دخلت لعبة الدفع نحو حافة الهاوية بين طهران وواشنطن مرحلة جديدة قد تكون خطيرة، حيث استأنفت إيران تخصيب اليورانيوم في منشأتها النووية في فوردو، وأعلنت أيضا عن رفع مستوى هذا التخصيب إلى خمسة في المائة.

ويمثل هذان القراران خطوة مفاجئة واستفزازية من جانب الجمهورية الإسلامية، لكن سيكون من السهل التراجع عنهما أيضا، في الوقت الذي تحاول فيه إيران التخفيف من أزمتها الاقتصادية مع الامتناع في الوقت نفسه عن الدفع بالدول الأوروبية الى الدعوة لفرض عقوبات دولية أوسع.

تحويل محطة فوردو لتخصيب الوقود، التي تقع عميقا تحت جبل في محافظة قم الإيرانية، من منشأة لتخصيب اليورانيوم الى منشأة تُستخدم لأغراض أخرى غير نووية كان بندا رئيسيا في الاتفاق النووي الموقع في عام 2015، والمعروف رسميا باسم “خطة العمل الشاملة المشتركة”.

تم بناء فوردو المحصن بشدة وتشغيله بالسر من قبل إيران، حتى كشفت عنه أجهزة مخابرات غربية، من ضمنها إسرائيل، وفي النهاية أقرت طهران في عام 2009 بوجوده وسط انتقادات دولية كبيرة. يُنظر إلى المنشأة على نطاق واسع على أنها بنيت لغرض صريح وواضح وهو إنتاج يورانيوم عالي التخصيب للأسلحة النووية بعيدا تحت الأرض بدرجة كافية بحيث لا يمكن تدميرها في ضربة عسكرية.

صورة أقمار اصطناعية من 15 سبتمبر، 2017 لمنشأة فوردو النووية في إيران. (Google Earth)

منذ التوقيع على الاتفاق في عام 2015، كانت أجهزة الطرد المركزية التي يبلغ عددها 1044 تدور وهي خالية. قرار إيران البدء بضخ غاز سداسي فلوريد اليورانيوم في أجهزة الطرد المركزية هذه الأربعاء بعث برسالة واضحة مفادها إنها تبتعد أكثر عن الاتفاق النووي. ومع ذلك، وفقا لعدد من الخبراء، فإن لإعادة تنشيط فوردو سيكون تأثير متواضع على مقدار الوقت الذي ستستغرقه إيران ل”تجاوز” العتبة النووية – تطوير سلاح نووي والتحول رسميا الى قوة نووية.

الرئيس الإيراني حسن روحاني يزور نفاعل بوشهر النووي، بالقرب من بوشهر، إيران، 13 يناير 2015 (Iranian Presidency Office, Mohammad Berno/AP)

وقال دان شابيرو، السفير الأمريكي السابق لدى إسرائيل وزميل حالي في “معهد دراسات الأمن القومي” بجامعة تل أبيب: “لا يؤثر هذا بشكل كبير على البرنامج الزمني لتجاوز (العتبة النووية)، ولكن فوردو كان دائما واحدا من أكثر الجوانب حساسية للبرنامج النووي بسبب طبيعته المحصنة تحت الأرض وصعوبة تدميره”.

وقال شابيرو لتايمز أوف إسرائيل ليلة الثلاثاء: “يكمن الخطر في أن هذه هي خطوة مهمة ورمزية ستتبعها خطوات أخرى”.

بموجب خطة العمل الشاملة المشتركة، سُمح لإيران تخصيب يورانيوم بنسبة تصل الى 3.67% بعيدا جدا عن نسبة 90% اللازمة للاستخدام العسكري. قبل التوقيع على الاتفاق النووي، وصلت نسبة تخصيب إيران لليورانيوم الى 20%. بدءا من هذا الصيف، بدأت الجمهورية الإسلامية بتخصيب اليورانيوم بنسبة تصل الى 4.5، وبدأت أيضا في تجميع المزيد من اليورانيوم منخفض التخصيب أكثر مما يسمح لها الاتفاق – 500 كيلوغرام من اليورانيوم منخفض التخصيب، مقارنة بالـ 300 كيلوغرام الذي تسمح به خطة العمل الشاملة المشتركة.

وفقا لتقديرات صدرت مؤخرا عن “معهد العلوم والأمن الدولي”، والذي يُنظر إليه عموما على أنه متشدد في القضايا الإيرانية، إذا قررت طهران الانسحاب تماما من خطة العمل الشاملة المشتركة والمضي قدما بأقصى سرعة ممكنة نحو إنتاج سلاح نووي باستخدام مخزوناتها الحالية من اليورانيوم منخفض التخصيب، فإن تطوير ما يكفي من اليورانيوم الصالح لصنع أسلحة بهدف تطوير قنبلة نووية سيستغرق فترة تتراوح ما بين 7-11 شهرا، ويعتمد ذلك على أنواع أجهزة الطرد المركزي المستخدمة في العملية.

