شرح محللون لمرات لا تحصى على مدى الشهر الأخير، بما في ذلك على هذا الموقع، بأن جزءا من إندلاع موجة العنف الحالية، وربما بمعظمه، هو نتيجة مباشرة للتحريض على مواقع التواصل الإجتماعي الفلسطينية. مرة تلو الأخرى، تم الإشارة إلى فيسبوك على أنه محرك دفع رئيسي للتصعيد الأخير، الذي يصفه الإعلام الفلسطيني بـ”إنتفاضة القدس”.

ولكن من خلال تحقيقات لمحققين إسرائيلين مع منفذي هجمات آخرين تم إعتقالهم في أعقاب الهجمات الأخيرة، أو تم الإمساك بهم وهم في طريقهم إلى تنفذيها، تعلو على السطح صورة مختلفة ومفاجئة.

للكثير من منفذي الهجمات لا توجد حسابات على الفيسبوك، أو على أي شبكة تواصل إجتماعي أخرى. مقاطع الفيديو التي تحرض على هجمات ضد اليهود لم تصل إليهم. تم تحفيزهم للقيام بضربتهم من خلال التحريض من الطراز القديم، النوع الذي لعب دورا محوريا في القرن الماضي: أحاديث وثرثرة مقاهي؛ بعض البرامج التلفزيونية بكل تأكيد؛ ولكن في الأساس الإشاعات التي تنتشر بسرعة البرق من بشكل شفوي. إنها هي التي تلعب جزءا كبيرا من التعبئة الأخيرة ضد اليهود.

في الماضي، كانت تُدعى هذه الظاهرة “فزعة”، وهي مصطلح عربي يشير إلى تنبيه أو صرخة مدوية تهدف إلى تحفيز الجمهور على الهجوم. يبدو أن هذه الآلية القديمة تقف في قلب التحريض الذي يقود هذه “الإنتفاضة” الأخيرة، التي شهدت أدوات من التحريض يعود تاريخها إلى ثورة 1936 ممزوجة بأولئك الشبان المعاصرين الذين يحصلون على معلوماتهم (من بين مصادر أخرى) من مواقع التواصل الإجتماعي لعام 2015.

بالتأكيد أن مواقع التواصل الإجتماعي لا تغيب عن الساحة. فهي تلعب دورا واضحا في تأجيج العواطف في التصعيد الأخير، حماس وآخرون يبرعون بخبث في إستخدامها، ولكنها كما يبدو ليست مركزية بالشكل الذي تحدث عنه الإعلام.

نصف الشبان الفلسطينيين في المدن يستخدمون الفيسبوك، ولكن في القرى ومخميات اللاجئين الصورة مختلفة تماما. المهاجمون القادمون من قرى منطقة الخليل، على سبيل المثال، ليس فقط أنهم ليسوا على الفيسبوك، ولكنهم غالبا ما يعيشون في منازل من دون خدمات كهرباء عادية.

شابة من قرية بالقرب من نابلس قالت للمحققين أنه لا توجد في قريتها إمداد ثابت للكهرباء، وشرحت أنها قررت تنفيذ هجوم عندما سمعت صدفة أحدهم يتحدث عن أن هديل الهشلمون، وهي فلسطينية منقبة تعرضت لإطلاق النار بيد جندي من غيفعاتي في الخليل بعد أن حاولت تنفيذ هجوم طعن، قُتلت بدم بارد، وتم ذبحها وتدنيسها. عندها قررت تنفيذ الهجوم للإنتقام من موت شابة لم تكن تعرفها.

الرواية رمزية في نتيجة أخرى دراماتيكية توصلت إليها التحقيقات: عدد من منفذي الهجمات يخرجون لتنفيذ هجماتهم خلال أقل من ساعة من سماعهم لأنباء أو إشاعات مزعومة، سواء من خلال شرائط الفيديو على الإنترنت أو شفويا، عن “جرائم قتل” الفلسطينيين من قبل إسرائيل. آخرون يخططون لهجماتهم على مدى فترة وحتى يقومون بتصوير شهاداتهم الأخيرة في أشرطة فيديو يُراد بثها بعد وفاتهم.

