ليس في كل يوم يدير أحد أعضاء حركة “حماس” ظهره للحركة ويسافر إلى جنوب شرق آسيا ويقرر كشف عن طرق عمل الحركة في تركيا في مقابلة مع مراسل قناة تلفزيونية إسرائيلية.

وما هو مذهل أكثر هو أن يكون هذا العضو نجل أحد الأعضاء المؤسسين لحركة حماس، وما لا يمكن تصوره هو أنه ثاني أبنائه الذي يهرب من براثن الحركة الإسلامية وينشر قصته على الملأ.

وفقا لمقابلة بثتها القناة 12 الإسرائيلية يوم الأربعاء، فإن هذا ما حدث بالضبط.

صهيب يوسف – ابن المؤسس المشارك لحركة حماس، الشيخ حسن يوسف، وشقيق مصعب يوسف، الذي أصبح يعرف باسم “الأمير الأخضر” لجهوده الرامية إلى مساعدة الشاباك في إحباط الهجمات – ترك سرا منصبه في تركيا وتوجه إلى بلد لم يذكر اسمه في آسيا.

بعد ذلك قام بالاتصال بمراسل الشؤون الفلسطينية في القناة 12 الإسرائيلية، أوهاد حيمو، ليروي قصته.

العضو السابق لحركة حماس صهيب يوسف (يمين) يسير في أحد أسواق آسيا مع الصحافي الإسرائيلي أوهاد حيمو. (screenshot: Channel 12)

في اللقاء الأول الذي جمعهما في مسجد، وصف يوسف (38 عاما) كيفية عمله لصالح “الجناح السياسي” لحركة حماس في تركيا، التي كانت في الواقع عملية لجمع المعلومات الاستخباراتية.

وقال يوسف: “تدير حماس عمليات أمنية وعسكرية على الأراضي التركية تحت غطاء المجتمع المدني. لديهم مراكز أمن يشغلون منها معدات تنصت متطورة، للتنصت على الأشخاص والقادة (الفلسطينيين) في رام الله”.

وأضاف: “لديهم معدات متطورة وبرامج كمبيوتر للقيام بذلك”. عندما سُئل عما إذا كانت الحركة تقوم بالتنصت على مكالمات هاتفية لإسرائيليين، رد بالايجاب، لكنه رفض الدخول في التفاصيل، وقال إن الحركة تستهدف أيضا دول عربية أخرى.

لكنه اتهم الحركة بأنها لا تعمل من أجل مصلحة الشعب الفلسطيني.

وقال: “إنهم يعملون لصالح أجندة أجنبية، وليس من أجل القضية الفلسطينية. بدلا من ذلك، هم يقومون ببيع المعلومات لإيران مقابل مساعدات مالية”، مشيرا إلى أن الأموال تُنقل عبر بنوك تركية.

الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، يمين، ورئيس المكتب السياسي لحركة ’حماس’، خالد مشعل’ خلال مؤتمر حزب ’العدالة والتنمية’ التركي الحاكم في أنقرة، تركيا، 20 سبتمبر، 2012.(AP/Kayhan Ozer)

وقال يوسف إن هذا كان واحدا من الجوانب التي شعر فيها بخيبة أمل من الحركة التي تتخذ من غزة مقرا لها، وقال إن أنشطتها تهدف فقط إلى نشر سلطتها إلى الضفة الغربية.

وقد استولت حركة حماس، الملتزمة بتدمير إسرائيل، على غزة في عام 2007 في انقلاب دام ضد السلطة الفلسطينية التي مقرها رام الله.

وقال إن هيكل الحركة في تركيا يُستخدم أيضا لتجنيد أشخاص، بما في ذلك أطفال، في الضفة الغربية لتنفيذ هجمات ضد إسرائيليين.

وقال للقناة التلفزيونية إن “الهدف من الهجمات في الضفة الغربية هو قتل المدنيين، وليس بهدف المقاومة ولا القدس؛ وليس لتحرير أرض فلسطين، ولا حتى لأنهم يكرهون اليهود. إنهم يقومون بإرسال هؤلاء الأبرياء لأنهم يريدون تصدير الأزمة [من غزة] إلى الضفة الغربية”.

وجبات ب200 دولار في الوقت الذي يتضور فيه سكان غزة جوعا

كما قال يوسف أنه ازداد غضبا من فساد قادة حماس الذين يعيشون حياة رفاهية في تركيا في الوقت الذي يعاني فيه سكان غزة.

وقال إن “قادة حماس [في تركيا] يعيشون في فنادق فاخرة وأبراج فاخرة، وأبناؤهم يدرسون في مدارس خاصة ويتقاضون أجورا جيدة من حماس. إنهم يحصلون على ما بين أربعة وخمسة آلاف دولار شهريا، ولديهم حراس وأحواض سباحة ونواد”.

وأضاف: “عندما عشت في تركيا صُدمت من سلوك أعضاء حماس. فهم يأكلون في أفضل المطاعم، كنت أراهم يأكلون في أماكن تصل فيه قيمة الوجبة إلى 200 دولار. وهم يحبون دعوة أحدهم الآخر لهذه الوجبات”.

