في لقاء مع صحافيين عسكريين يوم الأربعاء، اقتبس ضابط عسكري كبير في الجيش الإسرائيلي مقاطع من خطاب خالد مشعل في شهر مايو. قال مشعل إن قيادة الحركة تلقت رسالته وأن الردّ سيصله عن طريق نشطاء الجناج العسكري، عز الدين القسام. ولمّح الضابط ذاته إلى أن ذلك كان في حقيقة الأمر تعليمات للوحدات الميدانيّة لتنفيذ عملية الإختطاف. إذا كان ذلك صحيحا، فمن غير الفهوم لماذا ركّز الجيش الإسرائيلي جهوده في الضفة الغربيّة في الأسبوع المنصرم. إلى حد كبير فإن الرد الإسرائيلي على عمليّة الأختطاف هو الأسهل من ناحية تنفيذه، ولديه فعالية على المدى القصير.

ظهر الجيش الإسرائيلي ودولة إسرائيل بأنهم “أقوياء على الضعفاء”. لا توجد لدى حماس بنية تحتية قوية وكبيرة في الضفّة الغربيّة ولم تخرج التعليمات بتنفيذ الإختطاف من هنا، من الخليل أو من كلّ مدينة أخرى في الضفّة. يمكن التخمين  أن الأوامر صدرت (إذا كان ذلك ما حدث بالفعل- حتى هذه المرحلة لا توجد لدى إسرائيل أي أدلة عن وجود أوامر كهذه) من قيادة حماس في غزة أو في الخارج. لأحد الناشطين في حماس المفقودين منذ يوم الخميس الماضي والذي يشتبه بأنه على صلة بعملية الإختطاف، هناك أقارب من الخليل والذين تمّ طردهم إلى غزّة في إطار صفقة شاليط. هذا بالطبع ليس بدليل كاف لإثبات تورط قيادة حماس في عملية الإختطاف. ومع ذلك، حسب وجهة نظر الإستخبارات الفلسطينية فإن قيادة حماس في الخارج أو في غزّة هي التي أصدرت التعليمات.

هذه المسألة مهمة في فهم سياسة الرد الإسرائيلي. أي لماذا تركّز إسرائيل جهودها على حماس في الضفة الغربية فقط؟ حيث لا يدور الحديث هنا عن بنية تحتيّة متطوّرة ومعقّدة. في السنوات الأخيرة لا تتمتع الحركة في الضفة بالإزدهار على أقل تقدير. على المستوى العسكري (حتى حالة الإختطاف على الأقل) لم تبيّن الحركة قدرات كبيرة، فالسلطة الفلسطينية لاحقت أفراد ونشطاء الحركة، والأزمة الإقتصادية في غزة تركت بصماتها على الضفّة الغربيّة أيضا، وبشكل عام لم تنجح حماس برفع شعبيّتها في الرأي العام، على الأقل حتى عملية الإختنطاف. وبذلك فإنّ الحملة الإسرائيلية ل “تنظيف الحظائر” لا تثير الإهتمام وقد لا تُثمر عن نتائج بعيدة المدى. فالمعتقلون لا يبدون معارضة على الإطلاق ويقومون بتسليم أنفسهم، وفي المقابل فإن تأييد حماس لم يختف بعد.

على العكس، يؤيّد الكثير من الأشخاص عمليات الإختطاف من أجل إطلاق أسرى فلطسنيين. في غزة نجح ذلك مقابل ثمن باهظ جدا بالنسبة لسكّان غزة. يأمل السكان في الضفّة الغربيّة بتحقيق نتائج مماثلة لصفقة شاليط، ولكن حتّى الآن لم يشعروا بالثمن الذي شعر به سكّان غزّة في حينها، وهذا ما يخشاه السكّان (في الضفة وغزة) حاليا: التصعيد في الحملة العسكريّة من شأنه أن يؤدّي إلى تقسيم الضفة الغربية إلى كانتونات من جديد، تطويق وتفريق لمدن الضفّة المختلفة، وفي نهاية المطاف ضرر كبير للإقتصاد الفلسطيني. إن هذه نقطة حرجة، خاصة على ضوء توقيت الإختطاف: عشرة أيام قبل بداية شهر رمضان. فهذه فترة تسوّق انتظرها الكثير من التجّار على مدى عام. هذه أيّام الوجبات الفاخرة في المطاعم، والحفلات والنزهات العائليّة. قد يصبح كل ذلك جزءا من الماضي إذا قررت إسرائيل توسيع عملياتها في يهودا والسامرة. وعندها من الصعب التقدير ماذا سيحدث لشعبيّة حماس. حتى في الوقت الحالي، حيث لا يٌعتبر حصار الخليل مشدّدا، يرغب الكثير من سكّان المدينة بإنتهاء هذا الوضع والعودة إلى الحياة الطبيعيّة. وإذا تضررت الإستعدادات للعيد بسبب عملية الإختطاف، ليس من المؤكّد إطلاقا أن يزداد الدعم للحركة.

