أ ف ب – يحال ياسين صالحي المشتبه به في تنفيذ اعتداء في فرنسا وبقطع رأس رب عمله الأحد كما هو متوقع إلى مقر شرطة مكافحة الإرهاب قرب باريسـ بعد أن بدأ يدلي بأقواله أمام المحققين.

فبعد أن التزم الصمت في البداية بدأ مساء السبت في “توضيح سير الوقائع”، كما أفاد مصدر قريب من الملف دون إعطاء مزيد من التفاصيل حول مضمون أقواله.

وأشارت العناصر الأولية للتحقيق إلى أن ياسين صالحي أرسل صورة “سيلفي” مع رأس ضحيته إلى رقم هاتف كندي.

لكن تحديد مكان اتصاله لم يعرف، ويمكن أن يكون الرقم مجرد محول قبل انتقاله إلى وجهة أخرى.

وأعلنت كندا السبت تعاونها في التحقيق الفرنسي سعيا للتوصل إلى معرفة مسار صورة “السلفي” مع تحديد الجهة المرسلة إليها، بدون توضيح أي نوع من المساعدة تقدم إلى المحققين الفرنسيين.

وسينظر المحققون في احتمال وجود صلة سورية، فيما حددت أجهزة مكافحة الإرهاب الفرنسية هويات 473 جهاديا فرنسيا موجودين حاليا في سوريا والعراق بحسب حصيلة أعدت هذا الأسبوع واطلعت عليها وكالة فرانس برس من مصدر قريب من الملف.

وأوضح المصدر أنه بالإضافة إلى هؤلاء، أحصت أجهزة مكافحة الإرهاب الفرنسية 119 جهاديا فرنسيا آخر قتلوا في مناطق النزاع، في حين عاد 217 جهاديا آخر إلى فرنسا.

وإذا أضيف هؤلاء جميعا إلى من هم في طريقهم للإلتحاق بالجهاديين في سوريا والعراق أو أنهم أبدوا رغبة حقيقية باللحاق بهؤلاء، فإن عدد الجهاديين الفرنسيين يرتفع عندها إلى نحو 1800.

وعلى الرغم من أن هؤلاء لا يشاركون جميعا بالضرورة في القتال، ولا سيما النساء بينهم، فان عودتهم إلى فرنسا بعد أن يكونوا قد إزدادوا تطرفا وتمرسوا بميادين المعارك، تثير قلقا كبيرا لدى السلطات الفرنسية.

وبحسب مصادر قريبة من التحقيق فإن السلطات الفرنسية ليس لديها ما يدفعها للإعتقاد حاليا أن ياسين صالحي سبق أن توجه إلى سوريا أو العراق.

وقد تم تمديد توقيف ياسين صالحي الذي بدأ مساء الجمعة على ذمة التحقيق وكذلك زوجته وشقيقته اللتين تم توقيفهما أيضا الجمعة. ويمكن أن يستمر التوقيف على ذمة التحقيق 96 ساعة في حال إرتكاب جريمة إرهابية.

ولم تسمح النتائج الأولية لتشريح جثة الضحية ايرفيه كورنارا (54 عاما) رئيس شركة النقل حيث كان يعمل المشتبه به بتحديد أسباب الوفاة بدقة، وبخاصة أنه توفي عند قطع رأسه. وستجرى فحوصات إضافية.

وقد عثر على الرأس معلقا على سياج حرم المكان الذي وقع فيه الإعتداء، وهو مصنع للغازات الصناعية في سان كانتان فالافيه على بعد نحو ثلاثين كيلومترا من مدينة ليون.

وكان ياسين صالحي (35 عاما) وهو أب لثلاثة أولاد حضر بسيارة خدمة في وقت مبكر الجمعة أمام مصنع الشركة الأميركية “اير بروداكت” وبحكم اعتياده على دخول المكان تمكن من الدخول بسهولة إلى الموقع المصنف بأنه موقع حساس.

ثم إندفع بسيارته إلى عنبر محدثا انفجارا كبيرا لكن بدون إصابات. وتمكنت فرق الإطفاء التي أرسلت إلى المكان من السيطرة عليه فيما كان يحاول القيام بتفجير ثان.

