قبل أسبوعين إلتقى رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس مع مجموعة من الصحافيين الإسرائيليين في المقاطعة في رام الله (وأنا من بينهم). الرئيس، الذي يعرف الكثير منهم بأسمائهم، أعرب عم معارضته الشديدة للعنف والإرهاب ودعا من جديد لإستئناف محادثات السلام. يوم الأربعاء، بعد ساعات قليلة من الهجوم عند باب العامود والذي نفذه 3 شبان فلسطينيين من قباطيا، التقى عباس، في المكتب نفسه، مع مجموعة من أهالي منفذي هجمات فلسطينيين قتلوا إسرائيليين ولم يتم إعادة جثثهم. ربما يعتبر أبو مازن هذه الخطوة خطوة إنسانية تجاه العائلات. ومع ذلك، كان على الرئيس أن يفكر كيف سيتم تفسير هذا اللقاء في المجتمعين الإسرائيلي والفلسطيني: خطوة تضامن ودعم لأفعال منفذي الهجمات، خاصة في الأسبوع الذي حاول فيه شرطي فلسطيني قتل 3 جنود إسرائيليين وقام فيه 3 شبان من عائلات مؤيدة لفتح بهجوم دام في البلدة القديمة بمدينة القدس. أو بكلمات أخرى، ليست بهذه الطريقة يُصنع السلام، وليست بهذه الطريقة يوجهون رسالة ضد العنف والإرهاب. صحيح أن السلطة الفلسطينية تقوم بخطوات ضد الإرهاب وتمنع عمليات وتقوم بإعتقال مشتبه بهم بنية تنفيذ هجمات. ومع ذلك، عندما تكون الرسالة التي تظهر في كل وسيلة إعلام فلسطينية سواء كانت رسمية أم لا بأن منفذي الهجمات هم “أبطال” في الوقت الذي يقوم عباس بإحتضان عائلات “الشهداء”، فإن ذلك يُفسر في إسرائيل والأراضي الفلسطينية أيضا، بأن عباس، مثل أيام ياسر عرفات، يحاول بين حين وحين الركوب على ظهر النمر بدلا من التخلص منه.

في الليلة نفسها أشارت تقارير من غزة إلى إنهيار نفق آخر، هذه المرة في حي الزيتون. قبل يوم من ذلك، انهار نفق ثان، هجومي، حفره رجال حماس باتجاه إسرائيل، هذه المرة في منطقة نتساريم سابقا، ليس بعيدا عن كيسوفيم وناحال عوز. قُتل إثنان من رجال حماس وتصدر الخبر العناوين في وسائل الإعلام الإسرائيلية والفلسطينية. يبدو أنه على الطرفين يشعر الصحافيون بالميزة الخاصة ويسلطون الضوء على الأخبار المتعلقة في مسألة الأنفاق – تلك التي تستند على الأحداث في الميدان وتلك التي مصدرها في تصريحات سياسيين. بشكل شبه يومي تقوم وسائل الإعلام التابعة لحماس بنشر توثيق لمعدات هندسية إسرائيلية تقوم بعمليات حفر على الحدود في محاولة للكشف عن أنفاق. وعلى مستوى التصريحات، تصدر إسماعيل هنية، أبرز قياديي حماس في القطاع، العناوين يوم الجمعة الماضي عندما حذر من أن حركته تقوم بحفر إنفاق باتجاه إسرائيل وتجري إختبارات صاروخية. في المقابل، رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو هدد حماس بدفع ثمن باهظ إذا قامت بمهاجمة إسرائيل عبر الأنفاق. إلى هذه التهديدات انضم يوم الأربعاء أحد القادة المخضرمين في حماس، محمود الزهار، المعروف بالجواهر التي ينطقها. في حديث مع صحافيين قال الزهار “تقديرنا بأنهم اكتشفوا نفق واحد أو إثنين أو عشرة. الأنفاق وصلت إلى… ما بعد غزة. معنى ذلك أن الأراضي المحتلة في عام 1948 غير آمنة (بالنسبة للإسرائيليين). وصولك إلى نفق واحد لا يعني أنك وصلت للباقي”، وأضاف: “والآن، والمحد الله، أعلن بأننا في ظروف أفضل مما كنا عليه في الحرب الأخيرة”.

هناك شك بأن هذا هو الواقع. بعد أقل من عامين من الحرب الأخيرة، لم تستعيد حماس جميع قدراتها بعد، وبكل تأكيد في كل ما يتعلق بالمنظومة الصاروخية. وربما لهذا السبب، في مساء اليوم نفسه حاول الزهار أن يوضح بأن “التصريحات التي نُقلت عنه لم تكن دقيقة”. بالإضافة إلى ذلك، حاولت حماس أيضا توجيه رسائل تهدئة واضحة لإسرائيل. في محادثة أجريتها في مساء اليوم نفسه مع مسؤول في الحركة، سألته سؤالا بسيطا – هل تعتزم حماس الدخول في حرب مع إسرائيل. رده كان واضحا: الحركة لا تعتزم الشروع بخطوة هجومية أو حرب. “موقفنا واضح: لا نريد حربا ولا نريد تصعيدا. لا نية لدينا في هذه المرحلة أو في المستقبل بالبدء بحرب، ومن وجهة نظرنا هذا الخيار ليس على الطاولة” كما قال المسؤول الذي أضاف بأن حماس قامت بتوجيه رسالة التهدئة هذه إلى إسرائيل عبر وسطاء أتراك وقطريين وكذلك لمبعوث الأمم المتحدة نيكولاي مالدينوف، الذي التقى مع قيادة حماس في القطاع. ولكن المسؤول حذر من أن الوضع الإنساني في القطاع قد يأتي بنتائج صعبة. “أحد الأسباب الرئيسية للحرب الأخيرة كان الوضع الإقتصادي في غزة وإسرائيل تدرك ذلك. الوضع صعب اليوم أيضا، وربما أكثر. انظر لما يحدث مع البطالة والفقر. صحيح أن إسرائيل تحافظ على معبر البضائع مفتوحا وتهتم بإستمرار إعادة البناء، ولكن وتيرة إعادة البناء بطئية جدا وتُمارس علينا ضغوط للقيام بالمزيد. هاك مطالبة من الناس في غزة للعمل لإحداث تغيير في وضعهم. يوجد هنا الكثير من الأشخاص من دون بيوت ولم يعودوا قادرين على إحتمال الوضع. ومرة أرى، أشدد على أننا لا نريد الحرب. وندرك أن معظم الناس يريدون فقط إعادة بناء غزة وهذا ما نريده – مواصلة إعادة البناء”.