يبدو أن خيار إسرائيل بإطلاق حملة ضد حماس في الضفّة الغربيّة فقط في هذه المرحلة، يعود في جزء منه إلى عدم وجود خيارات أخرى. فالإحباط تأثيره: لم يتم العثور على المختطفين حتى يوم الخميس على الأقل ولم يتم التوصل إلى طرف خيط حول مكان وجودهم. هويّة بعض الخاطفين معروفة ومع ذلك فقد اختفوا من على وجه الأرض مع المختطفين. والشيء الوحيد الذي يمكن عمله هو إظهار قوّة في مواجهة حركة ذات قدرات محدودة في الضفّة الغربيّة أصلا. من هنا تأتي عمليات المسح التي تظهر بصورة جيدة أمام عدسات الكاميرا، والإعتقالات الكثيرة وما إلى ذلك. لكن خلاصة القول هي أن إسرائيل تخشى دخول مواجهة مع من يقف وراء العمليّة- قيادة حماس في غزة أو في الخارج. التصعيد ضد غزّة معناه كما يبدو سقوط صواريخ في تل أبيب. ولا يوجد هناك من يريد رؤية ذلك يحدث في القيادة الإسرائيليّة.

نهاية المصالحة
يوم الأربعاء نجح رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس (أبو مازن) بمفاجئة وزراء خارجية الجامعة العربية المجتمعين في السعوديّة. بالرغم من وجود علامات لذلك. قبل يومين نشرت تصريحات مسؤولون فلسطينيون في السلطة الذين حذّروا من أنّه إذا تبيّن أنّ حماس هي من تقف وراء عمليّة الإختطاف فذلك سيشكل أزمة حقيقية في المصالحة. ومع ذلك، لم يتوقع أحد في حماس تصريحات صاروخية إلى هذا الحد ضد عمليّة الإختطاف ولا حتّى هذا النوع من التهديد من جانب أبو مازن. بحسب أقوال عباس، فإن إختطاف “الفتيان” (وشدد على الكلمة “فتيان” وليس كلمة “مستوطنين”)، جاء لتدمير الفلسطينيين وإلحاق الضرر بهم. مع أنّه لم يذكر كلمة “حماس” ولكن فهم كل الحضور في القاعة وكل من سمعه قصده. الرسالة الموجّهة من السلطة الفلسطينيّة في الأيام الأخيرة تذكّر بتهديد القادة لجنودهم: “لكل يوم سبت نهاية”. بكلمات أخرى، بعد إنتهاء هذه المسألة، سنعرف كيفية التعامل معكم.

محمود عباس امام مؤيديه بعد عودته من واشنطن الى رام الله ٢٠ مارس ٢٠١٤ (أ ف ب/ محمود مومين)

محمود عباس امام مؤيديه بعد عودته من واشنطن الى رام الله ٢٠ مارس ٢٠١٤ (أ ف ب/ محمود مومين)

هذا التغيير في موقف السلطة الفلسطيينة لم يأت من عدم. لقد أدركت قيادة فتح ورئيسها عباس أن حماس تقوم بالتحايل عليهم: إلتزمت بعدم القيام بعمليات، ووافقت على الإنسحاب من الحكومة ولكنها عمليا لا تزال تسيطر على قطاع غزة، وطالبت بأن يدفع أبوم مازن رواتب 40 ألف مستخدم قامت حماس بتوظيفهم في السابق وقامت بكل شيء ممكن لتقويض سلطة عباس. لا تشكّل عملية الإختطاف هذه ضربة قوية لإسرائيل فقط، بل لأبي مازن وللتعهدات التي قام بها للمجتمع الدولي أيضا. وهذه العمليّة وضعته في موقف سخيف. يوم الإثنين تحدّث نتنياهو وعباس هاتفيّا ويبدو أنّه للمرة الأولى منذ فترة طويلة، تغيّرت اللهجة. لم يقم نتنياهو بتوجيه تهديدات، ولم يحاول أبو مازن إتهام الإحتلال. لقد تعهّد بالعمل على إرجاع الفتيان. وبالفعل منذ ذلك الحين تُسمع لهجة مختلفة من الطرفين: يمتنع نتنياهو عن مهاجمة السلطة وأبي مازن، وعباس من جهته يطلق تهديدات ضدّ حماس. أدّى خطاب عباس في السعودية إلى تغيير في لهجة حماس أيضا. فقد قامت مجموعة من قيادة الحركة بمهاجمته واتهامه بأنه يتحدث كـ”متحدث بإسم الجيش الإسرائيلي”.

