السيناريو الذي طرحه وزير الخارجية الأمريكي جون كيري في منتدى سابان في العاصمة واشنطن عن إنهيار السلطة الفلسطينية لا يبدو بعيدا عن الواقع.

الإدارة الأمريكية، الخبيرة في القيام بأخطاء قاتلة في الشرق الأوسط، تبدو هذه المرة بأنها تقرأ الشؤون الفلسطينية بصورة صحيحة، مع أن الوزير أخطأ في إستخدام الكلمة “إنهيار”.

بدلا من ذلك، يجب تغيير الكلمة بمصطلح “تفكك”، الذي قد يكون قد بدأ بالفعل في نواح كثيرة.

هجوم إطلاق النار الذي وقع يوم الخميس، والذي قام خلاله العنصر من قوى الأمن الوقائي مازن عريبي بفتح النار على جنود إسرائيليين بالقرب من حاجز حزما، يشكل مفترق طرق.

قُتل عريبة بعد أن أطلق الجنود النار عليه في المكان. السلطة الفلسطينية، وبدلا من التنديد أو على الأقل عدم دعم العملية، أرسلت كبير المفاوضين في منظمة التحرير الفلسطينية، صائب عريقات، ومحافظ مدينة أريحا لزيارة منزل عائلة منفذ الهجوم.

الرسالة الضمنية كانت أن السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير الفلسطينية تدعمان أعمالا كهذه. هل وصلت السلطة الفلسطينية إلى نقطة قررت فيها عدم الإعتراض على الهجمات الخارجة من أراضيها؟

في الوقت الحاضر، تحافظ أجهزة الأمن الفلسطينية على إنضباط مرتفع نسبيا وتواصل التنسيق الأمني الإستثنائي مع إسرائيل. يتحدث مسؤولون في مكتب منسق أنشطة الحكومة في الأراضي بشكل شبه يومي مع نظرائهم الفلسطينيين، ويتم عقد عدد من الإجتماعات الأمنية رفيعة المستوى حتى في هذه الأيام الصعبة.

مع ذلك، من الواضح لجميع المعنيين أن هناك علامة سؤال كبيرة حول إلى أي مدى يمكن الحفاظ على هذا التنسيق الأمني، وإستمرار القوات الفلسطينية بالحفاظ على الإنضباط.

كابوس إسرائيل

كيف سيبدو تفكك السلطة الفلسطينية بالضبط؟ في البداية، ربما بالطريقة التي حدثت فيها الأشياء الخميس. ربما حادث معزول، مع شرطي فلسطيني أو إثنين يقرران مهاجمة أهداف إسرائيلية والتسبب بوقوع الكثير من الضحايا الإسرائيليين.

من هناك، سيأتي الرد الإسرائيلي. أو ربما يكون الرد الإسرائيلي إطلاق نار سيسفر عن سقوط الكثير من الضحايا الفلسطينيين.

وعندها ستأتي مطالبة على المستوى الميداني في أجهزة الأمن للعمل ضد الجنود والمستوطنين.

وكما حدث في بداية الإنتفاضة الثانية في عام 2000، سنرى المزيد من الجنود ورجال الشرطة الفلسطينيين الذين ينضمون إلى الإحتجاجات والهجمات ضد الإسرائيليين.

الطريق من هنا إلى قرار إسرائيلي لفرض عقوبات على السلطة الفلسطينية ووقف التنسيق الأمني ستكون قصيرة.

وعندها سيأتي تعليق تحويل الأموال إلى السلطة الفلسطينية – التي تُستخدم لدفع الرواتب – وهو مطلب أسمعه اليمين الإسرائيلي.

ستمر بضعة أيام أخرى، وسيقرر المزيد من رجال الشرطة الفلسطينيين الذين لا يحصلون على رواتبهم بتنفيذ هجمات. في هذه الأثناء، لن يأتي الموظفون الحكوميون إلى العمل، وبالطبع، فوق كل هذه الخطوات يحوم إحتمال إعلان رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، في أي مرحلة، عن أنه “سيرجع المفاتيح” لإسرائيل وسيقوم بحل السلطة الفلسطينية: إذا كان لا بد من وجود إحتلال، فليكن إحتلالا كاملا.

سيناريو آخر وأقصر قد يتحقق إذا قررت منظمة التحرير الفلسطينية التراجع عن إعترافها بدولة إسرائيل. قد يُلاقى ذلك بعقوبات إسرائيلية مثل تجميد تحويل عائدات الضرائب، وهنا أيضا، الطريق إل إنهيار كامل قد تكون قصيرة.

وعندها ما الذي سيحدث؟ الكثير من الفوضى، وجود مكثف لحركة حماس وفصائل مسلحة أخرى كما حدث في الإنتفاضة الاولى. وعلى أكثر تقدير، ستكون إسرائيل مجبرة على إستعادة السيطرة على مدن فلسطينية وإعادة الحكم العسكري.

العبئ الأمني والإقتصادي على إسرائيل سيكون ثقيلا. وبالطبع على المدى الطويل سيكون هناك خروج عن رؤية الدولتين، أو كما يسمون ذلك في اليمين – صحوة. أهلا وسهلا بكم إلى الدولة ثنائية القومية.

عن البيت الأبيض وعن كيري

إذا سارت الأمور على هذا النحو، قد يكون على كيري تحميل إدارة رئيسه المسؤولية.

إستثمر كيري جهودا كبيرة في محاولاته لحل الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني، لكنه أُعيق من قبل بيت أبيض أظهر عدم مهنية وربما جهل في التعامل مع مشاكل المنطقة.

في السياق الفلسطيني، بدأ ذلك مع تركيز الرئيس الأمريكي باراك أوباما الهوسي تقريبا على الدفع بتجميد البناء في المستوطنات.

عندما قرر التراجع عن هذه المسألة، إكتشف أن الوقت أصبح متأخرا على ذلك، حيث رفض عباس دخول محادثات من دون تجميد البناء.

في المسألة الفلسطينية، كيري تصرف بشكل معقول وبمنطق وبحافز كامل، على الأقل حتى الأشهر الأخيرة. ولكن مشاكلنا لا تقارن بالأخطاء التي وقعت في سوريا والعراق، وطبعا في إيران.

لأي كان السبب، ستصر واشنطن على إعتبار الإتفاق النووي مع إيران كإنجاز مجيد للولايات المتحدة، على الرغم من أنه بعيد عن ذلك.

لا يوجد للبيت الأبيض والإدارة الأمريكية ما يفخران به فيما يتعلق بالشرق الأوسط، وبما في ذلك الإتفاق الإيراني.

ربما قد يكون تم تأجيل القضية النووية الإيرانية، ولكن الوحش الإيراني أقوى من أي وقت سبق وسيؤثر بطريقة مؤذية على المنطقة.

هذه الإدارة، التي تتباهى بـ”خطاب القاهرة” وبحقيقة تخليها عن الرئيس المصري الأسبق حسنى مبارك وبدعم المثل الديمقراطية، ستغادر واشنطن تاركة الشرق الاوسط في حالة خراب من بعدها.

وعلى الأرجح أن الأسوا لم يأت بعد.