أ ف ب – يأتي اعدام السعودية الشيخ الشيعي نمر النمر ضمن مقاربة اكثر جرأة تعتمدها المملكة اقليميا لمواجهة خصمها اللدود ايران، لكنه يهدد برفع مستوى التوتر المذهبي وتسعير النزاعات خصوصا في سوريا واليمن.

وبعد ساعات من اعلان المملكة إعدام 47 مدانا “بالإرهاب”، بينهم النمر الذي شكل أحد ابرز وجوه الإحتجاج ضد الحكم السعودي في 2011، اشتدت حدة التوتر بين السعودية وايران، اذ هاجم متظاهرون غاضبون سفارة المملكة في طهران، بينما استدعت الرياض السفير الايراني لديها للاحتجاج على انتقادات بلاده لتنفيذ الاعدام.

كما انتقدت اطراف شيعية في المنطقة اعدام النمر، لا سيما المرجع الشيعي آية الله علي السيستاني، وحزب الله اللبناني.

ويرجح محللون أن يؤدي اعدام النمر الذي أوقف قبل اكثر من ثلاث سنوات، الى زيادة التوتر بين القوتين الاقليميتين الكبيرتين، واللتين تقفان على طرفي نقيض في أزمات كبرى، بينها سوريا والعراق واليمن.

وفي سياق الأزمة، اعلنت وزارة الخارجية الإماراتية الأحد استدعاء السفير الايراني محمد رضا فياض للاحتجاج على “التدخل الإيراني في الشأن السيادي” السعودي و”الإعتداءات التي وقعت على مقار البعثات الدبلوماسية السعودية في طهران ومدينة مشهد”، وفقا لوكالة انباء الإمارات.

أكدت الكويت الاحد وقوفها الى جانب السعودية، معربة عن ادانتها لإقتحام السفارة في طهران.

بدوره، قال مسؤول في وزارة خارجية الكويت، أن بلاده “تقف الى جانب” السعودية و”تأييدها لكافة الإجراءات التي تتخذها للحفاظ على امنها واستقرارها”.

كما ندد “بشدة بالإعتداء” على سفارة السعودية بطهران وقنصليتها في مشهد”.

من جهته، دان اىمين العام لمجلس التعاون الخليجي عبد اللطيف الزياني في بيان “الاعتداءات الهمجية على سفارة وقنصلية” السعودية في ايران محملا السلطات الإيرانية “المسؤولية الكاملة عن هذه الأعمال الإرهابية”.

ويعتبر أستاذ دراسات الشرق الاوسط في جامعة قطر محجوب الزويري أن ايران راهنت سابقا على “تردد السياسة الخارجية والداخلية السعودية”، بيد أن “ما حصل في حوالى سنة قلب الطاولة وجعل الرياض في موقف المستفز لطهران”.

فقبل زهاء عام، اعتلى الملك سلمان بن عبد العزيز العرش في المملكة خلفا للعاهل الراحل عبدالله بن عبد العزيز. ومذاك، يرى محللون وديبلوماسيون غربيون ان الرياض تتبع سياسة خارجية اكثر جسارة.

فالرياض تقود منذ آذار/مارس تحالفا عسكريا عربيا يدعم الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي ضد المتمردين الحوثيين الذين تتهمهم بتلقي الدعم من ايران. كما اعلنت في كانون الأول/ديسمبر، تشكيل تحالف عسكري اسلامي بهدف محاربة “الارهاب”. كما انها تشارك منذ صيف 2014 في الائتلاف الدولي الذي تقوده واشنطن ضد تنظيم الدولة الاسلامية.

ويرى محجوب ان الرياض باتت “تمضي (…) في افعالها ولا تهتم بردود الأفعال”، معتبرا ان ثمة “نوع من الاعتقاد ان السياسة السعودية النشطة والمصممة، هي ما يقود الى تحقيق الاهداف، بما في ذلك الرد على ايران وسياساتها في المنطقة”.

’هروب إلى الأمام’

ويشكل اعدام النمر (56 عاما) أحدث فصول التوتر بين ايران ذات النفوذ الواسع لدى شيعة المنطقة، والسعودية التي تتهمها بالتدخل في شؤون الدول العربية المختلطة مذهبيا كالبحرين والعراق ولبنان.

