على مدى أشهر قال سياسيون إسرائيليون رفيعو المستوى، بأن تهديد السلطة الفلسطينية بوقف التنسيق الأمني هو كلام فارغ. صرح السياسيون، ومن ضمنهم وزراء كبار، مرارا وتكرار، بأن من شأن ذلك أن يكون “خطوة إنتحارية” للسلطة الفلسطينية ورئيسها محمود عباس.

ولكن الإقتراح الذي طرحته مؤسسة الدفاع الإسرائيلية على السلطة الفلسطينية مؤخرا – إعادة المسؤولية الأمنية على رام الله وأريحا حصريا للسلطة الفلسطينية، ووقف الإعتقالات التي ينفذها الجيش الإسرائيلي في هذه المناطق – تظهر مدى الجدية التي تتعامل فيها مع هذا التهديد.

الإقتراح الإسرائيلي لم يكن مجرد نزوة. ممثلون عن كل الوكالات المعنية – الجيش ومنسق أنشطة الحكومة في الأراضي وجهاز الأمن العام (الشاباك)- حضروا الإجتماع مع مسؤولي السلطة الفلسطينية الذي عُرضت فيه الفكرة.

الإقتراح بحد ذاته، الذي كشفت عنه صحيفة “هآرتس”، تمت المصادقة عليه من قبل رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع موشيه يعالون – على الرغم من أن تصريحاتهما السابقة، التي أدلوا بها مرات عديدة، أشارت إلى أنهما لا يعتقدان بأن استمرار التنسيق الأمني في خطر.

من الواضح أن مسؤولي الدفاع الإسرائيليين يرون بوقف التعاون كخطر حقيقي وكسيناريو واقعي على ضوء التطورات التي تحدث على الأرض.

وكما ورد في تقرير تايمز أوف اسرائيل يوم الاثنين، رفضت السلطة الفلسطينية الإقتراح وطالبت اسرائيل بتقديم جدول أعمال شامل لإنهاء تام للاعتقالات في المناطق الخاضعة للسيطرة الفلسطينية، وليس فقط في رام الله واريحا.

لكن ما سبب الرفض؟ وهل تنوي السلطة الفلسطينية حقا توقيف التنسيق الأمني في حال رفض هذه الشروط – كما على الأرجح أن يحصل؟

يبدو على تصرفات المسؤولين الرفيعين في رام الله أن السلطة فعلا فقدت الأمل، لدرجة أن تكون مستعدة لإتخاذ خطوة كهذه – مستعدة أن تنهار مع اسرائيل.

ويشير المسؤولون إلى انعدام عملية السلام الدبلوماسية، استمرار البناء في المستوطنات، الإعتقالات التي لا زالت تحدث بشكل يومي في مدن الضفة الغربية، الإقتصاد المتضعضع، وجيل شاب عدائي أكثر فأكثر اتجاه السلطة الفلسطينية وعباس. ويقولون أن كل هذا خلق وضعا فيه تواجه السلطة الفلسطينية ووكالات امنها خيارات فقط: الإنهيار بسبب خطوات اسرائيلية (أو انعدامها)، او الإنهيار نتيجة خطوات اتخذتها السلطة بنفسها.

“من بين الخيارين”، قال أحد المسؤولين: “أنا افضّل الثاني”.

وردا على شكوك القيادة الإسرائيلية، نظرا إلى اصدار السلطة الى تهديدات كهذه منذ زمن طويل، قال هذا المسؤول، “الأوضاع لم تعد على ما هي. تغيرت العديد من الأمور مؤخرا”.

وعلى ارض الواقع، يبدو التنسيق الأمني ناجحا، وتشيد السلطات الأمنية الإسرائيلية بنجاحه. ويستمر اعتقال المعتدين وتبادل المعلومات بين الطرفين؛ وتفرق وكالات أمن السلطة المظاهرات. ولكن بينما تزداد الإنتقادات في الطرف الإسرائيلي لدور عباس ونظامه في تأجيج موجة العنف الجارية، في الطرف الفلسطيني أيضا هناك كلام معاكس حول انعدام الثقة والأمل، وانهيار شرعية السلطة الفلسطينية الناتج لدى الشعب. الاحباط واليأس عميقين ولا يرى الفلسطينيون أي امكانية لتحسين أوضاعهم في المستقبل القريب.

وبدون إمكانيات تقدم نحو الدولة، تخشى السلطة الفلسطينية وقيادة فتح بأن التنسيق الأمني مع اسرائيل تجعلهم يبدون كعملاء – تماما كما نظر اللبنانيون الى جيش لبنان الجنوبي، تحت قيادة الجنرال انطوان لحد، عندما ساعد اسرائيل على الحفاظ على سيطرته على جنوب لبنان حتى انسحاب الجيش عام 2000.

وهناك قلق في الأجواء الحالية بأن تضعف السيطرة على وكالات الأمن؛ وحماس تعمل جاهدا على اقناع عناصر أمن السلطة لتوجيه أسلحتهم الى اسرائيل.

“يرى جنود (السلطة الفلسطينية) ما يحدث حولهم”، قال أحد المقربين من عباس. “انهم يدركون تماما رد فعل الشعب”.

وتدرك الشخصيات البارزة في السلطة الفلسطينية أن عباس ونظامه – وليس فقط اسرائيل – سيتضررون من انتهاء التنسيق الأمني. والتعاون مع اسرائيل يساعد السلطة الفلسطينية على مواجهة حماس واعداء آخرين. وانتهاء التشارك في المعلومات الإستخباراتية سيكون ذار جدا – لكلا الطرفين، نظرا الى منع السلطة الفلسطينية لعدة هجمات ومخططات ضد اسرائيل، بينما اسرائيل كشفت ومنعت هجمات ضد السلطة. وإن ينتج انتهاء التنسيق بمنع اسرائيل لقوات السلطة بالعمل في بعض المناطق، هذا قد يعرقل قدرة السلطة الأساسية على الحكم. وهذا ايضا يعزز القلق لدى المسؤولين الرفيعين في السلطة الفلسطينية بأن تنهار السلطة وان يتم اتهامهم بالعمالة مع العدو.

ولا زال بعض المسؤولين في السلطة يأملون بأن تقبل اسرائيل توقيف النشاطات العسكرية، بشكل تدريجي، في انحاء الضفة الغربية، ولكن نظرا للإعتقاد المنتشر في ائتلاف نتنياهو بأن موجة الهجمات الحالية ستكون دامية اكثر بدون نشاطات الجيش والشاباك في تلك المدن، احتمال تحقق هذا ضئيل جدا.

وفي نهاية الأمر، يبدو أن الطرفين يدركان أنه بالرغم من سفك الدماء الحالي، الحقيقة هي اننا في مرحلة سيطرة نسبة، وهدوء نسبي، قبل العاصفة الحقيقية: انتهاء التنسيق الأمني، انهيار السلطة الفلسطينية، تصعيد الهجمات، وعدة نتائج سيئة أخرى.