هذه الحقيقة – أن بعض منفذي الهجمات تم تحفيزهم على القيام بعمل ما من خلال تصريح بسيط من الجيران أو أفراد العائلة، أو من خلال صورة صعبة من إحتجاجات عنيفة أو من هجمات سابقة تم بثها على التلفزيون – تسلط الضوء على الأهمية الثابتة لهذه المنصات التقليدية في تأجيج العنف. في الواقع، أبرز الوسائل الإعلامية التي أشار إليها منفذو الهجمات بأنها كانت عاملا مؤثرا في قرارهم هي قناة “الأقصى” التابعة لحماس، التي لديها عدد كبير من المتابعين في الضفة الغربية، إلى جانب قناة تلفزيونية تابعة لحركة الجهاد وقناتين أخريتن: “القدس” و”فلسطين مباشر”. كل هذه القنوات الفلسطينيية تحظى بشعبية وبرامجها، كما يعتقد المحققون، تساهم في شعور منفذي الهجمات بأنهم يؤدون رسالة.

السلطة الفلسطينية تعمل على منع تحريض هذه القنوات على العنف، ولكن قناة “الأقصى” نجحت في اجتياز رقابة السلطة من خلال إستخدام البث في الوقت الحقيقي من مراسلين عبر هواتفهم المحمولة لإيصال المزاعم التي تعمل على خلق المناخ أو “الفزعة”.

السلطة الفلسطينية تواجه بالمثل صعوبة في السيطرة على الحدود البرية لمواقع التواصل الإجتماعي. هنا أيضا النظرة العامة لما يحدث هي تصور خاطئ بعض الشيء: الفكرة القائلة أن الكثير من صفحات الفيسبوك التي تم إطلاقها حاليا وتدعو إلى إنتفاضة ثالثة هي من إنشاء أفراد، أو مبادرات محلية، هي ليست صحيحة على الإطلاق. دور حماس في قيادة الخطاب على الفيسبوك أصبح أكثر وضوحا لأجهزة الأمن. تقوم حماس بتشغيل عدد ليس بقليل من الصفحات على الفيسبوك والتي تهدف إلى إثارة جماهير لـ”فزعة” العصر الحديث. بعض الصفحات تعمل من غزة وبعضها الآخر من الضفة الغربية.

هذا لا يعني أنه لا توجد هناك صفحات فيسبوك يديرها أفراد مستقلون أو فلسطينيون عاديون. ولكن يُعتقد أن حماس الآن هي القوة المسيطرة التي تعمل على تأجيج التحريض في مواقع التواصل الإجتماعي.

في نهاية المطاف، إن العدد الهائل من صفحات الفيسبوك التي تعمل على تأجيج التوترات جعل من مهمة أجهزة الأمن الإسرائيلية والفلسطينية في عرقلة جهود التحريض هذه مهمة صعبة. بمجرد أن يتم إغلاق صفحة واحدة، يتم فتح صفحات كثيرة أخرى بدلا منها.

من هم منفذي الهجمات؟

قامت إسرائيل بجمع بيانات حول هويات منفذي الهجمات. في الأيام الـ33 الماضية، خرج 73 فلسطيني لتنفيذ هجمات: 24 منهم من القدس والقرى المحيطة بها؛ 47 من الضفة الغربية، 32 من منطقة الخليل، و20 من المدينة نفسها. إثنان فقط كانوا مواطنين إسرائيليين.

6 من الـ73 كانوا نساء. جميعهم بإستثناء إثنين كانوا غير متزوجين. معدل العمر: (20 عاما).

