مخيم اللاجئين شعفاط، شمال شرقي القدس، قليلا بعد حاجز حرس الحدود، من الصعب التحديد أي من الروائح هي الأقوى. هل هي رائحة الغاز المسيل للدموع التي تضربك فورا، أو أنها رائحة القمامة المحروقة، التي ترافقك في جميع أنحاء المخيم. تقريبا في كل زاوية هناك أكوام من القمامة، بعضهن محروقة وبعضهن لا. عمال الأونروا يبدون منهمكين بمحاولة إخلاء ولو القليل من القمامة في الشوارع، بدون تحقيق أي نجاح معتبر. بمسافة قريبة من هناك، فوق الشارع الرئيسي، هنالك لافتة كبيرة وبارزة معلقة فوق الشارع. صورة إبراهيم العكاري، منفذ هجوم الدهس في 5 نوفمبر الذي أدى إلى مقتل إسرائيليان، ترفرف فوق رؤوس العابرين في الشارع. الكتابات حول الصورة تحيي “الشهيد البطل الذي نفذ هجوم الدهس”. والموقعون، الجناح العسكري لحماس، كتائب عز الدين القسام.

التنقل بالسيارة تقريبا مستحيل. الشوارع معطلة والإكتظاظ عالي. السباب المحليين يحاولون توجيه السير ويوبخون السائقين الذين يعطلون حركة السير. بجانب بقالة رموني، بالقرب من المدرسة، السيارات واقفة. لا تتحرك أبدا. رائحة القمامة قوية جدا هنا. حتى في مخيمات اللاجئين في أنحاء الضفة الغربية، لا يوجد معاناة بارزة للعين والأنف لهذه الدرجة مثل المعناة في شعفاط. في كل مكان يمكن رؤية أطفال، يتجولون في الشوارع في ساعات الصباح، بدون هدف، لسبب غير معروف. وكأنه قرر أحد ما إغلاق مدرسة المخيم وإخراجهم إلى “حصة فراغ”. لا ينتظرون كثيرا ومعظمهم يصل في نهاية الأمر الى المفترق عند مدخل المخيم، عند الإلتفاف المقابل لحاجز حرس الحدود. العديد من الأطفال يتجمعون هناك، حول مجموعة ملثمين الذين يبدون أكبر منهم بقليل. يوجد هناك أولاد من جيل 6-16، الكبار منهم يرتدون الكوفيات، والصغار يبدون متحمسين “للخروج إلى المعركة”.

هذا المخيم يختلف عن باقي الأحياء والقرى في القدس الشرقية. فقير ومهمل جدا، محدود بجدران رمادية وحيان يهوديان، التلة الفرنسية وبسجات زئيف. زيارة المخيم تظهر أنه على الأقرب هنا، “إنتفاضة القدس” قد بدأت ولا تنتظر المحللين السياسيين أن يعلنوا عنها. بالنسبة للشباب في المخيم، مواجهات الأسابيع الأخيرة هي أمر اعتيادي، حياة يومية. اليأس يظهر هنا بذروته، وكذلك الكراهية لإسرائيل واليهود. لن يبكي أحد هنا على خمسة الإسرائيليين الذين قتلوا في كنيس بحي هار نوف في غربي المدينة.

في هذه الأثناء يعاودون رشق الحجارة ويردون من الجهة الأخرى للجدار بغاز مسيل للدموع. رائحة الغاز تغلب على رائحة القمامة المحروقة من جديد.

حبكة الدماء

الإنتفاضة الأولى في ديسمبر 1987، إنطلقت في أعقاب حادث طرق غير مقصود في مخيم اللاجئين جبلية في غزة بين شائق شاحنة اسرائيلي وسيارة فيها عمال فلسطينيين. اربعة الفلسطينيين توفوا. رأسا بعد الحادث انتشرت السمعة الخاطئة بان الحادث كان متعمد وان السائق الاسرائيلي اراد الانتقام على موت أحد اقربائه في تفجير. بشكل غير مفاجئ، وسائل الإعلام الفلسطينية (التي عملت وقتها تحت اشراف فلسطين، وليس تحت اشراف ابو مازن والسلطة الفلسطينية) اثارت الاجواء وحولت السمعة الى حقيقة مطلقة. موجة ضخمة من المظاهرات انطلقت، ومعها “انتفاضة الحجارة”.

في صباح يوم الإثنين تم العثور على جثة سائق حافلات فلسطيني، يوسف الرموني، معلقة في موقف حافلات في هار حوتسفيم. شرطة القدس اصرت على أنها لم تكن حالة إجرامية. في إسرائيل كانوا منهمكين يومها في الأنباء عن الإنتخابات المبكرة ويبدو ان الإدعاءات الصادرة عن الفلسطينيين بأن الرموني قتل، لم تثير الكثير من الإهتمام. ولكن مع هذا، لعدم إثارت الأجواء في أعقاب الحادثة، قررت الشرطة السماح بإجراء تشريح للجثة في معهد التشخيص الجنائي أبو كبير، بحضور طبيب شرعي فلسطيني، صابر العالول. نتيجة التشريح بحسب الأطباء الإسرائيليين كانت أن الرموني انتحر بشكل قاطع. وإضافة على ذلك، قالوا أن الطبيب الفلسطيني، العالول، وافق على هذا الإستنتاج. ولكن لأسباب غامضة، لم يطلب منه أحد ان يوقع على التقرير. وهنا يبدأ تعقيد الحبكة. العالول، لأسباب غير معروفة، قال لوسائل الإعلام الفلسطينية بأن إستنتاجه هو العكس، أي أنه يعتقد أن الرموني قتل خنقا وأنه لم ينتحر. وفصل كيف وصل لهذا الإستنتاج. السمعة بأن فلسطيني آخر (بعد مقتل محمد أبو خضير) قتل على يد متطرفين يهود انتشرت مثل اللهب في حقل شوك. ويبدو انه منذ وقت طويل لم يكن هناك إتفاق فلسطيني كهذا، متدينين وعلمانيين، شباب وشيوخ، أولاد الأغنياء وأهالي مخيمات اللاجئين طبعا، جميعهم اتفقوا بأن المستوطنين هم الذين قاموا بشنق الرموني. وعادت أحياء القدس الشرقية بالإشتعال.