وتساءل: “يدفعون 200 دولار مقابل وجبة لشخص واحد وعائلة في غزة تعيش على 100 دولار في الشهر؟”

ويبلغ متوسط الأجر في غزة، حيث تزيد نسبة البطالة عن %50، حوالي 360 دولارا شهريا، وفقا لجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني. وتحذر الأمم المتحدة من أن قطاع غزة على شفا أزمة إنسانية، مع محدودية فرص الحصول على الكهرباء ومياه الشرب النظيفة.

صورة تم التقاطها في 1 يونيو، 2018، تظهر فيها فتاة وهي تجري بالقرب من بركة مياه صرف صحي في أحد الأحياء الفقيرة لمدينة غزة. (AFP/Mahmud Hams)

منذ عام 2007، تفرض إسرائيل ومصر حصارا على غزة، الذي يهدف كما تقولان إلى منع حماس من استيراد الأسلحة والمواد التي يمكن استخدامها لبناء الأنفاق والتحصينات.

وقال: “لقد نشأت في حماس، وعملت لصالح حماس، ولكن عندما كشفت فسادها، قررت المغادرة وقطع علاقاتي”.

وأضاف يوسف إنه في حين أنه يدرك أن حركة حماس قد تحاول قتله بسبب تصريحاته، لكنه أكد أنه لا يشعر بالخوف.

وقال: “اذا أرادوا أن يجعلوا مني شهيدا، سأكون شهيدا”.

ابن آخر لحماس

ما يجعل من قصة يوسف مقنعة هو أن والده هو حسن يوسف، أحد مؤسسي الحركة في الضفة الغربية والذي قضى نحو ثلث حياته في السجون الإسرائيلية.

وشقيقه الأكبر مصعب – الملقب ب”الأمير الأخضر”، في إشارة إلى لون علم حماس ومكانته الملوكية التي تمتع فيها يوما داخل الحركة – سار في نفس الطريق قبله وبطريقة دراماتيكية.

مصعب حسن يوسف يتحدث في مؤتمر لأصدقاء نجمة داود الحمراء الأمريكية في فلوريدا ، ديسمبر 2018 (Courtesy)

مصعب قضى عشر سنوات عمل فيها كعميل لجهاز الأمن العام الإسرائيلي (الشاباك) في ذروة الهجمات الانتحارية في الانتفاضة الثانية – بصفته الساعد الأيمن لوالده، مدير الأمن وأكثر المقربين منه، حيث قام سرا بتمرير معلومات حصل عليها لمساعدة إسرائيل في مكافحة الهجمات.

منذ ذلك الحين ابتعد عن والده وطلب اللجوء في الولايات المتحدة واعتنق الديانة المسيحية. في عام 2010 نشر سيرته الذاتية بعنوان “ابن حماس”.

لكن مصهب سارع إلى النأي بنفسه عن أعمال شقيقه.

وقال: “على عكس شقيقي، أنا لا أعمل مع إسرائيل، ولم أخن يوما [حماس]، لقد كنت مخلصا لهم”.

وقال أنه خضع للتحقيق بعد خيانة شقيقه وتبين أنه ليس له أي صلة بإسرائيل، ولذلك سُمح له بمواصلة العمل مع حماس.

مع والده، الأمور كانت أكثر تعقيدا.

الشيخ حسن يوسف يتحدث مع الصحافة بد اطلاق سراحه من الاعتقال الإسرائيلية، في مدينة رام الله في الضفة الغربية، 19 يناير 2014 (Majdi Mohammad/AP)

وأعرب يوسف عن أمله بأن يحترم والده، حسن يوسف، آراءه السياسية الجديدة “كما احترمت أنا آرائه لأربعين عاما”.

كما حثه على أن يفتح عينيه على حقيقة ما أصبحت عليه الحركة التي أسسها.

وقال: “أدعو قادة حماس، بمن فيهم والدي، إلى الاستقالة من حركة حماس الفاسدة. أنا واثق من أن والدي يعرف أن هناك الكثير من الأعضاء الفاسدين”.

وأقر يوسف بأنه قلق من أن والده “قد يُجرح من كلماتي، ولكنني أريد الكشف عن الحقيقة”.

منظمة إرهاب عنصرية

خلال المقابلة، كرر يوسف أن لا مشكلة له مع اليهود، وفي مرحلة ما قام بشراء جوز الهند لمحاوره وقال له: “أنتم أهل الكتاب ونحن مسلمون، ونحن لا نشعر بالعداوة تجاهكم”.

وقال إن دافعه الرئيسي هو مساعدة الشعب الفلسطيني من خلال الكشف عن الوجه الحقيقي لحماس.

وأضاف أن “المشكلة في غزة هي تمسك حماس بالسلطة بالقوة. اذا تخلت حماس عن السلطة، لن تكون هناك مشاكل”، واتهم القادة الفاسدين في الحركة باستخدام سكان غزة كوقود مدافع لإشباع طموحاتهم.

وتساءل: “أود أن أراهم يقومون بإرسال أبناءهم لتنفيذ هجمات اذا اضطروا لفعل ذلك. لماذا لا يقوم [قائد حماس] اسماعيل هنية بالتوجه إلى السياج وإلقاء الحجارة؟” في إشارة منه إلى التظاهرات الأسبوعية على حدود غزة-إسرائيل والتي تنظمها حماس.

وقال: “ما الذي تستفيدة حماس من هذه الهجمات؟ لا شيء. إنها منظمة إرهابية عنصرية تشكل خطرا على الشعب الفلسطيني”.