لقطة شاشة من مقطع فيديو يظهر علي أكبر صالحي، رئيس الوكالة النووية الإيرانية، إلى اليمين، وثلاث أجهزة طرد مركزي لتخصيب اليورانيوم في الخلفية. (YouTube)

وقالت أندريا ستريكر، وهي زميلة في مركز أبحاث “مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات”، والذي يُعتبر هو أيضا متشددا في الشأن الإيراني، لتايمز أوف إسرائيل إن استئناف تخصيب اليورانيوم في فوردو مع 1044 جهاز طرد مركزي، والتي هي من أنواع بسيط وبطيئة، قد يقلص من فترة تجاوز العتبة النووية ببضعة أسابيع.

ولم يتضح بعد كيف سيتغير هذا الجدول الزمني بإعلان إيران أنها ستبدأ تخصيب اليورانيوم بنسبة تصل إلى 5%.

وقال جيسون برودسكي، مدير السياسات في منظمة “متحدون ضد إيران نووية” الغير حزبية، إنه يجب النظر الى هذه الخطوة على أنها خطوة رمزية إلى حد كبير لكنها استفزازية للغاية، على الرغم من أنه من غير المرجح أن تؤدي الى تغيير كبير في الديناميكية بين الولايات المتحدة وإيران بشكل عام.

وأضاف: “الإسرائيليون يشعرون بتوتر شديد وهذا مفهوم”.

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يوقع على وثيقة تعيد فرض العقوبات على إيران بعد إعلانه عن انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي مع إيران، في غرفة الاستقبال الدبلوماسية في البيت الأبيض في العاصمة واشنطن، 8 مايو، 2018. (AFP PHOTO / SAUL LOEB)

منذ شهر مايو في العام الماضي، عندما أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن انسحاب بلاده من الاتفاق النووي وأعاد فرض عقوبات على إيران، شهدت العلاقات بين واشنطن وطهران توترا متصاعدا. كل بضعة أشهر، يفرض البيت الأبيض عقوبات جديدة على إيران، وهو ما ترد عليه الجمهورية الإسلامية من خلال زيادة انتهاكاتها للاتفاق النووي، وكذلك القيام بعمليات عسكرية أكثر عدوانية في الخليج، كان آخرها تفكير منشأة نفط سعودية رئيسية في منتصف شهر سبتمبر.

وقال برودسكي لتايمز أوف إسرائيل في مكالمة هاتفية: “يشعر الإيرانيون على الأرجح أن الخطوات التي تم اتخاذها حتى اليوم لم تحدث تغييرا في الدفع الى تخفيف العقوبات، لذلك فهم بحاجة الى اظهار تشدد أكبر، مع الإبقاء على امكانية التراجع”.

وأضاف: “إنهم يحاولون القيام بشيء ما، ليكونوا استفزازيين بدرجة كافية لتخفيف العقوبات، لكن ليس استفزازيين لدرجة التعرض لضربة عسكرية أو اعادة كاملة للعقوبات”.

الأوروبيون

منذ شهر مايو الماضي، حافظت الولايات المتحدة وإيران على استراتيجيات ثابتة نسبيًا في مواجهتهما، مع استخدام واشنطن ما يسمى بحملة “أقصى ضغط” المتمثلة في زيادة العقوبات والخطاب العدائي وردت طهران بانتهاك شروط الاتفاق النووي – تجاوز القيود المفروضة على كميات اليورانيوم ومستويات التخصيب – وعروض القوة العسكرية في الخليج الفارسي، بما في ذلك إسقاط طائرة أمريكية مسيرة وضرب ناقلة نفط إماراتية بألغام.

وحتى الآن، لم ترد الولايات المتحدة عسكريًا على أي من أفعال إيران العدوانية في الشرق الأوسط، الأمر الذي يقلق إسرائيل بشدة لأنها تعتقد أن أي تردد او انسحاب أمريكي من المنطقة يشجع طهران.

السفير الأمريكي السابق لدى إسرائيل، دان شابيرو، يشارك في “مؤتمر مئير دغان للإستراتيجية والدفاع”، في كلية نتانيا، 21 مارس، 2018. (Meir Vaaknin/Flash90)

وقال شابيرو: “انسحبت الولايات المتحدة من خطة العمل الشاملة المشتركة وفرضت أقصى قدر من الضغط. إيران ترد بالعدوان في الخليج – الذي لم ترد عليه الولايات المتحدة – وبانتهاكات زاحفة لخطة العمل الشاملة المشتركة، ورفض العروض الأمريكية والفرنسية للتفاوض”.

ووافق برودسكي على هذا التقييم العام للديناميكية.

“نحن عالقون في هذه الدائرة”، قال.

وفي منتصف هذه الاوضاع الهشة بين إيران والولايات المتحدة، يبقى الأوروبيون، الذين يحاولون الحفاظ على خطة العمل الشاملة المشتركة على قيد الحياة.

بعد كل انتهاك للاتفاق من جانب طهران، واجه أعضاء الاتحاد الأوروبي – ولا سيما فرنسا وألمانيا – خيار التغاضي عن الانتهاك أو استخدام آليات الاتفاق لتسوية الخلافات، والتي بموجبها يمكن فرض عقوبات جديدة على إيران. ومن المرجح أن يؤدي استخدام هذا الخيار الأخير من قبل الدول الأوروبية إلى تخلي إيران بالكامل عن خطة العمل الشاملة المشتركة، وفقًا لتقديرات العديد من المحللين.