وأحدث ذلك صدمة جديدة في فرنسا بعد مرور أقل من ستة أشهر على الإعتداءات التي أدمت باريس.

وعبر سكان سان كانتان فالافيه عن رفضهم لـ”الوحشية” بدقيقة صمت تبعها النشيد الوطني.

وان أصبح سير وقائع الإعتداء معروفا الى حد كبير، فإن بعض الظلال لا تزال قائمة على ما قال مدعي عام باريس فرنسوا مولان مساء الجمعة.

فالمحققون يسعون لتكوين صورة أوضح عن المشتبه به الذي صنفته أجهزة الإستخبارات في 2006 في خانة التطرف ثم رصدته مجددا بين 2011 و2014 لعلاقته بتيار سلفي، لكن لا سجل عدلي له. ويتساءل المحققون هل تحرك منفردا أو بالتواطوء مع شركاء.

وأفادت مصادر متطابقة بأنه إعتنق أفكارا متطرفة في سنوات الألفين في بوتارليه (شرق) باتصاله مع فريديريك جان سالفي المكنى “علي” الذي اعتنق الإسلام ويشتبه بأنه دبر إعتداءات في اندونيسيا مع ناشطين من تنظيم القاعدة.

لكن لم تسمح عناصر التحقيق بتأكيد صلة “علي” بإعتداء الجمعة.

تبقى مسالة الهاتف الجوال مطروحة. فوجود رايات مع كتابات إسلامية تحيط برأس الضحية المعلق على السياج تذكر بالمشاهد المريعة لتنظيم الدولة الإسلامية، لكن هذا التنظيم لم يتبن الإعتداء.

وقد تفاخر تنظيم الدولة الإسلامية بالوقوف وراء هجوم في تونس حصد أرواح 38 شخصا في منتجع سوسة، وبإعتداء انتحاري على مسجد شيعي في الكويت أسفر عن سقوط 26 قتيلا.

وكان يخشى من سيناريو اعتداء جديد في باريس منذ المجازر التي أوقعت 17 قتيلا في كانون الثاني/يناير. وتوقيف طالب جزائري يدعى سيد أحمد غلام في نيسان/ابريل للإشتباه بتخطيطه لهجوم على كنيسة كاثوليكية.

وقال رئيس الوزرء الفرنسي مانويل فالس السبت محذرا، “أن التساؤل لا يكمن في معرفة أنه سيكون هناك اعتداء بل متى”.

ولفت فالس الذي عاد على عجل مختصرا زيارة إلى أميركا الجنوبية، إلى أن “هذا العمل المحزن لقطع الرأس” الذي لم يشاهد مطلقا من قبل في إطار اعتداء في فرنسا، “أحدث توترا شديدا في المجتمع الفرنسي، سيتم استغلاله”.

ويرتسم بين السطور التخوف من عودة التوتر إزاء حوالى خمسة ملايين فرنسي مسلم بعد أن أعقب اعتداءات كانون الثاني/يناير تصعيد كبير للأعمال المعادية للمسلمين في فرنسا.

وثمة تخوف آخر، وهو الإستغلال السياسي قبل سنتين من استحقاق الإنتخابات الرئاسية.

فقد طالبت رئيسة حزب الجبهة الوطنية اليميني المتطرف مارين لوبن السبت بـ”إغلاق المساجد السلفية في فرنسا كما فعلت مصر وتونس”.

وأبدت الحكومة تصميمها ودافعت عن أدائها السبت في أعقاب انعقاد مجلس مصغر ضم الرئيس فرنسوا هولاند ورئيس الحكومة ووزراء الخارجية والدفاع والداخلية والعدل والطاقة.

وأكد وزير الداخلية برنار كازنوف، “أن الحكومة ستواصل العمل بدون توقف لمواجهة مستوى عال من التهديد” قبل أن يعدد التدابير المتخذة ومنها توظيف طواقم أمنية، وتعزيز الترسانة القانونية مع قانونين لمكافحة الإرهاب، وتدابير لتعزيز وسائل أجهزة الإستخبارات.