ويقول المستشار في منظمة البحث الاستراتيجي في باريس فرنسوا هيسبورغ، ان اعدام النمر هو “هروب إلى الأمام”.

ويوضح “هي حال من الهروب إلى الأمام مع بعض العقلانية. اذا كانوا (السعوديون) يعتقدون ان لا مفر من المواجهة مع ايران، الافضل ان يستفزوها الآن طالما ان الاميركيين (حلفاء الرياض) لا يزالون هنا، وايران لا تزال في وضع اقتصادي وعسكري هزيل نسبيا”.

وقوبل الاتفاق حول برنامج ايران النووي الذي توصلت اليه طهران والدول الست الكبرى العام الماضي، بامتعاض من السعودية ودول خليجية اخرى، لا سيما انه سيتيح تخفيفا تدريجيا للعقوبات الاقتصادية المفروضة على طهران، ما قد يسمح لها بالافادة من موارد مالية واقتصادية.

ورغم مواقف ايران من اعدام النمر، واكثرها حدة للمرشد الاعلى آية الله علي الخامنئي الاحد، ابدت السعودية عدم اكتراث بردود الفعل.

وقال المتحدث باسم الداخلية السعودية اللواء منصور التركي في مؤتمر صحافي السبت ان “المملكة عندما تنفذ احكام القضاء الشرعي فيها لا تنظر لاي كان، ولا يعيرها تهديداتهم او تعليقاتهم (…) نحن على ثقة تامة بما نقوم به ولا نهتم لكيفية نظر الآخرين الى الاجراءات المعتمدة لدينا”.

ويحمل اعدام النمر، رسائل الى المعارضين في الداخل ايضا.

وكان شقيق الشيخ نمر النمر محمد، غرد امس عبر “تويتر” قائلا: “انها رسالة خاسرة للصراع الإقليمي تقول: لا زلنا قادرين! وللداخل تقول: ان طالبتم بالحقوق فسيف الجاهلية الأملح على رقابكم”.

وتقول الباحثة في شؤون الشرق الاوسط وشمال افريقيا في “تشاتام هاوس” جاين كينينمونت، ان “قرار المضي في الإعدام يعكس موقفا متشددا في وجه الانتقاد الداخلي، وهو ليس مجرد انعكاس للسياسات الاقليمية”.

تضيف ان النمر “كان ينتقد العائلة المالكة بصوت مسموع”، متوقعة أن يؤدي اعدامه الى “زيادة الإستقطاب السعودي الايراني”.

وتوضح ان “ايران تسعى بشكل متزايد الى وضع نفسها في موقع المدافع عن المصالح الشيعية في العالم (…) والكثير من الشيعة يشعرون بالاستهداف وبانهم في موقع الضحية، لا سيما مع صعود” تنظيم “داعش”الذي استهدفهم في دول عدة، بينها السعودية.

وتعتبر أن “السلطات السعودية سترى رد الفعل الايراني كتأكيد جلي لوجهة نظرها القائلة بتدخل ايران في شؤونها الداخلية”.

انعكاس على المنطقة

ويرى المحللون ان التوتر المستجد بين البلدين، سينعكس حكما على ملفات في المنطقة، يخوض فيها الطرفان ما يشبه “الحرب بالواسطة”.

ويقول الزويري، “هذا التوتر ربما سيدفع ايران الى تنسيق اكثر مع روسيا لمزيد من التعقيد في المشهد السوري”، حيث يدعم البلدان نظام الرئيس بشار الأسد بمواجهة المعارضة المدعومة من دول عدة بينها السعودية.

كما رجح ان “يذهب الامر الى اطالة امد الصراع في اليمن” وتحويله إلى “استنزاف للسعودية، لا سيما مع الإنخفاض الحاد في اسعار النفط الذي ينعكس سلبيا على ايران ايضا”.

من جهته، يرى هيسبورغ ان الخطوة السعودية محفوفة بالمخاطر، موضحا أن السعوديين “يلعبون بالنار، هذا واضح”.