يتحدثان كأي زوجين متدينين صهيونين في إسرائيل: هي تتطوع في الخدمة المدنية للدولة اليهودية وهو جندي مقاتل سابق في الجيش الإسرائيلي. إلا أنهما عربيان مسلمان، وهي، براء، من القدس الشرقية، وزوجها (لم يذكر اسمه) من قرية في الشمال.

براء (20 عاما)، التي تقوم حاليا بالعمل التطوعي في مكتب وزارة الداخلية الإسرائيلية، هي جزء من مجموعة آخذة بالإزدياد بين الشبيبة العرب الذين يتجنبون عقودا من مناهضة التطبيع مع حكومة الغالبية اليهودية الإسرائيلية.

تاريخيا، تقريبا جميع المشاركين في الخدمة المدنية كانوا من النساء اليهوديات من التيار المتدين الصهيوني، اللواتي رغبن في خدمة بلادهم ولكن لأسباب دينية لم يرغبن بالإنضمام إلى الجيش. هؤلاء النساء يحصلن على إعفاء شبه فوري من الجيش، لكن السنوات الأخيرة شهدت ازديادا كبيرا في صفوف الشابات اللواتي يخترن الإنضمام إلى الجيش.

قبل حوالي 6 أعوام، تطوع حوالي 600 غير يهودي في برنامج الخدمة المدنية الإسرائيلي، الذي يقوم خلاله المشاركون بالتطوع لمدة تتراوح بين عام واحد وعامين في مؤسسات عامة مثل المدارس والمستشفيات والمحاكم وعيادات الرعاية الصحية.

في الوقت الحاضر، يقوم حوالي 4,500 غير يهودي بالتطوع في إطار برنامج الخدمة المدنية، من بينهم 100 من القدس الشرقية. هذا العدد هو أكبر بثلاث مرات من أولئك الذي ينضمون إلى البرنامج من الحريديم (1,500)، معظمهم رجال حصلوا على إعفاء من الجيش لأسباب دينية، ولكنهم ما زالوا يرغبون بخدمة بلادهم. هناك أيضا 8,500 متدين صهيوني في برنامج الخدمة المدنية، معظمهم من النساء.

يشكل الإسرائيليون غير اليهود، معظمهم من العرب، حوالي 20% من مواطني البلاد الذين يصل عددهم إلى 8.6 مليون نسمة.

متحدثة أمام مجموعة من الصحفيين في القدس الإثنين، قالت براء بأن زوجها هو الذي ألهمها للتطوع.

لقد رأت المزايا التي يحصل عليها من الدولة بصفته جندي – بما في ذلك المال لإكمال دراسته والرعاية الصحية وفرص العمل – وقررت إنها تريد الشيء ذاته لنفسها.

براء، التي عملت كبائعة في متجر للملابس في القدس الشرقية، عاشت لوحدها في مدرسة داخلية بعيدا عن أسرتها التي أساءت معاملتها، وقالت أن التجربة شجعتها أيضا على أخذ زمام السيطرة على حياتها.

وقالت براء، التي طلبت عدما إظهار وجهها خوفا على سلامتها، “بداية كنت خائفة واعتقدت أن المجتمع العربي لن يقبل بي. عندها قلت لنفسي، ما الذي سأحصل عليه منهم؟ الدولة ستعطيني ما أحتاج إليه”.

أولئك الذين ينضمون إلى برنامج الخدمة المدنية يحصلون على نفس المزايا التي يحصل عليها الجنود، والتي تتضمن: حوالي 800 شيكل (209 دولار) شهريا، رعاية صحية مجانية، استخدام مجاني لوسائل النقل العام، ومنحة بقيمة 11,000 شيكل (2,800 دولار) في نهاية خدمتهم على كل سنة، التي يمكن تخصيصها للدراسة أو شراء منزل. إذا خدموا لمدة عامين، يتم دفع تكاليف دراستهم الجامعية لعام واحد.

بالإضافة إلى ذلك، هناك برنامج خاص متوفر فقط للناطقين بالعربية: برنامج إعداد للجامعة لمدة عام واحد ممول بالكامل. خلال هذا البرنامج، يحصل المشاركون على ما بين 1,500 و3,700 شيكل (393-969 دولار) تبعا لظروف عائلاتهم.

براء، وهي ليست مواطنة إسرائيلية وتحمل فقط مكانة أقامة – مثل معظم النصف مليون عربي في القدس الشرقية – تقول إن علاقتها التكافلية مع الدولة عززت من مشاعرها الوطنية.

“أشعر بالولاء لهذه الدولة. أرى ما تقدمه للناس في المجتمع على الرغم من كل الكلمات القاسية التي تًُقال عن الدولة”، كما تقول.

عندما بدأت براء العمل في وزارة الداخلية، حيث تساعد الناطقين بالعربية في إجراءات مثل تجديد بطاقات الهوية واستخراج وثائق سفر، “وصلت أخيرا إلى الإستقرار الذي كنت أبحث عنه”، كما تقول.

التطوع سرا

في وقت متأخر من إحدى الليالي قبل نحو عام، كان شاب يبلغ من العمر (20 عاما) من مخيم شعفاط في القدس الشرقية يتصفح الإنترنت عندما صادف الموقع الإلكتروني للخدمة الوطنية المدنية الإسرائيلية.

(أ)، 21 عاما، الذي طلب عدم الكشف عن اسمه ووجهه في المقال خوفا على سلامته، اتصل بالمكتب وقال بأنه يرغب بالتطوع. العرض الأول الذي تلقاه هو التطوع في قسم للمرضى النفسيين، وهو الأمر الذي رفضه على الفور. انتظر (أ) الحصول على وظيفة تطوعية في محكمة. خلال وقت قصير تلقى مكالمة طُلب فيها منه القدوم إلى وزارة الداخلية.

