في إعلانه عن انسحاب بلاده من الاتفاق النووي مع إيران يوم الثلاثاء قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب: “كان يمكن بسهولة إبرام اتفاق بنّاء في ذلك الوقت، لكن ذلك لم يحدث”.

سيكون لإدارة أوباما،  نصيرة هذا الاتفاق وكبيرة مهندسيه، مشكلة مع هذا التصريح. ولكن حتى لو كانت كملة “سهولة” تعبيرا مبالغا فيه، فإن ترامب محق. فلقد كانت هناك إمكانية للتوصل إلى اتفاق ملائم ومناسب، إلا أن مجموعة 5+1 – ومن ضمنها إدارة أوباما – فشلت في ذلك.

وفي الوقت الذي سيكون فيه على إدارة ترامب بدء العمل لتحقيق ما لم ينجح الاتفاق من عام 2015 في تحقيقه، فإن المهمة ستكون أكثر تعقيدا من المهمة التي فشلت الإدارة الأمريكية السابقة في تحقيقها.

لقد كان بالإمكان بالفعل إبرام “اتفاق بنّاء” – أي اتفاق لتفكيك البرنامج النووي للنظام الإيراني المارق – في سنوات أوباما، عندما نجحت الضغوط الاقتصادية بجر النظام الإيراني إلى طاولة المفاوضات وهو يرفس ويصرخ. لقد خشي نظام آيات الله من فقدان سيطرته على إيران؛ والغرب تمتع حينها بأفضلية قصوى. الروس والصينيون كانوا سيسعون إلى مقاومة اتفاق صارم يضع حدا لصناعة الأسلحة النووية الإيرانية على المدى الطويل، ولكن لو كانت الإدارة الأمريكية واضحة في وضعها أولوية قصوى لحتمية التوصل إلى اتفاق يمنع أخطر نظام في العالم من الحصول على أكثر أسلحة الدمار الشامل خطورة في العالم لكانت حصلت على مبتغاها.

كان بإمكان إسرائيل، الشيطان الصغير في نظر نظام آيات الله الجشع، المساهمة من خلال قدرتها على فهم الواقع في الشرق الأوسط في معركة الإرادات هذه، لكن الأمريكيين حرصوا على إبقائها بعيدة لمسافة ثابتة. طُلب من الحليف الوحيد الذي يمكن للغرب الاعتماد عليه في المنطقة، مع أفضل أجهزة المخابرات، عدم التدخل. والأسوأ من ذلك، تم إبلاغنا أنه بما أننا لا نعرف ما هو مضمون الاتفاق خلال صياغته لا ينبغي أن نعترض عليه، وبعد ذلك، عند إبرام الاتفاق، اتُهمنا بغير حق بمعارضة أي اتفاق، بغض النظر عن مضمونه.

الرئيس الأمريكي باراك أوباما ورئيس الوزراء بينيامين نتنياهو في المكتب البيضاوي في البيت الأبيض، 9 نوفمبر، 2015. (AFP/ Saul Loeb)

في هذه الأثناء، تم التلاعب بالمفاوضين بقيادة الولايات المتحدة. لقد تُرك الإيرانيون من دون عقاب، وحصل النظام على الاتفاق الذي كان يريده، ونجح في ترسيخ نفسه في السلطة – حيث أصبح أكثر جرأة وأكثر ثروة، وهو ما زاد من قوته في قمع شعبه وبث الفوضى في المنطقة وإبقاء عينيه على الجائزة النووية.

حاليا تهدد إيران باستئناف تخصيب اليورانيوم وتتباهى بأنها قد حسنت من التكنولوجيا لديها بحيث بإمكانها تخصيب مستويات أعلى من أي وقت مضى – وكل ذلك مع امتثالها للاتفاق. وهذا يبين لكم كل ما تحتاجون إلى معرفته بشأن الاتفاق. فهو لم يلزم إيران بالتخلص من كل أجهزة الطرد المركزية التي بحوزتها، وسمح لها بمواصلة البحث والتطوير في مجال التخصيب. أحسنتم صنعا أيها المفاوضون. عمل ممتاز.