عدد منفذي الهجمات من سكان المدن يفوق عدد القادمين من القرى بنسبة واحد إلى اثنين: 45 من منفذي الهجمات جاءوا من مدن أو بلدات صغيرة (مثل قباطيا)، 24 من قرى ريفية، و4 منهم فقط من مخيمات لاجئين – أو من مخيم لاجئين واحد على وجه الدقة، وهو حي شعفاط في القدس الشرقية.

في هذا الرقم الأخير يكمن ربما الفرق الأكثر دراماتيكية بين الإنتفاضة الحالية وإنتفاضتي 1987 و2000. في الماضي، كانت مخميات اللاجئين في طليعة إندلاع العنف والإرهاب، وأخذت على نفسها معظم القتال. اليوم، على الرغم من الظروف الإجتماعية والإقتصادية المزرية في المخيمات، فهم في الواقع ليسوا جزءا من الإنتفاصة. (شعفاط يمثل مركزية القدس الشرقية في هذه الظاهرة أكثر من كونه يمثل مخميات اللاجئين بشكل عام).

في حين أنه في الماضي، خرج عشرات الآلاف من سكان المخيمات إلى الشوارع في الضفة الغربية وقطاع غزة وانضموا إلى الخلايا المسلحة لفتح وحماس وشكلوا “رأس الحربة” في العنف، لكنهم يلعبون دورا هامشيا في الإحتجاجات التي وقعت في الضفة الغربية في الأسابيع الأخيرة، وهم يتجنبون بشكل لا لبس فيه المشاركة في هجمات الطعن.

هذا الغياب قد يفسر عدم وجود مشاركة شعبية أوسع في أحداث العنف، التي لم تتخطى حتى الآن بضعة آلاف من الناشطين.

من الصعب، وربما من المستحيل، الخروج بملامح واضحة لصورة المهاجم في التصعيد الحالي. على مستوى معين، هو شاب غير متزوج من القدس الشرقية أو الخليل. ولكن كما تعلمنا في الأيام الأخيرة، بعض منفذي الهجمات أتوا من أماكن أخرى، وبعضهم كان من النساء، بعضهم متعلم وآخرون على مستوى أقل من التعليم.

بعض هؤلاء منطوون إجتماعيا، في حين أن الآخرين، مثل مهند حلبي، الذي بدأ موجة هجمات الطعن في أوائل أكتوبر بعد أن قتل نحاميا لافي وأهرون بينيت في البلدة القديمة في القدس، كانوا أصحاب شعبية. من بين النساء، منفذات الهجمات الأوائل جئن من هوامش المجتمع الفلسطيني، ولكن الهجمات التي أتت في وقت لاحق قامت بتنفيذها نساء من حلقات إجتماعية تمثل التيار السائد في المجتمع الفلسطيني في الضفة الغربية.

هذه الإختلافات من الماضي، وتنوع منفذي الهجمات، تجعل من الصعب قول إلى أين يتجه كل ذلك. لا يتوقع مسؤولون أمنيون أي إنخفاض كبير في أعمال العنف في الوقت القريب، على الأقل لن يحدث ذلك من دون أفق دبلوماسي. سبب هذا التقييم متعلق بموقف السلطة الفلسطينية الغير مستقر في موجة العنف هذه. حتى في الوقت الذي نشرت فيه فتح دعوات للعنف، واتهم رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس إسرائيل بتهديد الأقصى وزعم كذبا أن إسرائيل تقوم بإعدام فلسطينيين أبرياء، لعبت السلطة الفلسطينية دورا رئيسيا في صد التحريض والمعارضة العنيفة لإسرائيل. من دون تغيير في التفاعل بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل – أي من دون مباردة دبلوماسية جديدة قد تكون قادرة على إعطاء بديل ذات مصداقية للعنف – لن تكون السلطة الفلسطينية قادرة على مواصلة التنسيق الأمني مع إسرائيل، أو المساعدة في ضمان أن يبقى الصراع في حدود “الشعبي”، لوقت طويل. التصعيد الأخير، بكلمات أخرى، يحمل في طياته خطرا حقيقيا بالتدهور إلى إنتفاضة مسلحة.