ولكن في إنتفاضة القدس، خلافا عن إنتفاضة عام 1987، لا يكتفون بالتظاهر. في صباح يوم الثلاثاء ذهب غسان وعدي ابو جمال من منازلهم في جبل المكبر، الواقعة في جنوب شرق القدس، لحي هار نوف، الواقع في الطرف المعاكس للمدينة تقريبا. يبدو اهم كانوا يعرفون الكنيس الذي إختاروه، وادخلوه وقاموا بقتل الابرياء وقت الصلاة. المذبحة لن تصدم سكان القدس الشرقية، على العكس، هي فقط اثارتهم أكثر وتجدد المواجهات بين مئات الشباب وعناصر الشرطة. عندما حاولت أن أسأل شباب في القدس الشرقية حول تفسيرهم لقسوة القاتلين، اجابوا مرة تلو الأخرى بان هذا الرد الطبيعي لقتل سائق الحافلة (الذي لم يحدث).

جبل المكبر

في يوم الأربعاء، بالرغم من تصريحات الشرطة الإسرائيلية، لم يكن هناك حواجز عند مداخل جميع الأحياء العربية في القدس الشرقية، أو على الأقل لم يكن هناك حاجز في جبل المكبر، من حيث اتوا منفذي الهجوم في الكنيس. الخروج من القرية كان حر، بدون أي توقيف أو تفتيش. الأزمة الوحيدة بحركة السير كانت بجانب خيمة العزاء التي نصبت على يد عائلة المنفذان. عشرات السيارات، للمعزّيين أو الصحفيين الذين وصلوا المكان عن طريق شارع ضيق جدا. وهنا أيضا الروائح بارزة – عشرات قنابل غاز، ولربما أيضا السائل الكريه الذي تستخدمه الشرطة لتفرقة المظاهرات، ترك أثره على هواء القرية. كانت هناك مواجهات شديدة بين شباب جبل المكبر والشرطة التي سوف تستمر بعد ظهر اليوم.

عشرات الأشخاص متواجدين في خيمة العزاء. لا يوجد هنا رموز دينية أو أعلام لحركات. لا حماس ولا الجهاد الإسلامي، وحتى ليس فتح. أشقاء عدي وغسان يرتدون كوفيات حمراء، التي على الأقل وقت الإنتفاضة الأولى كانت تدل على انتسابهم إلى “الجبهة الشعبية”، المنظمة التي تعد علمانية سارعت تبني الهجوم، بالرغم من أنها على الأرجح لم تصدر أوامر أو حتى تعليمات لنشطائها الأقلاء للقيام بهجمات. أحد الجالسين في الخيمة قال لي أن “الوضع سيء، سمحتم للدين التسلط على النزاع، ما سبب إستفزازاتكم في الأقصى؟ انظر إلى الفيديوهات المنتشرة في جميع الهواتف النقالة، التي تظهر نساء تضرب في الأقصى، هذا تصرف مقبول؟”.

بجانبه يجلس نضال شكيرات (40 عاما). هو أحد القلائل هنا الذي لا يخشى التهجم على إسرائيل والتعبير عن دعمه للهجوم بشكل علني. “هذا الهجوم فخر، لكل أهالي القرية. نحن نرحب به ومتأكدين أنه سوف يليه العديد مثله وحتى أقسى منه، جميع القرى في القدس الشرقية فخورون بنا الآن، ونحن سوف نكون فخورين بأولادهم وقت تنفيذهم لعمليات كهذه. كل شاب يستشهد هو فخر لنا”.

“ولكنهم قتلوا وذبحوا مواطنين أبرياء،” قلت.

“وأنتم قتلتم مواطنين. قتلتم سائق الحافلة الفلسطيني، قتلتم محمد أبو خضير. أنتم تدعون أن قاتلي أبو خضير مجانين بدلا عن أن تلقوهم بالسجن لمدى الحياة. أنتم مع إستفزازاتكم في الأقصى خلقتم هذا الواقع وهذه المشاعر القاسية لدى الشباب”.

“أنت مقدسي نضال، أنت تعرف الإسرائيليين، أنت تعمل لدى يهود. كيف سينتهي هذا؟”

النهاية سوف تكون بالقوة. ما يؤخذ بالقوة، يحرر بالقوة. على الصهاينة تحرير الأقصى والكف عن الإعتقالات، عن الإعتداء على النساء في الأقصى. إن يستمر هذا، سوف تستمر الهجمات، وإن شاء الله ستكون أقسى”.