وقال (أ)، وهو أيضا ليس مواطنا إسرائيليا ولكنه صاحب مكانة إقامة دائمة في القدس، “لم أدرك أنها كانت مقابلة عمل. اعتقدت أنهم اتصلوا بي في مسألة تتعلق بالإقامة”.

“لدي شعور جيد في كل يوم لي في العمل. هذه المرة الأولى التي أشعر فيها بالتقدير والترحيب”، كما قال (أ)، الذي كان يعمل في محطة وقود والآن يعمل مثل براء في مساعدة الناطقين بالعربية في وزارة الداخلية.

وقال (أ): “أشعر وكأنني أعمل مع عائلتي الأكبر”، متذكرا بإبتسامة الإحتفال بالأعياد اليهودية لأول مرة مع زملائه في العمل.

عندا سُئل عما إذا كان يشعر بالولاء للدولة، رد مبتسما: “بالتأكيد”.

ولكن بالنسبة له – تماما مثل براء – فإن تطوعه في الخدمة المدنية هو سر تعرفه فقط عائلته القريبة وأقرب أصدقائه. إذا خرج الأمر للعلن، قد تكون حياته معرضة للخطر. في شهر أبريل، قُتل بهاء نبابتة (31 عاما)، ناشط معروف في مجال الحقوق المدنية وقيادي في مجموعة شبابية، في المخيم، لـ”تعاونه” مع السلطات الإسرائيلية، كما أوردت تقارير، خلال سعيه لتحسين خدمات البلدية هناك.

سار-شالوم جربي، المدير العام للخدمة المدنية الوطنية في إسرائيل، يقول بأن المتطوعين من خارج القدس قد يجدون هم أيضا أنفسهم في “مواقف صعبة”.

متحدثا من مكتبه في القدس الإثنين، سرد جربي سلسلة من حوادث الإعتداء على متطوعين عرب، بما في ذلك وصغهم ب”البرص” من قبل عضو كنيست، وحادثة تم فيها طرد أربع طلاب من مدرستهم من قبل رئيس المجلس البلدي، وتحطيم الزجاج الأمامي لمركبة إحدى المركزات بعد إلقاء طوب عليها.

عدد قليل من المتطوعين العرب في الخدمة المدنية يواجهون تهديدات من هذا النوع، وحتى الآن لم يكن هناك تهديد على حياتهم في أي منها. معظمهم يحصلون على دعم من أسرهم، كما يقول جربي. لكنه اتهم جزءا من القيادة العربية في إسرائيل بتشويه سمعة الخدمة المدنية من خلال الخلط بينها وبين الخدمة العسكرية الإلزامية.

بإمكان المتطوعين العرب كغيرهم ترك الخدمة المدنية متى شاؤوا، بحسب جربي. بالإضافة إلى ذلك، يتم وضع المتطوعين العرب قصدا في أماكن يمكنهم فيها مساعدة مجتمعاتهم – مثل مدارس عربية أو مستشفيات فيها عدد كبير من الناطقين بالعربية – وبإمكانهم العيش في بدتهم. في المقابل، قد يتم وضع المتطوعين اليهود في وظائف في جميع أنحاء البلاد التي تلزمهم بالاقامة بعيدا عن بلداتهم.

يقول جربي أنه يمكن تفهم سبب عدم رغبة العرب في الخدمة في الجيش الإسرائيلي، وهم غير ملزمون بذلك بموجب القانون.

“الآن بإمكانهم خدمة مجتمعاتهم والحصول على المزايا التي يحصل عليها الجندي”.

لماذا الأرقام آخذة بالإرتفاع؟

يقول جربي بأن “لا شك” لديه بأن أعداد المتطوعين غير اليهود في الخدمة المدنية ستستمر في الإرتفاع.

نجاح البرنامج، بحسب قوله، يرجع إلى الثقة المكتسبة من المجتمع العربي من خلال عدم محاولة فرض الإنصهار عليهم، وكذلك النتائج الإيجابية للمشاركين. بحسب قوله يجد 85% من المتطوعين العرب وظائف جيدة بعد البرنامج.

ويقول: “هم يريدون مساعدة مجتمعاتهم ويدركون بأن ذلك قد يكون أيضا بطاقة دخول للمجتمع الإسرائيلي. لا بأس إذا شعروا بكلا الأمرين”.

من أصل 4,500 متطوع غير يهودي، هناك 70% منهم مسلمون، والبقية من المسيحيين والدروز والشركس. 90% منهم من النساء.

تقول زينب أبو سويد، مركزة للخدمة المدنية في الوسط العربي، “اليوم يصوت الشبيبة بأقدامهم. لا يمكن لأولئك الذين يعارضون الخدمة المدنية إيقافهم”.

أبو سويد، وهي من بلدة بدوية في الشمال، طلبت هي أيضا عدم إظهار صورتها، حيث ينظر البعض إلى عملها بـ”إزداراء”.

أبو سويد حاصلة على لقب أول في التربية وفي البداية اعتقدت بأنه ستعلم في مدرسة محلية، ولكنها أرادت أن يكون لها تأثير أكبر. بعد رؤيتها للنتائج “الرائعة” التي حصل عليها أبناء أخيها من الخدمة المدنية، اقتعنت بأن وظيفتها الحالية هي أفضل طريقة للمساعدة.

وفقا لأبو سويد، الكثير من العرب لا يتطوعون فقط من أجل الحصول على المزايا الحكومية.

“بالنسبة للكثيرين الأمر لا يتعلق فقط بالمزايا، ولكن في أن يصبح لديهم جزء أكبر في المجتمع الإسرائيلي”، كما قالت.