائيل والسلطة الفلسطينية، فضلاً عن السعوديين والأردنيين والمصريين وغيرهم – أو أن القوتين اللتين تقعان على حدود غزة وضعتا نزع السلاح كشرط مسبق لإعادة بناء القطاع.

لكن تحقيق نزع سلاح غزة، مثل أمور كثيرة أخرى في هذا العالم المرهق، يعتمد بشكل كبير على قدرة أهم قوة في العالم للتفاعل بذكاء وبشكل مثمر مع شريك إسرائيلي قلق في الوقت الحالي، ومنطقة مرتابة وعالم متشكك. هل أمريكا قادرة على القيام بهذه المهمة؟