(من اليمين الى اليسار) وزير الخارجية الصيني وانغ يي، وزير الخارجية الفرنسي لوران فابيوس، وزير الخارجية الالماني فراك-فالتر شتاينماير، وزيرة خارجية الاتحاد الأوروبي فيديريكا موغيريني، وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف، رئيس منظمة الطاقة الإيرانية علي اكبار صالحي في مقر الأمم المتحدة في فيينا، النمسا، 14 يوليو 2015 (Joe Klamar/AFP)

إن فشل مجموعة 5+1 في منع نظام آيات الله من الاستمرار في مساره سعيا إلى الحصول على سلاح نووي ينعكس بشكل واضح لا يمكن تبريره في النهج الواهن للوكالة الدولية للطاقة الذرية، وهي الهيئة الأممية المكلفة بمراقبة الاتفاق. أن تسمح الوكالة لنفسها بالتأكيد على التزام إيران بالاتفاق في الوقت الذي لا تسمح فيه بنود الاتفاق لها بتنفيذ عمليات تقتيش في أي وقت وفي أي مكان لمواقع مشبوهة هو أمر يصعب فهمه. ورد فعلها على المجموعة المذهلة من الوثائق الإيرانية بشأن الأسلحة النووية والتي تمكن الموساد من الحصول عليها في الأيام القليلة الماضية هو شيء يصعب تصديقه.

تخيلوا أن عمل حياتكم مكرس لمجال خبرة حساس للغاية، وبأنه يواجه عوائق مستمرة بسب قيود مفروضة على وصولكم إلى المواد البحثية الأساسية التي تحتاجونها، ولكنكم مع ذلك أصحاب السلطة العالمية في هذا المجال. ثم تخيلوا أن شخص آخر نجح، من خلال مشروع إستثنائي وشجاع، في الحصول على المزيد من المواد الأساسية، أكثر بكثير مما كنت تتخيلونه، ويعرض عليكم أن يجعلها متاحة لكم.

هل كنتم ستعبرون عن امتنانكم العميق وتسارعون إلى الاعتكاف على الاكتشافات الجديدة، أو كنتم سترفضون المواد، وتعتبرونها غير مرئية وغير مهمة؟ لا توجد جوائز على تخمين ما هو مسار العمل الذي اختارته الوكالة الدولية للطاقة الذرية بعد أن كشف رئيس الوزراء بينامين نتنياهو عن وثائق إيران النووية، التي تم تهريبها من طهران تحت أنوف الجمهورية الإسلامية “التي لم تسعى يوما إلى أسلحة نووية”.

رئيس الوزراء بينيامين نتنياهو يكشف ملفات تثبت برنامج إيران النووي في مؤتمر صحفي في تل أبيب، 30 أبريل، 2018. (Miriam Alster/Flash90)

إن قرار تراب إلغاء الاتفاق من عام 2015 بدلا من إصلاحه يخلق واقعا معقدا للغاية. حتى الآن، أظهرت دول مجموعة 5+1 جبهة موحدة وراء اتفاقيتها الواهية، على الأقل ظاهريا، مهما كانت العلاقات متوترة بينها، ضد نظام آيات الله.

أما الآن فلدينا الولايات المتحدة من جهة، وإيران من الجهة الأخرى، وبينهما هناك بريطانيا وفرنسا وألمانيا والصين وروسيا التي تسير جميعها في اتجاهات مختلفة قليلا. يمكن الاعتماد على إيران لاستغلال هذا التشرذم.

ولكن لا ينبغي تحميل دونالد ترامب مسؤولية ذلك، فالمشكلة هي في الخطيئة الأولي – اتفاق كان من المفترض أن يعمل على تفكيك برنامج الأسلحة النووية للنظام الإيراني المارق، ولكنه ببساطة لم يفعل ذلك.