إذا أي طرف في حماس يمكن تصديقه؟ الزهار (بنسخة صباح الأربعاء) وهنية يوم الجمعة؟ أو ربما المسؤول الذي تحدث معنا وكلمات التهدئة التي أدلى بها هنية؟ وماذا بشأن الذراع العسكري للحركة الذي لن نسمع صوته على الإطلاق؟ الرأس السائد في إسرائيل هو أن حماس غير معنية بالتصعيد. ولكن يجب الأخذ بعين الإعتبار أنه في الحرب الأخيرة أيضا كانت هناك في الذراع العسكري من أراد توجيه “ضربة إستباقية” من خلال الأنفاق والقيادة في الخارج برئاسة خالد مشعل منعتهم من ذلك. هذه المرة لا يبدو أن لمشعل وأصدقائه القدرة على وقف الذراع العسكرية بقيادة محمد ضيف ويحيى سنوار أيضا، النجم الصاعد في سماء حماس في غزة. وإذا قرر هؤلاء العمل ضد إسرائيل، على عكس المصلحة السياسية للحركة أو رغبة الرأي العام في غزة، فمرة أخرى قد تجد إسرائيل نفسها في معركة طويلة أمام حماس في غزة.

بدلا من سيارة مثلجات، سيارة ماء

يمكن الإتفاق على شيء واحد مع المسؤول من حماس. الرأي العام في غزة، الذي منذ “الجرف الصامد” عارض بشدة إستئناف القتال مع إسرائيل، بدأ يسمع أصوات يأس ومعاناة أدت في الماضي إلى حروب مع حماس. قد يكون من الصعب على الجمهور في إسرائيل فهم مدى صعوبة الوضع في غزة. “يوجد لدينا 6 ساعات كهرباء في اليوم”، يقول لي (أ) في محادثة من غزة. “الوضع في منطقتنا أفضل نسبيا. لدينا ساعتين إضافيتين لأننا أخذنا كهرباء من خط آخر. ولكن حينا يُعتبر حيا ’مرموقا’. شقيقتي تعيش في حي آخر وتحصل على 3 ساعات”. بحسب أقواله، معظم السكان في غزة يعيشون بفضل المساعدات الإنسانية التي تقدمها المنظمات المختلفة. “هناك 45% بطالة. من لا يعمل يعيش على المعونة من الأونروا وهناك أيضا من يحصلون على رواتب من السلطة أو مساعدات من منظمات خيرية. في صفوف ’من يعمل’ أيضا لا توجد رواتب عالية. قد تجد عدد كبير من الغزيين الذين يعملون في تنظيف الشوارع مقابل 20-30 شيكل في اليوم. حتى لو كنت تعمل عند حكومة حماس، لا توجد لديهم القدرة على دفع راتب كامل. يوجد هناك اليوم أكثر من 100 ألف شخص تخرجوا من جامعات ولا يوجد لديهم وظيفة. يوجد هناك أيضا من أنهى الدراسة الثانوية ولكن لا توجد للوالدين القدرة على الدفع على تعليمهم الأكاديمي، وهم يجلسون في البيت، الناس تريد أن تعيش. أعرف شخصا لا ينتمي لأي منظمة سياسية، ولكنه يريد أن يقتات فذهب للعمل في حفر الأنفاق”.

“للغالبية العظمى لا توجد قدرة على شراء منزل أو بناء منزل. لذلك يعيش الجميع اليوم عند الأهل. 90% يقيمون عند الوالدين وهؤلاء فقط الذين لديهم القدرة على الزواج لأنه لا يوجد للناس المال للزواج. يوجد هناك اليوم مكاتب تقوم بتأجير صالات أفراح وتنظيم حفلات زواج وطعام للحفلات – بقروض خاصة – وعلى العريس إرجاع 100-150 دولار شهريا. لذلك عدد حفلات الزواج قليل. كذلك نسبة الطلاق ارتفعت بسبب عدم قدرة الرجال على توفير لقمة العيش”.

ماذا مع الماء؟

“الماء لا نشربه من الصنبور. في كل منزل هناك برميل كبير يملأون فيه 500 لتر. تصل شاحنات مع ناقلات كبيرة ومع موسيقى خاصة، وعندها أعرف أن الماء وصل. أسكن في طابق مرتفع. لذلك أقوم برمي حبل، يقوم البائع بربط الأنبوب وأقوما أنا بسحبه إلى الإعلى، وعندها يقوم بفتح التيار وهكذا يصل الماء إلى المنزل. لا بنبغي شرب الماء هنا ولكن الفقراء يفعلون ذلك”.

أهلا بكم في الصومال، نسخة غزة.