’كان ينبغي على أوروبا تفعيل آليات حل الخلافات قبل وقت طويل لمنع هذه النشاطات من قبل إيران’

ومع خطوات إيران الاخيرة يوم الأربعاء، سيكون على أوروبا مرة أخرى أن تقرر كيفية الرد.

وقالت ستريكر إن مجموعتها، التي تنتقد منذ فترة طويلة خطة العمل الشاملة المشتركة، تعتقد أن إعادة تفعيل “منشأة سرية محصنة سابقة كانت مخصصة لإنتاج اليورانيوم المستخدم في صنع الأسلحة”، علاوة على انتهاكات إيران السابقة للاتفاقية، يجب أن تؤدي الى فرض عقوبات إضافية.

وقالت انه “كان ينبغي على أوروبا تفعيل آليات حل الخلافات قبل وقت طويل لمنع هذه النشاطات من قبل إيران”.

وقالت ستريكر: “لا يريد [الإيرانيون] إعادة فرض العقوبات، لكن هذا عمل استفزازي جدا”.

وكان برودسكي أكثر تشككا.

صورة فضائية لمنشأة فوردو النووية في إيران، 2 ابريل 2016 (Google Earth)

“[فوردو] ليس خط أوروبا الأحمر”، قال. “من المستبعد ان يغير ذلك اي شيء، من ناحية أوروبا”.

وقال مدير السياسة في منظمة “متحدون ضد إيران النووية” إنه يعتقد أنه سيكون على إيران أن تزيد بشكل كبير من مستوى التخصيب قبل أن يتخذ الأوروبيون خطوات.

وأضاف: “أعتقد أن التخصيب بنسبة 20% هو خطهم الأحمر”.

وكان شابيرو، الذي كان من كبار المؤيدين لخطة العمل الشاملة المشتركة، بعد أن عمل سفيراً للولايات المتحدة لدى إسرائيل أثناء توقيعها، أقل ميلًا للتكهن بما يمكن أن يؤدي إلى رد أوروبي.

وقال: “لا أعرف ما قد يدفع أوروبا إلى إعادة فرض العقوبات. إنهم يحاولون إيجاد طريقة للحفاظ على هيكل الصفقة”.

جميع الانظار على 2020

يبدو أن المواجهة المستمرة بين الولايات المتحدة وإيران لديها تاريخ انتهاء محتمل: 3 نوفمبر 2020 – الانتخابات الرئاسية الأمريكية.

وبالنسبة لإيران، لا يوجد حافز كبير للدخول في مفاوضات مع الإدارة الأمريكية الحالية حتى ان تعرف ما إذا كان ترامب سيظل في منصبه لمدة أربع سنوات إضافية.

وقال برودسكي إنه لذلك في العام المقبل على الأقل، من المرجح أن تحافظ طهران على استراتيجيتها المتمثلة في الانتهاكات الاستفزازية، ولكن ليس الاستفزازية جدا، لخطة العمل الشاملة المشتركة.

المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي يلوح لآلاف من أعضاء منظمة الباسيج شبه العسكرية في اجتماعهم في استاد آزادي في طهران ، إيران ، في 4 أكتوبر 2018. (Office of the Iranian Supreme Leader via AP)

وقال: “إيران تلعب لعبة طويلة هنا”.

وأضاف شابيرو أن الدول الأوروبية سوف تميل إلى الانتظار حتى يقرر الأمريكيون من سيكون رئيسهم القادم قبل الدخول في مفاوضات جادة للتوصل إلى تسوية طويلة الأجل.

وقال: “الأوروبيون محبطون من نهج ترامب”.

وقال شابيرو، الذي شغل أيضًا منصب مدير رفيع لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في مجلس الأمن القومي الأمريكي، إنه يبدو ان البيت الأبيض لا يخطو خطوات كبيرة تجاه أي نوع من الحل مع إيران.

وأضاف: “ليس هناك ما يشير إلى أن إدارة ترامب لديها مخرج من هذه الدائرة التصعيدية”.

ووافق برودسكي على أنه لا توجد علامة على حل في المستقبل القريب.

وقال إنه على المدى القصير، قد تنهي الولايات المتحدة تنازلا تتبناه حاليا يسمح للشركات الروسية والصينية والأوروبية بالعمل في فوردو، نظرا للانتهاك الأخير لخطة العمل الشاملة المشتركة. وفي الشهر المقبل، عندما تتولى رئاسة مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، يمكن للولايات المتحدة أيضًا أن تحاول المطالبة بفرض المزيد من العقوبات.

لكن عموما، من المرجح أن تستمر الاوضاع الإيرانية الأمريكية الهشة كما هي، وفقا لبرودسكي. وقال: “سنظل في حالة جمود”.

الا عندما، او أذا، يغير أحد الأطراف المعادلة – إما عن قصد أو من خلال حساب خاطئ.