ما بين التطرف واليأس
يوم الأربعاء توقفتُ في الخليل  بجانب شاب فلسطيني. سألته عن الطريق إلى نقطة معيّنة وطلب مني الإنضمام إلي. لم يدرك بأنني يهودي وواصل الإستماع إلى الموسيقا في هاتفه المحمول عن طريق اليوتيوب. فجأة أدركتُ أن الأغنية بالعبرية. سألته عن الأغنية وقام هو بذكر إسم المغني: نير بن مناحم. وهو مغني شرقي يبدو أنّه احتل قلوب الشباب في الخليل من دون أن يدرك ذلك حتى. وانتقد الشاب، واسمه عصام، حماس وعملية الإختطاف. مشكلة عباس وفتح هي أنّ معظم سكان هذه المدينة، على النقيض من عصام، ليس فقط أنهم لا يستمعون إلى الموسيقا إسرائيليّة ولكنّهم أيضا يعتبرون أن عملية الإختطاف هي خطوة إيجابية وينتقدون الدعم الأمني/الإستخباراتي الذي تقدمه السلطة لإسرائيل، في الوقت الذي يضرب فيه 250 أسير فلسطيني عن الطعام في السجون الإسرائيليّة. هذه المدينة لحماس. فالناس هنا أكثر تديّنا وتطرفا. يوم الأربعاء في ساعات الظهر، أمتلأ مطعم “القدس” المشهور بمأكولاته العربيّة البيتيّة الرائعة بالزوار. في الطابق العلوي ظهرت على التلفزيون قناة حماس التلفزيونيّة، “الأقصى”، حيث بثّت القناة تقريرا خاصا عن إعتقال لصحافي قامت به أجهزة الإستخبارات الفلسطينية في رام الله. ليس الجزيرة، ولا التلفزيون الفلسطيني. لا يزال اللون الأخضر هو اللون الأكثر شعبية.

اشتباكات بين فلسطينيون والجيش الاسرائيلي (غير مرئي في الصورة) في الخليل ١٧ مارس ٢٠١٤ (بعدسة حازم بدر/ أ ف ب)

اشتباكات بين فلسطينيون والجيش الاسرائيلي (غير مرئي في الصورة) في الخليل ١٧ مارس ٢٠١٤ (بعدسة حازم بدر/ أ ف ب)

مازن الغيث، صاحب متجر لأدوات المطبخ المصممة، هو أخ معتقل إداري من حماس المضرب عن الطعام منذ 55 يوما. حسب أقواله لا يفهم الجمهور الإسرائيلي والشاباك مدى تأثير إضراب الأسرى الفلطسينيين. ولكن هذا لا يقارن، حسب رأيه، مع الصور التي تم بثها قبل أسبوع، حيث قامت أجهزة الأمن الفلسطينية بالإعتداء على الشيخ حسن يوسف، من قادة حماس في الضفة، بالضرب. “هذا الإختطاف هو ضد السلطة أيضا”، كما قال لي. بحسب أقواله فقد إلتقى بمركز الشاباك، “كابتن أديب”، مؤخّرا حيث قام الأخير بزيارة إلى منزله. “قلت له، ’أشعر بالأسف عليك وعلى أولادك. سياستكم تقوم فقط بتحطيم القلوب ولا تقوم ببناء التفاهمات’. قلت له أن عليهم تحرير أخي. فسرت له أن الخليل هي مدينة رجال لا يهمهم أي شيء. فهم أصحاب شخصيات قوية، لا يخافون شيئا”. وتدخل أحمد صديقه في النقاش، “إن الخليليين هم أشخاص عدوانيون مع عقول صعبة. لا يستطبع أحد هنا وقف حماس. ولا أجهزة السلطة كذلك. الجميع هنا حماس، وكلهم يأيدون الإختطاف”. دخل إلى الدكان خالد، مع الكثير من الجيل على شعره. “أنا لا أوافق. أعذرني على قول ذلك، ولكن ما يهمّني هو المال ولقمة العيش. هل أنا راض عن الإختطاف؟ لا، أنا لست سعيدا بذلك ولا أريد حدوث ذلك”.